مطماطة… قرية تونسية غائرة في أعماق الأرض
tunigate post cover
ثقافة

مطماطة… قرية تونسية غائرة في أعماق الأرض

مطماطة قرية تونسية تقع في الجنوب الشرقي، اسمها البربري أَثْوَبْ وهي كلمة أمازيغيّة تعني أرض السعادة والهناء، حيث السكينة والماء
2022-05-12 16:54

 صابر بن عامر 


حين استخدم المخرج العالمي جورج لوكاس أحد منازل، أو بالأحرى مغاور قرية مطماطة (جنوب شرق تونس) كخلفية لديكوره الطبيعي في فيلم “حرب النجوم” اعتقد كل من شاهد العمل أواسط سبعينيات القرن الماضي أنه أمام فضاء لا ينتمي إلى عالم الأرض، فضاء أشبه بسطح القمر، وما المغاور إلاّ بيتا من البيوت التي عاش فيها لوك سكاي وهي وكر طفولته.

اختيار لوكاس قرية مطماطة لتصوير مشاهد في البيوت المحفورة في الأرض على شكل كهوف، والتي كان وما يزال يقطنها السكان الأصليون للمنطقة، لم يكن اعتباطيا، وتحويل بعضها اليوم إلى نزل سياحية تقليدية، يمكن لأيّ تونسيّ أو أجنبيّ زيارتها والإقامة فيها كان أمرا ضروريا وحتميا لربط الفني والسياحي بأرض أشبه بالقمر اسمها مطماطة تُحيل الزائر دائما وأبدا إلى “الملحمة الكونية” التي وثّقها لوكاس سينمائيا في ثلاثيّته ذات التسعة أجزاء، ففيم تكمن أسرار مطماطة تلك القرية الساحرة التي أبهرت لوكاس ومن ورائه العالم بأسره؟

مغاور للسكن والمؤونة

تبعد مدينة مطماطة حوالي 450 كيلومترا عن تونس العاصمة و43 كيلومترا من خليج قابس و60 كيلومترا من مدينة مدنين وتقع في الجنوب الشرقي لتونس، تحديدا في محافظة قابس.

وتتموضع القرية ضمن سلسلة جبل مطماطة على ارتفاع يصل إلى 618 متر من سطح البحر، الأمر الذي يجعل الهواء فيها رطبا في الصيف ودافئا في الشتاء.

أما عن السكان فلا يتجاوز عددهم الآن 3700 ساكن، وأما عن البيوت/ المغاور فانحصر عددها أخيرا في 650 بيتا أغلبها تقادم وفي طريقه إلى الانهيار إما إهمالا أو لعوامل طبيعية مناخية أهمها الانجراف، كما أفاد عبد الكريم الشوانين رئيس جمعية جبلي مطماطة بوابة تونس.

وعن خصوصية القرية يقول الشوانين: “كل شيء في القرية موجود في حفرة غائرة تحت الأرض، قرية كاملة تعيش في باطن الصخور الرملية، وكل حفرة أو منزل مكوّن من باحة منزل رئيسية تزينها الرسوم، وتتفرّع منها حفر أخرى هي بقية غرف المنزل. وتُعتبر الحفر والفتحات الأرضية الموغلة بعمق داخل الجبال مأوى آخر للسكان الأصليين ضدّ المُعتدين”.

وهذه الكهوف، أو البيوت الحُفر تتكوّن من فناء واسع وكهوف صخرية تستخدم كغرف للنوم أو مكان لتخزين الحبوب، بالإضافة إلى الممرّات التي تتجمّع فيها العائلة والتي تشقّ طريقها بعمق في الصخور الليّنة وتكون متصلة بممرّات.

والوصول إلى هذه الكهوف والحياة الكاملة بداخلها من ممرّات، وما يُشبه الغرف يكون عن طريق الأنفاق أو السلالم. أما من الداخل فتلك البيوت الصخرية أو الكهوف والمدهونة جدرانها باللون الأبيض الخالص مادة “الجير”، فتكون رطبة مع شيء من البرودة الخفيفة في الصيف ممّا يحمي سكان الكهوف من الشمس الحارقة في الصحراء القاحلة، لتغدو أكبر تجمّع لهم في العالم.

أرض السعادة والماء

يقول الشوانين: “مطماطة اسمها البربري أَثْوَبْ وهي كلمة أمازيغيّة تعني أرض السعادة والهناء، حيث السكينة والماء”.

ومردّ ذلك وفق الروايات القديمة أنّ القرية سمّيت مطماطة على اسم قبيلة أمازيغية قديمة، لم تستطع أن تقاوم جحافل بني هلال، ولم تتمكّن من التأقلم معها، فهاجر أهلها إلى هذه المنطقة الوعرة، وحفروا بيوتهم في باطنها حتى لا يراهم أحد، وحتى يتأقلموا مع المناخ ويحموا أنفسهم من الأعداء.

وإلى اليوم، ورغم زحف السنوات والتحوّلات المناخية والتضاريسية وانتقال العديد من الأهالي إلى السكن في مطماطة الجديدة، ما تزال هذه الكهوف والمنازل البربرية تُحافظ على الطابع المعماري ذاته الذي يكشف قدرة الكائن البشري على التكيّف مع العوامل الطبيعية الصعبة في أي زمان ومكان.

وهو ما تجسّد بشكل مُباشر في التاريخ الحديث، تحديدا خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك أثناء قصف الحلفاء مدينة قابس التابعة للنازيين، ففرّت حينذاك العديد من العائلات القابسية للجوء في المساكن التقليدية في مطماطة.

كما كانت مطماطة معقل “الفلاّقة” الذين حملوا السلاح ضدّ الاستعمار الفرنسي تحت قيادة المُقاوم محمد الدغباجي (1885-1924)، وكان العديد من زملائه من سكان مطماطة.

وبعد استقلال تونس عن المستعمر الفرنسي في العام 1956، أعلنت الحكومة أنها ستنقل سكان الجبال إلى المدن الجديدة الواقعة على هضاب مطماطة الجديدة والزراوة الجديدة وبني عيسى الجديدة، ولكن السكان فضلوا الاحتفاظ بمنازلهم بالقرب من حدائقهم التي تُعانق الجبال الشامخة.

ومن ثمة تحوّل بعضها إلى مزار سياحي يُذكّر الزائرين بشموخ الأرض وأهلها الذين قاوموا كلّ دخيل، كما تسرد للناس خيال المخرج جورج لوكاس الذي حوّل هذا النوع من المنازل إلى موقع تصوير لأشهر فيلم خيال علمي عرفته السينما الهوليوودية. فبدت القرية وبيوتها على الشاشة الكبيرة مثل أصداء كوكب خيالي لم يوجد أبدا، لكنه محفور في مغاور مطماطة لمن يودّ عيش مُغامرة سياحية ثقافية مُختلفة.

تونس#
جورج لوكاس#
مطماطة#

عناوين أخرى