مرثــيّة عــمّ عــلي بن سالم
tunigate post cover
رأي

مرثــيّة عــمّ عــلي بن سالم

كان دائم الاستشهاد بمطلع قصيدة هيغو "حان الوقت لأرتاح"..رحم الله عم علي بن سالم
2023-07-28 10:18

كان عليّ بن سالم منذ بضع سنوات، حين يُسأَل عن أحواله الصحيّة، يـــقرأ على مسامع جُـلسائه المقرّبين، مطلع قصيدة فيكتور هيغو، ”حان الوقت لأرتاح” فهو يحفظ كامل القصيدة عن ظهــر قلب، فـقـد أعفاه هيغـو مشقّة البحث عن الكلمات، لأنّ الأمر لم يعد بحاجة إلى الكلام، بل إلى الصمت والسّلام.

    « Il est temps que je me repose Je suis terrassé par le sort. Ne me parlez pas d’autre chose Que des ténèbres où l’on dort !…», Victor HUGO.

تربّى عليّ بن سالم يتيم الأب، وتربّى أبناؤه أيضا، يتامى الأب، طوال السنوات الإحدى عشرة التي قضاها سجينا (1962-1973) في ظلمة “عنق الجمل” الحالكة بزندالة غار الملح، وفي قبوٍ يبلغ عمقه 37 درجة تحت الأرض بسجن برج الرومي (نحو 70 مترا).

أًسعدته الرسالة الأولى التي وصلته من العائلة وهو بسجن برج الرومي، في أكتوبر1968، أما الثانية فأُخبِر فيها أنّ زوجته فارقت الحياة، على إثر إصابتها بمرض خبيث، فأظلمت ظلمة السجن، وضاق عليه الضّيق، وهو يتخيّل من ”قبر” الحياة، كيف سيُواجِه صغاره فَقْدَ الوالديْن؟ كيف ستتدبّر “أمي فاطمة” حياتها وحياة أحفادها، في عـزلة مجتمعٍ ضَرَبت السلطة حول عائلته جدران الخوف والازدراء.

عزيمة الرجل صنعتها سلاسل الحديد وهي تشدّ وثاقه إلى الجدران طوال سنوات سجنه. توقه إلى الحرية صنعه الظلام الحالك الذي لم يكن يشقّ عتمته سوى ضوء خَافت من كوّة صغيرة، في أعلى السقف.

انتزعت المِحن من قلبه، الرهبة من الموت وقبلها انتزعت محبّة الوطن من قلبه الخوف من عدوّ داس أرضه. فكان بعد اندلاع معركة التحرير سنة 1952، يزرع، مع رفاق له، قنابل محليّة الصنع في عدد من المواقع الفرنسية ومصالحها بمدينة بنزرت، إلى أن كشفت أمرهم المصالح الأمنية الفرنسية، فلجأ إلى ليبيا، حين صار مطلوبا، حيّا أو ميّتا مع رفيقه محمد الصالح البراطلي.

أفلته الموتُ من حكم بالإعدام لدى قضاء فرنسا (سنة 1954)، وأفلته ثانية رصاص الفرنسيين في معركة بنزرت، فأُصيب إصابات بليغة قبل أن يقع في الأسر. أفلته الموت من بين رجال المقاومة الذين لجؤوا إلى ليبيا، وشاركوا في مواجهات ضدّ الجيش الفرنسي بالجنوب التونسي.

وأفلته الموتُ من قضاء بورقيبة (سنة 1962) فأعدم 11 من رفاقه وأمضى هو سنوات سجنه إلى 1973، يُحصي مع كل وجبة غداء عدد حبات البازلاء (الجلبانة) المنقوعة في الماء (للتسلية، كان العدّ في غرفة السجن، جماعيا، وكانت حبّات البازلاء، لا تتجاوز، في إناء كل سجين، الخمس في أحسن الأحوال).

أفلته الموتُ من محاولة اغتيال سنة 2000، كان ذاك بمناسبة إضراب توفيق بن بريك عن الطعام.

(تعرّض إلى تعنيف شديد من قبل أعوان أمن، أدى إلى إغمائه، فأُلقي به في “كرش الغابة”- تونس، ظنّا من المعتدين أنّه توفّي، رفع قضية في الغرض، تبنّتها لاحقا، المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب)، ثــم أمهله الموت سنة 2005، (عندما حاولت سيارة دهسَه، وهو على مقربة من محلّ سكناه).

بعد خروجه ورفاقه من السجن سنة 1973، وُضع عمّ عليّ بن سالم تحت المراقبة الأمنية، كانت مراقبة عن بعد في البداية، وكلّما زادت الحياة السياسية في تونس توتّرا، ضيّقت السلطة عليه الخناق وأصبحت المراقبة أكثر قربا والمحاصرة أكثر التصاقا،o مع أحداث 26 جانفي 197،o ومع أحداث 27 جانفي 1980 بدخول فريق مسلّح بقيادة عز الدين الشريف إلى قفصة.

وإثر منحه الطابق السفلي من مسكنه، مقرّا لفرع بنزرت للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1982.o وبعد إصدار الرابطة لبيان حول القتلى الذين سقطوا خلال انتفاضة الخبز في جانفي 1984. جميعها محطّات كان يتعرّض فيها عمّ عليّ للإيقاف والتعنيف والتحقيق لأيام، ثم إطلاق السراح…

كانت مسيرة نضالاته، سلاسل من حديد لا تنقطع حلقاتها، فقد شارك الدستوريين نضالهم وتقاسم مع اليوسفيين مقاومتهم ودعم اليساريين في معاركهم، ودافع عن الإسلاميين في سجونهم، وحمَى السلفيين حين شمِاتهم دورة العنف، دافع عن الحقوق المكـفولة، فلم يفاضل بين حقٍّ وحقّ، ولم يميّز بين ألمٍ وألمٍ، وكان ككلّ مرة جاهزا ليدفع، “عن الغير” ما يلزم من كُـلفة.

رجلٌ لا يرهبُ الموتَ، فكلّما طلبَ الموتَ كِفاحا ونِضالا، وُهبتْ له الحياة. رجل لا يَخشى الفقر أبدا، كان يكفيه الكَفَافُ، إذ أشبعـته المحن أنفةً وإباءً.

كان يُؤْثر على نفسه، أعوان الأمن المكلّفين بمراقبته عند باب بيته، فيُطعمُهم من كَـفافه قبل أن يَطعَم. رجل لا يهاب ظالما، مهما تعاظمت سطوته، ومهما فزعت النفوس من جَـوْرِه وبَطشِه. رجل ظلّ يدافع عن كل مظلوم، فكلّت أيدي جلّاديه ولم تكلّ أنفاسه عن مقارعتهم.

خاض معارك الدستوريين، فكان من أجل التحرير، حُجّةً في نضاله. خاض معارك اليوسفيين، فكان من أجل الاستقلال التام، من أشرس االمقاومين. جابه انحراف السلطة، وكان جاهزا ليدفع ما يلزم من كُـلفة. أجمل ما وُصف به عمّ علي، في رأيي، قول مصطفى بن جعفر عنه: أنّه : “بلدوزر”، (bulldozer)… لا تتوقّف أبدا.

حين انقضى الاستبداد في جانفي 2011، جاءته الشوارع عارمة تحيّيه عند باب بيته. كان مشهدا مهيبا، وهو يقف من على شرفة مسكنه، يحيّي الآلاف من أهالي مدينة بنزرت، جاؤوا من كل لون ومن كل فكرة ومن كل ألم، يحيّونه، حبّا واعترافا، أنّ تلك اللحظة التي سقط فيها الاستبداد، كانت لحظته.

ولم يلبث السياق السياسي أن صعّده، في سنة 2015، ليترأّس -وهو أكبر النواب سنّا- أوّل جلسات السلطة الأصلية (البرلمان التونسي).

أكرم الموتُ عمّ علي بن سالم حين أفلته مرات عديدة، ليرى في التاريخ كيف يُكرم الكرامُ، وليقف عِيانًا ومشاهدة، على نصر جيله، وحصاد صبره ومصابرته.لم يكن عم علي بن سالم ملاكا، ولا قدّيسا، ولكنّه كان رجلا نادرا في زمانه.لم يتباهَ يوما بتاريخه، لم يفاخر يوما برصيده النضالي.

كان كما يقول دائما، في خجل وتواضع: «لستُ سوى جنديٍّ بسيطٍ»..مع ذلك، وربما لأجل ذلك…يُـقبّل رأسه، حبا وعرفانا، أبناؤه و”مريديه” وأحبابه ورفاقه والزعماء والرؤساء.كان حقيقا بالإكرام. ولو جاز لأحد أن يُقام له نُصْبٌ تذكاريّ، في هذه الأزمان، لكان أحقّ الناس به، عمّ عليّ بن سالم.تعرّض عمّ علي، من بين رجال عصره، لأطول امتحان،

وكان أكثر المضطهدين صبرا على صنوف المحن وألوانها، وهو أصلب المناضلين، والمقاومين، عزمًا في الحقّ وعزيمة في مقارعة الظالم.وهو إلى ذلك أكثرهم سماحة وعفوا على الإطلاق.    بعد محاولة اغتياله سنة 2000، سجّل التقرير الطبي، كسورا في الفقرات (L2 ;L3 ;L4)، وشروخا في عظم الكتف الأيمن ومثله في الكتف الأيسر.    أشارت الأزمة القلبية التي ألمّت به سنة 2007، أن يستعد.. فقد “تعب الطين”…    كان يُطمئن الجميع بأنّه مستعدّ للرحيل.. يقول مستذكرا فيكتور هيغو: 

  ”حان الوقت لأرتاح”    فعلا… عمّ عليّ.. حان الوقت..    

على “البيلدوز” أن تتوقّف.. لترتاح   

والأمر لم يعد بحاجة إلى الكلام، بل إلى الصمت والسلام… إلى النوم العميق…   

تبقى ذكراك.. نتنفّسها،   

لكن سنشتاق إليك… 

  وسننتظر دائما..

دعوتنا إلى جلسة شاي، كما عوّدتنا. 

  فوزي الصدقاوي

علي بن سالم#
فوزي الصدقاوي#
فيكتور هيغو#

عناوين أخرى