مسرحية "آخر مرة"... ثلاثة أثافي تجسد صراع الرجل والمرأة الأزليّ
tunigate post cover
ثقافة

مسرحية "آخر مرة"... ثلاثة أثافي تجسد صراع الرجل والمرأة الأزليّ

المسرحية تشرّح العلاقة العمودية دائما والأفقية أحيانا، بين الرجل والمرأة في ثلات لوحات منفصلة متصلة تسرد صراعات الهو والهي اللامتناهية
2022-05-16 16:47

صابر بن عامر

عدسة: مروان بربيرو

بعد تتويجها بالتانيت الذهبي لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الثانية والعشرين (2021)، جائزة العمل المتكامل، استأنفت المخرجة التونسية وفاء الطبوبي عرض مسرحيتها الجديدة “آخر مرة” في أكثر من محافظة تونسية، كان آخرها في جنوب شرق تونس، تحديدا محافظة مدنين، ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين من المهرجان الوطني للمسرح التجريبي بالجهة، والتي حملت هذا العام اسم الفنان المسرحي التونسي المخضرم أنور الشعافي.

بوابة تونس حضرت العرض الذي قُدّم في الحادي عشر من ماي/ أيار الجاري بدار الثقافة مدنين، والذي واكبه جمهور غفير، تفاعل مع العرض أثناءه تصفيقا وغداته بالتحليل والنقاش.

لوحات منفصلة متصلة

“آخر مرة” عبارة عن ثلاث لوحات منفصلة متصلة تسرد صراعات الهو (أسامة كشكار) والهي (مريم بن حميدة)، وما بينهما الخشبة في ديكور شبه خاو، إلاّ من حضورهما القويّ حركة وأداء.

تشريحا للعلاقة العمودية دائما والأفقية أحيانا، خاصة في مجتمعاتنا العربية الذكورية، بين المرأة والرجل مرورا باستنطاق المسكوت عنه وصولا إلى الغوص في الاجتماعي والنفسي والعقائدي، تضع الطبوبي أصابعها وبعمق على الجراح الأزلية المفتوحة منذ نشأة البشرية، وتُزيح عنها غُبار الكتمان مُحرّرة الصرخات المكتومة في الدواخل المُظلمة.

انطلاقا من تحرّش الرجل بالمرأة في مقرات العمل، مرورا بعلاقة الأم السلطوية بابنها والفوارق بين الأجيال وصولا إلى العلاقة المتشعبّة بين الزوجين سردت المسرحية لعبة الحضور والغياب، الاعتراف والنكران، الذاتي و العام، الممكن واللاممكن… ثنائيات ومفارقات قالت عنها مخرجة العمل وفاء الطبوبي في حديثها لبوابة تونس: “الصراع بين الرجل والمرأة في المسرحية هو صراع واه،  في اعتقادي لا يكتمل الرجل إلاّ بالمرأة والعكس صحيح أيضا، الحياة كلها ثنائيات وأضداد: ليل ونهار، أبيض وأسود، خير وشر، حب وكره وغيرها…  وعلينا أن نتكامل لتستمرّ الحياة بشكلها الطبيعيّ والفطريّ”.

ثنائي الضدّ وضدّه

بعيدا عن الطرح السينوغرافي والدراماتولوجي والنص الأصليّ الذي كتبته الطبوبي بنفسها، يُعلن العمل عن ميلاد ممثلة مُبهرة اسمها مريم بن حميدة اعتلت الخشبة للمرة الأولى في مسيرتها الفنية، وهي الراقصة الكوريغرافية التي استنطقت الركح بجسدها وإيماءاتها الصامتة، لكنها في “آخرة مرة” أثبتت، أو أوهمت كل من تابع العرض المسرحيّ أنها ليست المرة الأولى لها في عالم الفن الرابع.

حضور قويّ، كاريزما مُبهرة ومُبهجة في آن واحد، وصوت واضح يقول كلماته دون ارتباك، لكنه مُربك حدّ التعاطف معها وهي المتحرّش بها في الفصل الأول من المسرحية، وهي الأم ذات الوجهين، قاس وحنون في الفصل الثاني، وهي التي استهجنها الجمهور في دور الزوجة الغادرة والقاتلة في الفصل الثالث، هي في المحصّلة كل هذا وذاك بإتقان العارفة لأدواتها المسرحية حركة ولفظا.

وعن قدرتها على التجسيد اللفظي السليم بصوت ومسموع ومؤثّر لنص قوامه السُرعة في النطق أولا، ثم الحركة ثانيا، قالت بن حميدة لبوابة تونس: “هي نتيجة تراكم التجارب الكوريغرافية لسنوات خلت،  ترعرعت منذ كنت يافعة في رحاب مدرسة آن ماري السلامي للرقص المُعاصر، ثم نتيجة البروفات المكثّفة التي اشتغلت عليها مع وفاء الطبوبي حين دعتني إلى مُشاركتها حلم “آخر مرة” بمعية الممثل المسرحي أسامة كوشكار”.

وتُضيف: “صحيح لم أدرس المسرح بمفهومه الأكاديمي، لكنني حين دخلت التجربة، اكتشفت أنني دارسة للمسرح من خلال المُعايشة أولا والفرجة ثانيا، أما ثالثا فأنا أؤمن بالعمل ولا شيء غير العمل، ورابعا أن تُحب ما تعمل”.

وعن حيثيات لقائها بوفاء الطبوبي تقول: “هي الصدفة، فقد كنت في ورشة كمدربة في إحدى المهرجانات في مجال الرقص، وهي بالمثل في مجال المسرح، وكان لقاؤنا مُضحكا، فمن المُتعارف عليه أن وفاء  حين تكون في ورشة لا تهتمّ بالوقت ومروره، فتطلب المزيد من أي زميل يُجاورها، ليترك لها الفضاء فسيحا، طلبت مني ذلك، فقلت ببساطة: لا. ربما لأجل ذلك آمنت بي، لأنني أشبهها في حبي للعمل، فطلبت أن أكون معها في مشروعها القادم كوريغرافية، فوجدتني كوريغرافية وممثلة”.

ولا يستقيم الظل إلاّ إذا كان انعكاسه سليما، وظل مريم بن حميدة في العمل الثنائي أسامة كوشكار الذي عرفه الجمهور التونسيّ العريض مؤخرا من خلال دور “عيّاد” في مسلسل “حرقة 1 و2”.

وكوشكار قدّم في العرض دور الرجل المتحرّش والإبن العاق والقاتل لأمه والزوج المغدور والمقتول من زوجته، ليكون في الفصل الأول والثاني الفاعل وفي الفصل الثالث المفعول به، ناقلا للحضور أحاسيس متناقضة تجمع بين الحب والكره لسكريتيرته/ حبيبته، ولو من جهة واحدة، والبرّ فالعقوق بوالدته المتسلّطة حدّ المرض، ثم اليقين والريبة في زوجته المُخادعة فالقاتلة.

وعن دور الإبن العاق وتعقيداته، قال كوشكار لبوابة تونس: “أن يصل الأمر بابن إلى قتل والدته فهذا أمر موجع ومُربك في الآن ذاته، ممّا استدعى مني قبل الانطلاق في بروفات المسرحية  قراءة العديد من الكتب الفلسفية والروائية التي تحدّثت عن هذه الكارثة، مع الاستعانة ببعض الشهادات الحية من بعض السجون التونسية لأبناء فعلوا  الفعل المُشين والمذموم ذاته في الدنيا قبل الآخرة، فأتى أدائي للشخصية صادقا بكذب”.

أما عن علاقته بمحافظة مدنين وجمهورها، فيقول: “هي علاقة كانت وما تزال ذات طعم خاص، فأول عمل قدّمته في حياتي كمحترف كان بمدنين، واليوم أعود إليها بعد ما يزيد عن 15 عاما لألعب أمام جمهورها الذي يعرفني جيدا ويعرف كل تفاصيل أعمالي، وهذا مُخيف ومُبهج في الآن ذاته”.

ويسترسل: “فبين أول عرض وآخر عرض حياة كاملة ومسار احترافي انطلق من مدينة يستنشق أهلها أبا الفنون ويعيشونه بكل هواجسهم، فامتزجت أحاسيسي كالشخصية التي قدّمتها في العرض، بين الخوف والطمأنينة، الريبة والشك، الحلم والكابوس… فأتى أدائي صادقا على الخشبة، كما هي عادتي دائما، لكن بجرعة إضافية هذه المرة في اتساق مع صدق أهل مدنين الذين احتضنوني وأحبوني وأنا يافع، وانتصروا لي وأنا ناضج سيرة ومسيرة، أو هكذا أتمنى أن أكون”.

عشرة عروض… عشر رؤى

احتفت محافظة مدنين هذا العام بدورة الفنان أنور الشعافي كشعار اختاره مركز الفنون الدرامية والركحية بمدنين للدورة 25 من المه

رجان الوطني لمسرح التجريب، الذي انطلق في السابع من ماي/ أيار الجاري واستمر حتى الثالث عشر من الشهر، مقدّما عشر مسرحيات، هي: “قافلة تسير” من إخراج كيلاني زقروبة، و”كابوس آينشتاين” لأنور الشعافي، و”هديقة” لضحى الحجام، و”منطق الطير” لنوفل عزارة، و”عائشة 13″ لسامي النصري، و”18 أكتوبر” لعبد الواحد مبروك، و”يا مديح الموت” لعلي اليحياوي، و”مريض” لوليد خضراوي” و”ذاكرة” لسليم الصنهاجي وطبعا “آخر مرة” لوفاء الطبوبي.

كما اقترح المهرجان على جمهوره جملة من العروض المسرحية وورشة تدريبية ومعرضا للفنان التشكيلي رؤوف ليسير إلى جانب ندوة فكرية بعنوان “مساءلة المصطلح المسرحي وأثره على المنجز الفني”.

آخر_مرة#
تونس#
ثقافة#
مسرح#

عناوين أخرى