محمد عبد الوهاب... النهر الخالد الذي ملأ الدنيا ألحانا وغناء
tunigate post cover
ثقافة

محمد عبد الوهاب... النهر الخالد الذي ملأ الدنيا ألحانا وغناء

محمد عبد الوهاب الذي غنّى من ألحانه أباطرة الغناء العربي، فاجأ جمهوره في العام 1990، بأدائه أغنية فلسفية بصوته حملت عنوان "من غير ليه"
2022-05-04 12:36

يحتفل العالم العربي اليوم 4 ماي/ أيار بالذكرى الـ31 لرحيل موسيقار الأجيال الفنان والملحن والممثل المصري محمد عبد الوهاب الذي توفّي في مثل هذا اليوم من الشهر الخامس من العام 1991 بالعاصمة المصرية القاهرة عن عمر ناهز الـ93 عاما، إثر جلطة دماغية بعد سقوطه على أرضية منزله.

ومحمد عبد الوهاب الذي ولد في 13 مارس/ آذار من العام 1898 في حارة برجوان بحي باب الشعرية بالقاهرة بعد انتقال أسرته من قريتها بمحافظة الشرقية، هو موسيقار مصري وأحد أعلام الموسيقى العربية، لقّب بموسيقار الأجيال، وارتبط اسمه بالأناشيد الوطنية. عمل كملحّن ومؤلف موسيقي وممثل سينمائي.

بدأ حياته الفنية مطربا بفرقة فوزي الجزايرلي عام 1917. وفي عام 1920  درس العود في معهد الموسيقى العربية، بدأ العمل في الإذاعة عام 1934 وفي السينما عام 1933.

ارتبط اسمه بأمير الشعراء أحمد شوقي ولحن العديد من أغانيه، غنى معظمها بصوته ولحن “كليوباترا” و”الجندول” من شعر علي محمود طه وغيرها. لحن للعديد من المغنين في مصر والبلاد العربية منهم فيروز وأسمهان وأم كلثوم وليلى مراد وعبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد ووردة الجزائرية وصباح وشادية وعزيزة جلال وطلال مداح، إلى جانب أنه كان أول مكتشف للفنان إيهاب توفيق في أواخر الثمانينات.

موهبة مبكّرة

كان عبد الوهاب قد أضاف إلى رصيده الفني من الغناء القديم من أدوار عبده الحامولي وقصائد سلامة حجازي وغيرهم ما حفظه من أدوار سيد درويش وأغانيه، وساقته الأقدار إلى ذلك العملاق بالصدفة وتعرّف إليه ثم أسند إليه دور البطولة الغنائية في أوبريت “شهرزاد” وهو ما زال في السابعة عشرة من عمره، فاقترب عبد الوهاب أكثر من سيد درويش وتعلّم منه الكثير.

وفي العام 1923، التحق بنادي الموسيقى الشرقي، فالتقى هناك بمحمد القصبجي، أستاذ الموسيقى الشرقية وآلة العود،  وتعلم على يديه العزف على العود وأصول المقامات، ثم درس بعض أصول الموسيقى الغربية والتدوين الموسيقي بمعهد جويدين الإيطالي بالقاهرة.

وفي العام 1924، استغل محمد عبد الوهاب فرصة عمره، حين التقى بأمير الشعراء أحمد شوقي مرة أخرى والذي كان نقطة تحول في حياته. استمع شوقي إلى غنائه في حفل على مسرح سان استفانو بالإسكندرية وهو في العشرين من عمره. فقرّر أن يتبناه فنيا واهتم بإكمال تعليمه ليس فقط لللغة العربية والشعر، وإنما الموسيقى الغربية أيضا والثقافة العامة، واستمر شوقي في رعاية الفتى الموهوب وتقديمه إلى صفوة المجتمع من المثقفين وأصحاب النفوذ وقدّم إليه أشعاره وشجعه على تلحينها إلى أن توفي عام 1932.

كمن وجد ضالته، بدأ شوقي يكلّف عبد الوهاب بوضع ألحان لقصائده وغنائها، وكان شوقي يسعى إلى انتشارها وكان صوت محمد عبد الوهاب هو الجهاز الإعلامي الذي اختاره لتلك المهمة، كانت أول أغنية لشوقي يغنّيها عبد الوهاب من ألحانه  كتبها بالعامية وهي “شبكتي قلبي يا عيني”.

كان شوقي يسعد بسماع عبد الوهاب يغني أدوار عبده الحامولي وألحان محمد عثمان، ومنها ما كان من تأليف شوقي، ثم بقصيدة “يا جارة الوادي” بدأ المجتمع الراقى يتعرّف على عبد الوهاب، ولكي يصقل موهبته أكثر، قرّر شوقي اصطحاب الفنان الناشئ إلى باريس عاصمة الفن، وهناك استمع إلى الموسيقى الباريسية والأوربية ممّا ساهم في اتساع مداركه الفنية لتستوعب فنون الشرق والغرب.

دخوله عالم السينما

دخل عبد الوهاب عالم السينما بأول فيلم غنائي “الوردة البيضاء” وعمره 29 عاما، وأتبع هذا الفيلم بخمسة أفلام أخرى، قام ببطولتها تمثيلا وغناء كان آخرها عام 1947 وعمره 43 عاما، ثم اشترك في الغناء فقط في فيلمين أحدهما هو “غزل البنات” مع ليلى مراد ونجيب الريحاني عام 1949 و”منتهى الفرح” عام 1963.

احتوت تلك الأفلام على عشرات من أجمل أغاني عبد الوهاب، وتميّزت بالبساطة والتحديث، وقد أدخل إلى أفلامه طابع الحياة العربية واستخدم إيقاعات أوربية مثل التانغو والسامبا والرومبا.

ودخول عبد الوهاب ميدان السينما أسهم كثيرا في صنع مجده الفني، وما زالت مقاطع أغانيه في الأفلام تُذاع إلى اليوم في الكثير من محطات الراديو والتلفزيون العربية والقنوات الفضائية.

استمرّ عبد الوهاب في تقديم ألحانه إلى الآخرين، لكنه توقّف عن الغناء في منتصف الستينات تقريبا، وله في تلك الفترة أعمال وطنية متميّزة مثل “ناصر”، و”الله وعرفنا الحب”، “وطني حبيبي”، “الجيل الصاعد”، “صوت الجماهير” و”يا حبايب بالسلامة”.

ولعبد الوهاب في تلك الفترة بعض القصائد العاطفية نذكر منها لنجاة الصغيرة “أيظن”، و”ماذا أقول” من أشعار نزار قباني، و”لا تكذبي” التي غناها عبد الوهاب وعبد الحليم ونجاة الصغيرة كل بمفرده من شعر كامل الشناوي.

وفي العام 1963، ظهر عبد الوهاب في آخر فيلم سينمائي له تحت عنوان “منتهى الفرح”، اشترك فيه بالغناء فقط بأغنية “هان الود”، واعتزل بعدها الغناء تقريبا وتفرّغ للتلحين.

الشهرة والمجد

تغيّر الزمن وانتشرت الموسيقى الأجنبية في البلاد، وهذه مصنوعة بدرجة عالية من الكفاءة وأقبل عليها الشباب بكثافة، وهنا يظهر خطر جديد على الموسيقى العربية، ترى من يتصدّى له؟ لقد كان لعبد الوهاب فضل كبير في مواجهة ذلك، وما أدخله من موسيقى متطوّرة في أغاني أم كلثوم كان يبتلع كل تأثيرات الغرب، فهو يحتفظ بأصالة الشرق وطعم أنغامه الشجية، وفي الوقت نفسه يدخل الآلات الغربية في جمل من ابتكاره لم تعزف من قبل على تلك الآلات مثل الغيثارة والأورغ، ويسمع الجمهور أصواتا حديثة وأنغاما جديدة غاية في الأناقة والإبداع.

استمر عبد الوهاب على ذلك المنوال عشر سنوات يقدّم لأم كلثوم أغنية جديدة كل عام أصبحت من علامات الموسيقى العربية، وقد عوّد جمهوره على انتظار التحفة القادمة بشغف شديد، وأثمر تعاونهما الذي وصّف حينها بـ”لقاء السحاب” أغنيات: “انت عمري” و”على باب مصر” و”انت الحب” و”أمل حياتي” و”فكرونى” و”هذه ليلتي” و”أصبح عندي الآن بندقية” و”دارت الأيام” و”أغدا ألقاك” و”ليلة حب”.

كما قدّم أغاني جميلة بصوته، إلاّ أن أغلب ألحانه جاءت بأصوات غيره، إذ لحّن لليلى مراد “حيران في دنيا الخيال” و”يا للي غيابك حيرني” و”يا للي سكونك حنان” وكلها من فيلم “الماضي المجهول”، و”أروح لمين” في فيلم “شاطئ الغرام”، و”جواب حبيبي” و”الشهيد”، وكلاهما من فيلم “الحياة الحب”، و”أرق النسيم” و”يا قلبي مالك” وكلاهما من فيلم “يحيا الحب”، إضافة إلى أغاني فيلمي “عنبر” و”غزل البنات”.

كما لحّن لفايزة أحمد: “حمال الأسية” و”بريئة”، إضافة إلى “تهجرني بحكاية” و”خاف الله” و”تراهني” و”يا غالي عليا” و”بصراحة” و”راجع لي من تاني و”قدرت تهجر” و”ست الحبايب” وهي من أشهر أغانيها وأجملها.

لحّن لنجاة الصغيرة: “دلوقت أو بعدين” و”أما غريبة” و”آه بحبه” و”شكل تاني” و”القريب منك بعيد” و”ع اليادي” و”آه لو تعرف” و”إلاّ انت” و”مرسال الهوى” و”دبنا يا حبايبنا” و”ماذا أقول له” و”متى ستعرف” و”أيظن” و”ساكن قصادي” و”لا تكذبي” و”اسألك الرحيلا”.

أما لوردة فلحّن: “خد عنيه” و”اسأل دموع عنيه” و”لولا الملامة” و”في يوم وليلة” و”أنده عليك” و”بعمري كله حبيتك” و”لبنان الحب” و”مصر الحبيبة”.

لحّن لصباح عدة أغاني منها: “ع الضيعة”، وأغاني فيلم “إغراء”. كما لحّن لأسمهان: “محلاها عيشة الفلاح”، واشترك معها في غناء “مجنون ليلى”. أما شادية فقدّم لها أغنيتي: “أحبك” و”بسبوسة”.

أما أكثر من لحّن له فهو العندليب الأسمر عبد الحليم احافظ الذي قدّم له: “أهواك” و”فاتت جنبنا” و”نبتدي منين الحكاية” و”يا قلبي يا خالي” و”توبة” و”لست قلبي” وقولي حاجة” و”أنا لك على طول” و”شغلوني” و”ظلموه” و”فوق الشوك” و”كنت فين” وإيه ذنبى إيه” و”يا خلى القلب” و”يا حبايب بالسلامة” و”ذكريات” وغيرها الكثير.

كما لحّن لفيروز: “سهار بعد سهار” و”سكن الليل” و”مر بي يا واعدا” ولوديع الصافي “عندك بحرية يا ريس” ولطلال مداح: “ماذا أقول” و”منك يا هاجر دائي”.

وبعد طول انقطاع عن الغناء فاجأ عبد الوهاب مُحبيه في العام 1990، بتحفة فنية لم تدر بخلد أحد، فاختار أغنية فلسفية من كلمات الشاعر مرسى جميل عزيز بعنوان “من غير ليه” التي تصدّرت نسب الاستماع أيامها.

جوائز وتكريمات

نُصب تمثال لعبد الوهاب في ميدان باب الشعرية، وذلك تخليدا لذكراه، كما تمّ إنشاء متحف لأغراضه الخاصة، وموقعه  معهد الموسيقى في العاصمة المصرية في القاهرة، وحصل على الدكتوراه الفخرية عام 1975 من أكاديمية الفنون، كما منحته جمعية المؤلفين والملحنين لقب الفنان العالمي عام 1957.

استدعى الرئيس المصري أنور السادات الموسيقار محمد عبد الوهاب وطلب منه طلبا رئاسيا بتلحين النشيد الوطني، وأعاد الرئيس أنور السادات الطلب من عبد الوهاب بوضع نشيد وطني جديد لمصر، وقد غمر الفرح عبد الوهاب لهذا الطلب المشرّف، كما منحه السادات رتبة عسكرية فخرية، وهي رتبة لواء. كما حصل على عدة جوائز أخرى، منها: الميدالية الذهبية للرواد الأوائل في السينما المصرية، ووسام الاستحقاق من الرئيس جمال عبد الناصر، والميدالية الفضية في العيد الفضي للتلفزيون، ووسام الاستقلال والميدالية الذهبية في العيد الذهبي للإذاعة وغيرها من الجوائز.

تزوّج محمد عبد الوهاب ثلاث مرات، الأولى في بداية مشواره الفني وهي سيدة تكبره بربع قرن يُقال إنها أسهمت في إنتاج أول فيلم له هو “الوردة البيضاء” وتطلقا بعدها بعشر سنوات. وفي العام 1944 تزوّج بزوجته الثانية إقبال وأنجبت له خمسة أبناء هم أحمد ومحمد وعصمت وعفت وعائشة، واستمر زواجهما سبعة عشر عاما وتطلقا في عام 1957. أما زواجه الثالث والأخير فكان من نهلة القدسي.

ثقافة#
سينما#
محمد عبد الوهاب#
مصر#
موسيقى#

عناوين أخرى