مشروع الدستور بين صيغتين... ما هي أبرز الاختلافات؟
tunigate post cover
تونس

مشروع الدستور بين صيغتين... ما هي أبرز الاختلافات؟

تناقضات جذرية في الفصول والأبواب والمفاهيم... بوابة تونس ترصد أبرز الاختلافات بين صيغتي الدستور المقترح
2022-07-03 16:44

وجدي بن مسعود

كشفت النسخة الأولية لمشروع الدستور التي أزاح الستار عنها رئيس الهيئة الوطنية الاستشارية العميد الصادق بلعيد في حوار شامل مع جريدة الصباح التونسية اليوم الأحد 3 جويلية/ يوليو، عن اختلافات شاسعة وكبيرة مع الصيغة النهائية المنشورة بالرائد الرسمي.

اختلافات وصفها بلعيد في رسالته التي وجهها إلى التونسيين، بكونها “تحويرات جذرية في الأصل وفي روح النص”، ما يجعل النسخة النهائية المطروحة للاستفتاء “محفوفة بالمطبات والمخاطر”، وفق تعبيره.

نسخة الغرف السوداء

المقارنة المتمعنة بين النسختين توضح أن الرئيس سعيد تجاهل بالكامل جهد الهيئة الاستشارية وكل ما تمخض عن جلسات الحوار الوطني وطرح بالنهاية مشروعا يجسد أفكاره الخاصة، كما يجمع على ذلك أغلب المراقبين والمتابعين السياسيين.

موقف العميد بلعيد ومن قبله أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ المتبرئ من الصيغة المنشورة بالرائد الرسمي، يحيل على “أزمة شرعية مفقودة”، فنسخة مشروع الدستور المطروحة للاستفتاء لم تكتبها اللجنة الاستشارية، التي كانت “مجرد إطار شكلي استخدمه الرئيس لإضفاء ديكور تشاركي في صياغة نص الدستور”، كما ذهب  إلى ذلك كثير من المراقبين والمحللين السياسيين في تصريحات سابقة لبوابة تونس.

وفي تدوينة نشرتها على فيسبوك، قالت أستاذة القانون الدستوري هناء بن عبدة إن مقارنة النسخة النهائية لمشروع الدستور بالمسودة الأولى، تثبت أن هناك من “كتبه وحده في غرفة من غرفه المظلمة بعد أن ناور وراوغ واستعمل الصور والمقابلات للإيهام بأنه يقوم بالحوار الوطني، وفي آخر لحظة ووفيا لمنهجية سياسة فرض الأمر الواقع، أخرج الكارثة لتمرير مشروعه الفئوي الرجعي التدميري لمقومات الدولة المدنية الديمقراطية”.

تمثل الهوية

أبرز الاختلافات المرصودة بين المشروع المقدّم من قبل الهيئة الاستشارية الوطنية والصيغة النهائية، تشمل عددا من الفصول والأبواب والمفاهيم الأساسية.

فعلى مستوى التوطئة يتبيّن أن الصيغة المنشورة بالرائد الرسمي حذفت كل ما يتعلق بالإشارة إلى القيم الكونية والحقوقية والإنسانية المشتركة، وتأكيد الانتصار لحركة التحرر الوطني الفلسطيني وكل المظلومين في العالم، كما قامت بإحالة المفاهيم المتعلقة بالهوية الوطنية إلى الباب الأول، مع إعادة صياغتها بشكل مختلف، حيث باتت تونس جزءا من الأمة العربية بدلا من انتمائها إلى الأسرة العربية، وهو مفهوم إيديولوجي مستمد من الفكر القومي والعروبي، فيما أسقطت الإشارة إلى العمق والانتماء الإفريقي لتونس.

وكان العميد بلعيد قد اتهم في رسالته الرئيس سعيّد بـ”طمر الهوية التونسية وتشويهها”، على عكس التعريف الذي اعتمد في الصياغة الأولى.

المسألة الاقتصادية

على عكس الصياغات الدستورية الكلاسيكية، أفردت النسخة الأولية الباب الأول للمسألة الاقتصادية بهدف التنصيص على الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، عبر ترسيخ مبدإ التكافل بين المواطنين وتثبيت التعايش بين القطاع العام والخاص والاقتصاد التضامني.

كما تضمن هذا الباب فصلا يلزم الحكومة بالتوازنات الكبرى للمالية العمومية و”تغطية المصاريف العادية للدولة في حدود مواردها الذاتية”، بهدف الحد من معضلة المديونية، فضلا عن إحياء هيئة تسمى “المجلس الوطني للسياسة الاقتصادية والمالية والنقدية والمنافسة”.

أسقطت نسخة قيس سعيّد الباب الاقتصادي برمته رغم أهمية ما طرحه من تصوّرات ومبادئ، كان سعيّد سباقا إلى تبني البعض منها والتنظير لها في السابق قبل أن يلغيها بجرة قلم.

كيان الجمهورية وقيمها

أما على مستوى الباب الثاني المتعلق بالأحكام العامة التي تضبط كيان الدولة، فقد حذفت من الصياغة المطروحة للاستفتاء الإشارات المتعلقة بالبعد الديمقراطي والاجتماعي للجمهورية، وقيم المواطنة وإرادة الشعب والحقوق والحريات والتضامن، مكتفية بتعريف جاف بكون تونس “دولة حرة مستقلة ذات سيادة”.

فخ التدابير الاستثنائية

على مستوى الباب الخاص بالوظيفة التنفيذية وسلطات رئيس الجمهورية، لا يبرز هذا الباب أي اختلاف بين النسختين على مستوى الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس، بقدر ما يتعلق بإعادة تضمين الفصل 80 من دستور 2014 الخاص بالتدابير الاستثنائية في حالة “الخطر الداهم”.

فما بين الفصل 86 في النسخة التي قدّمت من جانب الهيئة الاستشارية، والفصل 96 في النسخة التي طرحها قيس سعيّد، اختلافات تمنح رئيس الجمهورية اليد العليا في إعلان التدابير الاستثنائية وإمكانية فرض استمرارها لفترة غير محدودة، مقابل تحجيم دور المحكمة الدستورية ومجال تدخلها.

وعلّق بلعيد على الصياغة الجديدة بالقول: “إنها تضمن لرئيس الدولة صلاحيات واسعة بشأن الخطر الداهم في ظروف يقرّرها بمفرده، وهو ما يمهّد لنظام دكتاتوري”.

وعلى عكس الصيغة المعدلة، فإن النسخة الأولى من هذا الفصل تشترط استشارة الوزير الأول ورئيس مجلس النواب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، “التي يعهد إليها بعد مرور ثلاثين يوما البت في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه بطلب من مجلس النواب”.

وفي سياق متصل، يلفت رئيس الهيئة الاستشارية إلى أن مشروع قيس سعيّد تضمن “تنظيما منقوصا وجائرا للمحكمة الدستورية يحدّ من صلاحياتها ويحصر أعضائها في سلك القضاة”، بعد أن كانت النسخة الأولية تقترح تعيين عدد من المحاميين ضمن تركيبتها، كما أن نظام التعيين القائم على معيار الأقدمية لا الكفاءة يحدّ من استقلاليتها.

حصانة مطلقة

الفصول الخاصة بالسلطة الرئاسية في الصيغة الرسمية المقدّمة إلى الاستفتاء تمنح رئيس الجمهورية حصانة مطلقة من المساءلة والمحاسبة وتنفي عنه أية مسؤولية سياسية، كما حذف منها الفصل 92 الذي كان يقترح إمكانية تقدّم أعضاء مجلس النواب بلائحة لإعفاء رئيس الجمهوريّة، “في صورة الخرق الجسيم للدستور والمصادقة عليها بأغلبيّة الثلثين”.

في المقابل تحوّلت الحكومة إلى الشماعة التي تتحمّل أخطاء الرئيس السياسية، رغم كونها مجرد أداة تنفيذية لسياساته وقراراته ويمكن إقالتها ومساءلتها أمام مجلس نواب الشعب.

تنظيم إداري مبهم  

وعلى صعيد التنظيم الإداري فإن الصيغة المعروضة على الاستفتاء، تكتفي بفصلين يتعلقان بتنظيم الجماعات المحلية والجهوية والبلديات بصياغة فضفاضة ومبهمة، بدلا من سبعة فصول في النسخة الأولى فصّلت بشكل واضح كل المسائل المرتبطة بالحوكمة المحلية، مع التنصيص على مفهوم اللامركزية الترابية لتجسيد العدالة التنموية بين الجهات، وهو ما علق عليه العميد بالعيد بالقول إنه “نظام جهوي وإقليمي مريب ومبهم وغامض ينذر بمفاجآت غير حميدة مستقبلا”. 

الصادق بلعيد#
مسودة الدستور#
مشروع الدستور المقترح#

عناوين أخرى