محمد بشير ساسي
لم تمرّ ساعات بعد إعلان فشل المفاوضات المباشرة والتاريخية بين أمريكا وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد والتي عقدت في سياق هدنة أسبوعين لحرب استمرت 40 يوما امتدت إلى دول عدة في الشرق الأوسط، حتى عادت الخلافات والفجوات العميقة بين البلدين بالأزمة إلى نقطة الصفر منذرة بتفجر الوضع مجددا واستئناف النزاع العسكري.
أهم الأخبار الآن:
فبينما كان العالم يترقب انفراجة وشيكة عقب المحادثات هي الأعلى مستوى بين واشنطن وطهران منذ ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979، جنحت الأحد قبل أيام في ما يبدو صوب “سيناريو القتال” مجددا إثر إعلان الرئيس الأمريكي فرض حصار على السفن القادمة أو المتجهة إلى الموانئ الإيرانية.
و تتصاعدت بالتوازي المخاوف أكثر في وقت نقلت فيه تقارير إعلامية أمريكية عن مسؤولين أمريكيين مطلعين أن واشنطن تستعد لإرسال آلاف الجنود الإضافيين إلى المنطقة خلال الأيام المقبلة، بينهم نحو 6 آلاف جندي على متن حاملة الطائرات “يو إس إس جورج إتش دبليو بوش”، إضافة إلى قوة أخرى قوامها 4200 عنصر من مجموعة “بوكسر” البرمائية.
ويرى مراقبون أنه علاوة على قضية رفض إيران تفكيك برنامجها النووي، فتحت سيطرة الإدارة الأمريكية على مضيق هرمز بؤرة نزاع جديدة لم تسهم في عرقلة المحادثات الأخيرة فحسب، بل قد تؤدي أيضا إلى انهيار وقف إطلاق النار رغم تعبير ترمب عن ثقته في إمكانية التوصل قريبا إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران.
وفي وقت سابق كشفت بعض التقارير أن المسؤولين الأمريكيين رفضوا في إسلام آباد رفضا قاطعا مطالب إيران بالاعتراف بسيطرتها الفعلية على المضيق. وقد أصر الوفد الإيراني على التحكم في الممر المائي وتحصيل عائدات من حركة الملاحة.
كما أفادت التقارير أن المفاوضين الإيرانيين رفضوا مقترحا باكستانيا بتسيير دوريات أمريكية إيرانية مشتركة في الممر المائي. وفي مسعى منه لتقويض المكاسب الإستراتيجية الإيرانية، أعلن ترمب تحدي السيطرة الإيرانية على المضيق.
بينما تعيش مياه الخليج ومضيق هرمز حالة من “التفاوض تحت النار”، يفرضُ المشهد -الذي زادته التحركات العسكرية الأمريكية توترا وتعقيدا- قراءات قانونية بالغة الدقة لم يحسم بعد الجدل الدائر بشأن خطط كل من إيران وأمريكا فرض واقع جديد على الممر الحيوي بشكل يتعارض مع الأطر والقوانين الدولية التي تجرّد أي دولة من ممارسة السيادة على المضائق البحرية.
على معظم خرائط العالم، يظهر مضيق هرمز حلقة وصل بحرية محورية تربط الخليج العربي بخليج عمان، ومن خلاله ببحر العرب والمحيط الهندي. لكن هذا الممر المتواضع في اتساعه يخفي أهمية استثنائية، إذ يشكّل هذا الامتداد المائي إحدى أكثر النقاط حساسية إستراتيجيا واقتصاديا على صعيد النظام العالمي.
تفسّر عديد الأرقام أهمية المضيق من الألف إلى الياء، فقد أدى إغلاقه إلى آثار هائلة في جوانب حيوية للعالم أجمع. فلقد تحكّمت في مرور نحو 20 مليون برميل يوميّا من النفط الخام مع مشتقاته، تمثل نسبة 34% من تجارة النفط الخام عالميّا، ويتجه معظمها إلى دول آسيا.
ويعبر المضيق نحو 20% من إجمالي تجارة الغاز عالميّا. ويمر عبره أيضا نحو 20 – 30% من المواد الضرورية للأسمدة المخصصة للإنتاج الغذائي عالميّا، وقد يؤدي طول إغلاقه إلى بلوغ عدد سكان العالم المتضررين غذائيّا نحو 7 مليارات إذا طالت فترة الأزمة وفق تقارير منظمة الأغذية والزراعة.
وتمر منه كذلك مادة الهيليوم التي تصدِّرها دول الخليج إلى عدة دول مثل كوريا التي تحصل من قطر على 64.7% من احتياجاتها والهيليوم مادة ضرورية في صناعة أشباه الموصلات أو الرقائق.
يتبيّن من ذلك أن هرمز عقدة مركزية في قطاعات حيوية، الطاقة والغذاء والتكنولوجيا المتقدمة، سواء في الحواسيب أو صناعات السلاح المتقدم، أو في أنظمة الرقابة المتقدمة. ولن تنحصر تبعات انهيار هذه القطاعات إذا امتد إغلاق المضيق الانتقائي لأشهر في آماد متوسطة بل ستمتد آثاره إلى آماد أطول، في سيناريو استمرار الحرب إذا أخفق اتفاق الهدنة.
في الإجابة عن السؤالين هل يجوز لإيران وأمريكا إغلاق مضيق هرمز؟ وما رأي قانون البحار بذلك؟
ينبغي التفرقة بين مفهوم المضائق البحرية والقنوات البحرية اللذين يتشابهان فيما بينهما، فالمضائق الدولية هي “ممرات بحرية طبيعية تستخدم للملاحة الدولية وتربط بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر منهما”، بينما القناة البحرية هي “طريق مائي مصطنع بقصد تيسير الملاحة يقع في الأغلب بضفتيه في إقليم دولة، ومن ثم فإنها تعد جزءا من إقليم هذه الدولة، وبالتالي يكون لهذه الدولة الحق في ممارسة كافة مظاهر السيادة عليها بما لا يتعارض مع حرية الملاحة، فتفرض عليها رسوم عبور وتطبق تشريعاتها الوطنية عليها وتمارس سلطاتها التنفيذية والقضائية على السفن العابرة للقناة”.
وعادة ما يتم تنظيم العبور في القنوات بموجب اتفاقيات دولية خاصة توازن بين حقوق الدولة المشاطئة وسيادتها وحقوق الملاحة الدولية لباقي الدول، بينما تخضع المضائق الدولية لقواعد قانون البحار الواردة باتفاقية الامم المتحدة.
يُعدّ الإطار القانوني للمرور في المضائق الدولية أحد أبرز إنجازات اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، حيث استحدثت هذه الاتفافية نظاما جديدا للملاحة وهو المرور العابر، ليكون تنظيما وسطا بين المرور الحر المعمول به في المياه الدولية وأعالي البحار بوصفه حقا مطلقا غير مقيد بأي من شروط المرور بعيدا عن سيادة أي دولة من ناحية، والمرور البريء والمعمول به في المياه الإقليمية للدولة الساحلية فهو محدود بالسماح بالملاحة فوق السطح فقط، وقابل للتعليق لأسباب أمنية، ويجب أن يكون “بريئا” غير ضار بالدولة المشاطئة، من ناحية أخرى، ويمنح نظام المرور العابر جميع السفن والطائرات في المضائق الدولية الحق في ممارسة حرية الملاحة والتحليق وحدها لغرض المرور المتواصل والسريع، وهو حق لا يجوز إعاقته أو تعليقه. وقد حدّدت الاتفاقية واجبات الدول المشاطئة للمضيق في أنها لا يجوز لها فرض رسوم للعبور بالمضيق أو إعاقة المرور العابر، وعليها أن تعطي إشهارا مناسبا لأي خطر يهدد الملاحة أو التحليق داخل المضيق أو فوقه تعلم به، ولا يجوز تعليق المرور العابر بأي حال.
يُصنف مضيق هرمز بوضوح على أنه مضيق دولي يخضع لهذا النظام جغرافيا وقانونيا، حيث يربط بين الخليج العربي (المنطقة الاقتصادية الخالصة) وبحر عمان (أعالي البحار). ومع ذلك، تكمن الإشكالية في أن كلا من الولايات المتحدة وإيران قامتا بالتوقيع على هذه الإتفاقية لكن دون التصديق عليها حتى الآن، ومن ثم لا يمكن اعتبارهما طرفين في الاتفاقية، بل إن إيران أصدرت إعلانا رسميا عند توقيعها على الاتفاقية عام 1982، أكدت فيه صراحة أن بعض أحكام الاتفاقية (بما فيها نظام المرور العابر)، هي مجرد نتاج صفقة حزمية، ومن ثم لا تشكل بالضرورة قواعد ملزمة دوليا بالنسبة إليها، ولا تنطبق بالتالي إلا بين الدول الأطراف في الاتفاقية، كما أكدت أنها ستطبق بدلا منها نظام المرور البريء غير القابل للتعليق وفقا لاتفاقية قانون البحار القديمة الموقعة في جنيف عام 1958.
وقد تأكد ذلك الاتجاه عام 1993، عندما أصدرت إيران قانونا داخليا بعنوان “قانون المناطق البحرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية”، والذي تم تحديد المياه الإقليمية الإيرانية بمقتضاه وبجانب فردي، بما فيها مضيق هرمز، وفقا لحساب خط أساس بداية المياه الإقليمية والذي تدخل ضمن نطاقه مجموعة من الجزر حول جانبي المضيق من بينها الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، التي احتلتها إيران عام 1971 في أعقاب استقلال عُمان والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين عن الاحتلال البريطاني، وبموجبه تم تنظيم المرور في المضيق وفقاً لمبدأ المرور البريء ويسمح بتنظيم المرور وفق المصالح الاقتصادية والأمنية والوطنية الإيرانية، بما في ذلك حق إيران في فرض رسوم مرور، واشتراط الإذن المسبق لمرور بعض السفن.
ومن ثم فإن الموقف الإيراني في الأزمة الراهنة يستند بشكل واضح على عدم تصديق إيران على الاتفاقية واعتبار المضيق خاضعا للسيادة الإقليمية الإيرانية مع الحق في اتخاذ التدابير الدفاعية اللازمة بما فيها غلق المضيق في وجه الملاحة.
ترى الولايات المتحدة ودول الخليج العربية المشاطئة لمضيق هرمز (السعودية والإمارات وعمان والكويت والبحرين وقطر) أن أفعال إيران تمثل انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي للبحار، تأتي في مقدمة هذه الانتهاكات إغلاق إيران الفعلي للمضيق، واستهداف الناقلات بالألغام والصواريخ، بالإضافة إلى محاولات فرض رسوم مرور أو “رسوم أمنية”، وهو ما يُعد مخالفة صريحة لمبدإ عدم جواز فرض أي رسوم على المرور العابر غير القابل للتعليق الذي نظمته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتستند الولايات المتحدة في هذا الصدد على قاعدة في القانون الدولي العرفي تسمى “مبدأ أو اختبار حادثة كارولين” والذي بمقتضاه يحق للولايات المتحدة ودول الخليج الدفاع عن أنفسهم استباقيا من هذه الانتهاكات بكافة الوسائل المناسبة، شريطة أن تكون هذه الانتهاكات “عاجلة وقاهرة بحيث لا تترك فرصة لاختيار الوسيلة أو وقتا للتشاور والتداول”، وتكون هذه الوسيلة متناسبة مع حجم الانتهاكات وفقا لمبدإ التناسب.
ومن هذا المنطلق، يكون ذلك إجراء دفاعيا مشروعا ومتناسبا لحماية الملاحة الدولية، وليس اعتداءً على السيادة الإيرانية، بل تصحيح للانتهاكات المستمرة التي تهدد مصالح المجتمع الدولي بأكمله.
مع ذلك ونظرا إلى طبيعة القانون الدولي الخاصة، فإن هذه المسألة تظل في منطقة رمادية شديدة التعقيد وتدخل فيها حسابات مصالح الدول المعنية وتتشابك فيما بينها بغض النظر عن طبيعة القواعد القانونية العامة المجردة، فبين مطالبة طهران بـ”رسوم سيادية” وضرائب عبور، وبين الوجود الأمريكي الذي يفرض وصاية الأمر الواقع، أصبحت السفن العابرة تائهة في بروتوكول مزدوج، وكأن هرمز لم يعد مضيقا، بل “غرفة انتظار” كبرى تتطلب تأشيرتين لمرور واحد.


أضف تعليقا