عرب

مصدره بعض دول الخليج.. “بق” إلكتروني يُهاجم المقاومة الفلسطينية

في الوقت الذي يسطّر فيه الفلسطينيون ملحمة تاريخية أسقطت وهم قوة الاحتلال وجبروته بعد أن ضربت المقاومة العدو فأوجعته وما زالت، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي مجموعات إلكترونية من بعض الدول الخليجية تبثّ سمومها وتشكّك في عملية “طوفان الأقصى”.

إلى هنا، يبدأ الأمر عاديا ومعهودا، ففي كل جولة حرب تقودها المقاومة تجاه الاحتلال الغاصب، تظهر شخصيات عربية ومجموعات وفي جعبتها ما يخالف السواد الأعظم من الشعب العربي المساند والمتضامن مع القضية الفلسطينية.

ففي السابق كان المثبطون والمشككون في المقاومة أفرادا أو أسرابا، يقودون حملاتهم عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بآراء وتعبيرات مختلفة تستند في أغلبها إلى تحليلات مركبة تهدف إلى ربط المقاومة الفلسطينية، خاصة حركة حماس بإيران حتى تنزع عنها نوعا من الشرعية الجماهيرية في العالم العربي والإسلامي السني أو ربطها مع جماعة الإخوان المسلمين.

هذا الأمر كان يستغلّه الاحتلال ويُظهره في شكل تصريحات على لسان بعض مسؤوليه، على غرار أفيخاي أدرعي الذي يعمل على استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لبثّ رسائل تدعم بروباغندا الاحتلال إلى المتلقّي العربي قصد قلب الصورة.

وفي حرب 2014، أعاد أدرعي نشر تغريدات بعض الشخصيات العربية (فنانون، أدباء، سياسيون إعلاميون، وأشخاص عاديون)، واستشهد بما كتبه آخرون ممن ساندوا الكيان في عدوانه.

والظاهر أنّ هذا الأسلوب لم يعد نافعا في هذه الجولة الجديدة من الحرب التي تكبّد فيها الاحتلال خسائر كبيرة لم ير مثلها في السنوات الـ50 السابقة.

وبالإضافة إلى عدد القتلى الذي فاق الألف مُني الكيان بهزيمة نفسية كبيرة، بعد أن مرغت المقاومة أنف استخباراته التراب في عملية وُصفت بالنوعية وغير المسبوقة أصابته بصدمة وإرباك شديدين.

وبما أنّ التغريدات المنفردة التي يشنّها “الذباب” الإلكتروني التابع لبعض الدول المطبعة مع الكيان أو تلك التي تتهيّأ لإقامة علاقات جديدة لم تعد مجدية، ظهر أسلوب جديد لضرب المقاومة والتشكيك فيها وفي منجزها على الأرض.

تغيّر التكتيك الاتصالي بعد أن أثبت فشله في التأثير في جموع المناصرين والمتضامنين مع القضية المركزية للعرب والمسلمين، وأصبح النشر المكثّف لتغريدة واحدة من بين الأساليب الجديدة لإيهام المتلقي بأنّ المتبنّين لهذا الطرح هم كُثر.

وتعتمد عملية النشر والتداول المكثّف عن طريق فتح عدد لا بأس به من الحسابات الجديدة الوهمية على موقع تويتر سابقا إكس حاليا تحت أسماء مستعارة.

ونشطت هذه الحسابات بشكل كبير مع انطلاق عملية طوفان الأقصى، وعملت على ترويج مزاعم حول استهداف المقاومة لما سمّتهم “مدنيين” ومعاملتهم بوحشية عند أسرهم.

وغيّبت هذه الصفحات أنّ ما سمّتهم مدنيين هم مستوطنون افتكوا أراض بغير وجه حق وأطردوا أصحابها، بالإضافة إلى أنّهم مسلّحون ومدرّبون في قوات الاحتلال.

وكانت تحقيقات منصة “إيكاد” المتخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة، عن طبيعة عمل حسابات سعودية صهيونية تهاجم المقاومة الفلسطينية وتنتقد عملية “طوفان الأقصى” التي نفّذتها كتائب القسام.

وأوردت إيكاد في تحقيق مطول نشرته عبر حسابها الرسمي على منصة إيكس أنّ هذه الحسابات ظهرت “بروايات وسردية متطابقة تماما، مُردّدة الجمل والعبارات ذاتها بكثافة بعد ساعات فقط من بدء عملية طوفان الأقصى”، مثل حسابات حمد العتيق وسلمان بن حثليين وعبدالله الطويلعي.

وزادت المنصة: “هذه الحسابات وغيرها كما هو واضح في التغريدة أدناه، ركّزت على ترويج مزاعم حول استهداف المقاومة للمدنيين الإسرائيليين ومعاملتهم بوحشية وأسرهم”.

وقالت إيكاد إنّه من خلال تحليل الحسابات التي ردّدت العبارات ذاتها وروّجت لسردية معادية للمقاومة، تم ملاحظة أنّها مجرد لجان إلكترونية ممنهجة ومترابطة ومتفاعلة مع بعضها بشكل واضح، تتفاعل وتغرّد مع الحسابات المركزية السعودية وتردّد العبارات نفسها.

وخلصت “إيكاد” في تحقيقها إلى أنّ من يقود الحملة هي لجنة واحدة وذلك يعود إلى تاريخ إنشاء حسابات عديدة منها (معظمها أنشئ في أكتوبر وسبتمبر وأوت الماضي)، وأنّها تتفاعل مع الحسابات ذاتها وتروّج للفكرة نفسها.

وإذا استندنا إلى ما توصّلت إليه إيكاد يتحقّق لدينا ما ذكرناه سابقا من أنّ الاحتلال غيّر طرقه الاتصالية من الاعتماد على تغريدات أفراد تسوقهم أفكارهم المؤدلجة وحقدهم على كل ما هو إسلامي أو منجز ثوري بعيدا عن سياقتهم الفكرية، إلى الاستثمار في ما حقّقه من تطبيع مع بعض الدول الخليجية وفي تقاربه السريع مع أخرى.

ويرتبط الاحتلال الإسرائيلي بعلاقات متينة مع الإمارات والبحرين، ويجري مشاورات مع مسؤولين سعوديين برعاية أمريكية لإقناع الرياض بتوقيع اتفاق كالذي وقّعته أبو ظبي والمنامة في منتصف سبتمبر 2020.

وقياسا على ذلك، يمكن القول إنّ الاحتلال أيقن أنّ “الذباب” الإلكتروني -وهو غير منضمّ وغير مرتبط بفكرة- غير قادر على إفساد الإنجاز التاريخي للمقاومة فخيّر استبداله بـ”بق” إلكتروني ينقل العدوى ويثير الغثيان، لكنه أهمل من حساباته أنّ أصحاب “طوفان الأقصى” ليسوا مجرد مقاومين بل هم ملح الأرض وأديمها.

وكما فشلت حملة الكيان المحتل التي شنّها على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء حرب 2014، ستفشل محاولته في 2023 وستكشف “الصهاينة العرب” -وسم أطلق دفاعا عن المقاومة- مرة أخرى.