رأي عرب مدونات

مشاهد الود بين المقاومة والرهائن تُغضب الاحتلال

أنيس العرقوبي

أثارت مقاطع الفيديو التي تنشرها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، غضب القادة الصهاينة وحمّالي حطب نار الحرب في الأراضي المحتلة الرافضين للهدنة الإنسانية والداعمين لخطط نتنياهو في ما سموه “اجتثاث” حركة حماس.

وتجاوز تأثير مقاطع الفيديو والصور التي تنشرها كتائب القسام العالم الغربي، ليصل إلى الكيان إذ أبدى سياسيون وقادة الرأي امتعاضهم من وصول الصورة الحقيقية لتعامل المقاومة مع الرهائن إلى الداخل الإسرائيلي وما يترتب عنه من حراك رافض للحرب التي تشنها قواتهم في غزة.

وتؤكد تصريحات مسؤولي الاحتلال التي نقلتها تقارير الإعلام التابع للكيان، أن تلك المقاطع والصور التي أظهرت الود المتبادل بين الرهائن وعناصر المقاومة وضعت حكومة بنيامين نتنياهو في موقف محرج داخليا وخارجيا، داعين إلى منع تداولها.

ود وتودّد

منذ أول عملية تبادل للأسرى بين المقاومة والاحتلال، صُدم الرأي العام العالمي من طريقة تعامل عناصر كتائب القسام مع الإسرائيليين الذين كانوا محتجزين لديها، بعد أن أظهرت مقاطع الفيديو المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي ودا متبادلا بين المأسور وآسره.

تلك المشاهد تكررت في كل عملية تسليم بتفاصيل مختلفة حيث يخرج المحتجز الصهيوني أو الأجني بوجه غير الذي تنتظره ماكينة الدعاية الإسرائيلية، فتراه مبتسما ملقيا تحية امتنان وتقدير لرجال المقاومة الذين أشرفوا على احتجازه.

تجول كاميرا المقاومة مستعرضة تفاصيل تعلم أن الصهاينة يعملون على التدقيق فيها، لتعرض مشاهد التعامل الحضاري والإنساني فتظهر شابة صغيرة وهي تستغل الثواني الأخيرة- بعد أن استقلت سيارة الدفع الرباعي التابعة للصليب الأحمر- من أجل إرسال ابتسامة أخيرة إلى أحد رجال المقاومة في لحظة امتنان وعرفان بما قدموه من حسن الضيافة.

وداعات استثنائية ولحظات غيب فيها رجال المقاومة الحقد المدفون في نفوس المستوطنين والصهاينة، وثقتها مقاطع الفيديو التي لاقت استحسان رواد مواقع التواصل الاجتماعي وإشادة المنظمات العالمية التي تعنى بحقوق الإنسان.

يربت المقاوم الملثم على كتف الطفل ويترفّق بعجوز مقعدة وهو يحملها إلى مقعد السيارة ويعطي الطعام والماء والعصير رغم الجوع والحرمان الذي يعانيه بفعل الحصار المضروب على غزة وقطع الإمدادات.

وتظهر فتيات وسيدات في هيئة مرتبة توحي بأن مكان الأسر يتضمن كل الاحتياجات الإنسانية الأساسية وهن يبتسمن لرجال المقاومة ويلوّحن لهم بالود والتودد في رسالة مفادها: “نشكركم على حسن التعامل لن ننسى معاملتكم ما حيينا”.

في مكان آخر وفي وداع مختلف، وقف العالم مذهولا مرة أخرى وهو يشاهد أسيرة تحمل كلبا وهي تشكر أحد رجال المقاومة، وبما أن لحظات التودد صارت مألوفة اختطف الحيوان الأضواء من الأسرى وفتح الأبواب لمشاعر أخرى وحقائق مختلفة وأسئلة لا تهدأ.. إلى هذا الحد اعتنوا بكلب؟ أطعموه لـ50 يوما؟.

بعد الحرب.. ربحوا الدعاية

كانت قوات الاحتلال وبعض الدول الغربية الداعمة لها تراهن على أخطاء اتصالية تقوم بها المقاومة أو أن يدفعها الإحساس بالظلم والضيم إلى الانتقام من الأسرى خاصة في ظل ارتفاع عدد الشهداء الذي فاق 15 ألفا والتدمير الممنهج للمجمعات السكنية والمرافق الصحية، لكن أمانيهم حطمت بدعاية قُدت على المقاس بعثرت  حساباتهم.

  وإضافة إلى قدراتها القتالية على الأرض بصدها هجوما بريا وجويا وبحريا لنحو 50 يوما، أبانت المقاومة عن إمكانياتها الهائلة على الصعيد الاتصالي الذي ضرب الرواية الإسرائيلية في المقتل وكشف زيفها وأسقط حملات تضليلها.

 هدمت حركة حماس البروباغندا الإسرائيلية من خلال التركيز على جزئيات مهمة أنارت الرأي العام العالمي وأجلت عنه غمامة الدعاية الصفراء التي رسمها المحتل لفترة، وفصلت بشكل واضح بين صورة المقاوم شديد البأس في الحرب ورقيق القلب في السلم الذي يحترم الشرائع السماوية والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان وكذلك الحيوان.

وأنتجت المقاومة إعلاما خاصا وفق الميكانزمات التي تحددها الحرب لتكذيب ادعاءات الاحتلال وفضح الانحياز الغربي وتخاذل المؤسسات الأممية المدافعة عن حقوق الإنسان والشعوب.

واختارت المقاومة ترتيب أجندتها الدعائية بطريقة تصاعدية بدأت بكشف الدعاية الإسرائيلية حول قوة حركة حماس وقدراتها العسكرية وامتلاكها أسلحة متطورة، حيث كشفت الحرب أن المقاومين يصدون الهجوم البري بأسلحة بدائية تم تطويرها محليا.

ثم انتقلت الدعاية إلى مستوى الاستهداف النفسي للعدو بنشرها مقاطع فيديو من مسافة صفر وهو ضرب وهم القوة التي لا تقهر والجيش الذي لا يهزم، ونجحت المقاومة في هذا الجانب نجاحا باهرا، لتنتقل إلى مستوى أعلى منذ ذلك بكشفها زيف دعاية استخدام المستشفيات مركزا لعملياتها.

أما الجزء المهم في الدعاية فيتركز في الجزء المتعلق باحترام المواثيق الدولية، حيث كشفت المقاومة أن المحتل الذي وقع  على العديد من الاتفاقيات الدولية التي تمنع التعذيب مارس أبشع وسائله بحق الأسرى الفلسطينيين في سجونه وذلك وفق رواية المفرج عنهم.

فبينما تفرج المقاومة عن الرهائن وسط التزام تام بأعراف التعامل مع الأسرى، تحدثت أسيرات فلسطينيات محررات وأطفال محررون عن تعرضهم لمعاملة سيئة في السجون الإسرائيلية تصل حد الركل والضرب والحرمان من النوم والطعام والدواء.

ووقف العالم على طريقتي التعامل، بعد أن منع الاحتلال الإسرائيلي كل مظاهر الفرح في بيوت الأسرى الفلسطينيين في حصار جديد يكشف زيف ادعاءته ويعزز اتهامه بالنازية.

صدى الدعاية في الداخل

نجحت المقاومة في كسر حواجز الاحتلال الإعلامية بعد إرغامه على متابعة مراحل تسليم الأسرى الإسرائيليين مباشرة وذلك بعد أن رفض نقل مشاهد الدمار والقتل في صفوف الفلسطينيين بحجة أنها دعاية فظيعة أنتجتها حماس.

وبالإضافة إلى مقاطع الفيديو التي تنشرها المقاومة، دفع حديث الأسرى الإسرائيليين بعد الإفراج عنهم إلى تغيير الصورة واقتناع الداخل بأن  تعامل حماس لم يكن عملا دعائيا مبتذلا بل كان انعكاسا لأخلاق أهل غزة.

وفي وقت سابق، نقلت “جيروزاليم بوست” عن الإسرائيلية أدريانا، أن جدتها يافا عادت من غزة “جميلة ومشرقة” وفي وضعية صحية جيدة، فيما قال قريب لإحدى الأسيرات: “لحسن الحظ، لم يتعرضوا لأي تجارب غير سارة أثناء أسرهم، بل تمت معاملتهم بطريقة إنسانية.. خلافا لمخاوفنا، لم يواجهوا القصص المروعة التي تخيلناها.. كانوا يتابعون الراديو والتلفزيون ”.

وأثارت تصريحات الأسيرة الإسرائيلية السابقة لدى حماس، يوخياد ليفشيتس، جدلاً واسعًا في تل أبيب بعد أن أكدت السيدة التي أطلقت سراحها المقاومة الإسلامية تلقيها معاملة إنسانية من قبل حماس.

وكانت ليفشيتس (85)، وهي من المستوطنة الزراعية “نير عوز”، أسيرة مع زميلتها المسنة نوريت كوبر قالت: “كانوا ودودين معنا وعالجوا رجلا كان مصابا بشكل سيئ في حادث دراجة.. كان هناك ممرض يعتني به وأعطاه الأدوية والمضادات الحيوية”.

وأضافت: “كانوا ودودين وحافظوا على نظافة المكان وتناولنا الطعام سويا. وعندما وصلنا قالوا إنهم مسلمون يؤمنون بالقرآن ولن يؤذونا. لقد كانوا كريمين للغاية وهذا يجب أن يقال”.

واعتبر مكتب بنيامين نتنياهو أن التصريحات التي أدلت بها المسنة ليفشيتس كانت مفاجأة صادمة.

وأحدثت شهادات الرهائن ضجة في مختلف الأوساط الإسرائيلية مع توجيه الانتقادات الداخلية والتوصيات بضرورة منع تداولها على القنوات التلفزية.

ولا يخفي محللون إسرائيليون غضبهم من مشاهد الود والتودد بين الرهائن وعناصر المقاومة إذ يعتبرون هذه الصور ضررا للكيان وتقويضا لدعايته، إضافة إلى أنها تمنح الشرعية للرواية الفلسطينية بملف المحتجزين وكذلك الحرب.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي، ياريف بيليغ، إن بث هذه المشاهد في محطات التلفزة الإسرائيلية يضر بالبلاد، قائلا: “ببساطة لا يمكن بثها”.

وأضاف: “بدأ الأمر يوم الجمعة، وهو اليوم الأول الذي تم فيه إطلاق سراح رهائن، واستمر يوميا منذ ذلك الحين”، مشيرا إلى أن “حركة حماس تقوم بصورة احترافية ودقيقة بتحرير مقاطع فيديو تم تصويرها باستخدام كاميراتين أو ثلاث، بما في ذلك طائرة مسيّرة، مع إضاءة وإعدادات جيدة”.

وطالب بيليغ محطة التلفزة الإسرائيلية “بوقف هذه المشاهد التي يتم نقلها في بث مباشر عن محطات عربية تغطي عملية تسليم الأسرى الإسرائيليين للصليب الأحمر داخل غزة”.

من جهتها، اعتبرت المحللة السياسية، مايا ليكر أن “العديد من المؤثرين المؤيدين للفلسطينيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وأغلبهم من خارج إسرائيل وفلسطين، يجدون أن عمليات تسليم الرهائن كل ليلة هي استعراض علني يُثلج صدر الإنسانية والأخلاق من قبل مقاتلي حماس”.

وأضافت باستغراب: “فيديو تظهر فيه الفتاة الإسرائيلية مايا ريغيف، المحرّرة من قبل حماس، أثناء صعودها إلى سيارة الصليب الأحمر، المسلح يقول وداعا ومايا ترد شكرا”.

تُجمع  وسائل إعلام تابعة للاحتلال على أن عملية تحرير الرهائن بطريقة حماس، تسهم في منح الشرعية للرواية الفلسطينية في ملف المحتجزين على الأقل وتقويض الرواية الإسرائيلية وإضعافها في جميع أنحاء العالم، وتدفع الداعمين للكيان إلى اتخاذ خطوة إلى الوراء خاصة مع تزايد الضغوط الشعبية.