مجلة أمريكية: النكبة.. قصة مأساة تتناقلها الأجيال الفلسطينية 

نشرت مجلة “التايم” الأمريكية، تقريرا حول ذكرى النكبة في فلسطين المحتلة عام 1948، تضمن شهادات فلسطينيين أمريكيين، من الجيل الثالث للشتات، ممن تعرّض أباؤهم وأجدادهم للتهجير من الداخل المحتل، توثق جرائم العصابات الصهيونية في حق السكان العرب والفلسطينيين.
وتحت عنوان “الخلفية التاريخية المهيبة ليوم النكبة”، تناول التقرير، جذور الحركة الصهيونية في فلسطين منذ أواخر القرن 19، وسياسات التوسع الاستيطاني التي مارستها، والتي بلغت ذروتها خلال ثلاثينات القرن الماضي، مع وصول أكثر من 60 ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين التي كانت حينها خاضعة للانتداب البريطاني.
تقرير المجلة الأمريكية أقر بحقيقة جرائم الطرد والتهجير التي مورست في حق الشعب الفلسطيني خلال حرب عام 1948، مضيفا أن التقديرات المتعلقة بأعداد المهجرين من مئات القرى وعشرات المدن العربية في فلسطين التاريخية، يقدر بحوالي 800 ألف نسمة.
وقالت المجلة إن إحياء ذكرى يوم النكبة، بات يكتسي “أهمية مضاعفة ومختلفة، لا سيما مع تعرض أكثر من 450 شخص ألف شخص من قطاع غزة، لحملة تهجير جديدة خلال الأسبوع الماضي، مضيفة أن هذا العدد يوازي ربع سكان القطاع.
رمزية الذكرى كما وصفته التايم، لا تقتصر على كونها “يوما للحداد فحسب، بل هو أيضا فرصة لتجديد الشعور بالتجذر والوجود”، بالنسبة إلى الفلسطينيين.
وتابع التقرير: “رغم أن هذا الحدث يستذكر سنويا، إلا أنه يحمل أبعادا وتفاصيل تاريخية، ودوافع عميقة من شأنها أن تسهم في فهم مجريات الأحداث الحالية في غزة”.

جرائم وتهجير

طوال السنوات التي سبقت حرب 1948، والسنوات التي تلتها، وفي خضم الصراع المتصاعد بين العرب واليهود، تعرّض أكثر من نصف السكان الفلسطينيين للتهجير.
وينقل التقرير عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن العصابات الصهيونية، دمرت في الفترة ما بين 1947 و1949 نحو 531 بلدة وقرية، وقُصفت المنازل، وقُتل 15.000 شخص، بينهم نساء وأطفال.
ونقلت “التايم” في هذا السياق شهادة عبد الرزاق التكريتي، أستاذ التاريخ العربي والفلسطيني الحديث في جامعة رايس، عن جرائم العصابات الصهيونية في حق الفلسطينيين، والتي تكشف عن فضاعات وجرائم حرب ممنهجة، على غرار القتل والتدمير والاعتداء على النساء.
وأضاف التكريتي: “لقد شهدوا حالات اغتصاب، واعتقالات للرجال والفتيان”.
وتابع المتحدث: “وقعت هجمات استهدفت مصادر المياه، فمدينة عكا، على سبيل المثال، تعرضت لحرب بيولوجية، حيث سُممت مياهها في محاولة لإجبار السكان على الرحيل، كانت الفكرة تتبلور حول الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع الإبقاء على أقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين”.
ويشير التكريتي إلى أن محاولات أخرى لتسميم إمدادات المياه في غزة أُحبطت عندما اكتشف المسؤولون المصريون الأمر.
وتؤكد المجلة الأمريكية أنه من أصل 1.4 مليون فلسطيني في تلك الحقبة تعرض نحو 800.000 شخص إلى التهجير من مدن وقرى فلسطين التاريخية، وهم رقم ضخم، يكرس قايم الاحتلال بتنفيذ عملية تطهير ديمغرافي، لتغيير الواقع السكاني.
 أما المجازر التي ارتكبت خلال الحرب فقد خلّفت “ندوبا غائرة لا تُمحى في نفوس الناجين”.
ويعلّق الباحث الفلسطيني عبد الرزاق التكريني بهذا الشأن: “للنكبة بُعدان، الأول هو الكارثة الإنسانية المتمثلة في فقدان الأرض والممتلكات وطرد السكان، أما البُعد الثاني فهو الكارثة السياسية، التي تجسدت في سلب السيادة الوطنية للسكان الأصليين، وهذان الجانبان من الواقع لا يزالان مستمرين حتى يومنا هذا”.

شهادات الشتات توثق مأساة الأجداد

تقرير “التايم” استعرض في سياق متصل، شهادات لفلسطينيين من الجيل الثالث للشتات، ممن هاجرت عائلاتهم إلى الولايات المتحدة، لكن حكياتة حكايات النكبة وتفاصيلها، ما تزال حاضرة في وجدانهم.
ويسرد التقرير شهادة رزان غبن، البالغة من العمر 26 عاما، والتي تحدثت عن القصص التي رواها لها أجدادها الناجون من النكبة.
 كانت جدة رزان، عثمانة أسعد غبن، لاجئة فلسطينية من إحدى القرى العربية الواقعة على مشارف القدس، والتي ما تزال مهجورة إلى اليوم محتفظة بمبانيها الأصلية.
 روت عثمانة تفاصيل النكبة لحفيدتها مرات عديدة، وكانت تحرص على أن تظل حكاياتها ومأساة جيلها حية لا تموت، في أذهان الأجيال الجديدة.
وحسب رزان غبن، فقد هاجمت العصابات الصهيونية مقهى في القرية عام ،1948 بينما كانت عائلة جدتها متواجدة هناك، هددهم عناصر العصابات الصهيونية وأمروهم بالرحيل، اختبأت العائلة في كهف قريب، وفي كل مرة حاولوا العودة، كانوا يتعرضون لإطلاق النار.
وتضيف المتحدثة: “لاحقا، اضطرت عائلة جدتي عثمانة لبدء حياة جديدة كلاجئين في مدينة رام الله بالضفة الغربية، ورغم فتح الحدود بعد سنوات، وتحديداً في عام 1967، لم تتمكن عثمانة قط من العودة إلى قريتها، وما تزال العائلة تعيش في رام الله حتى اليوم”.
وفي السياق ذاته، تحدث يوسف قاسم، وهو أمريكي من أصل فلسطيني ونجل لأحد الناجين من النكبة، عن أهمية الذكرى بالنسبة إلى الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم.
 وأوضح قائلا: “نحن بالتأكيد نتأمل هذه الذكرى كعائلة، نتبادل القصص، أو يروي والدي ذكرياته، لقد كان طفلاً رضيعاً عندما وقعت الأحداث الفعلية، لكن أعداد الأشخاص الذين عاصروا تلك الفترة وما زالوا على قيد الحياة تتناقص يوما بعد يوم”.
وأردف: “نحن نؤمن بأن النكبة ما تزال مستمرة؛ فطالما أن الفلسطينيين الذين طُردوا ونسلهم غير مسموح لهم بالعودة، فإن النكبة مستمرة بالنسبة إليهم”.
وينحدر والد قاسم من القرية نفسها التي هجرت منها عائلة رزان غبن وتدعى قرية لفتا، وهي مجاورة لقرية دير ياسين، التي شهدت واحدة من أفظع مجازر النكبة، حسب ما يشير إليه تقرير “التايم”.
 كان جد قاسم يؤجر منازل للمهاجرين اليهود، ولكن بعد ما حدث لعائلته، وهجر من القرية وأصبح لا يملك شيئا وهو يعيل 12 طفلا، ولم تتمكّن عائلته من العودة.
ويضيف المتحدث: “عاش جدي حتى بلغ 93 عاما، ولم تتسنَّ له رؤية العدالة تتحقق”.
تاريخ النكبة الفلسطينية وذكرها، يشكل إطار نشاط لجان ومجموعات حق العودة الفلسطيني في جميع أنحاء العالم، والتي تطالب باسترداد حقوق المهجرين الفلسطينيين، ومواجهة مساعي ومخططات توطين اللاجئين الفلسطينيين في بلدان الإقامة، بهدف تذويبهم وتصفية حق العودة.
ويعلّق الباحث الفلسطيني عبد الرزاق التكريتي بهذا الشأن للمجلة الأمريكية: “اللاجئون يريدون العودة إلى ديارهم، ويرفضون التوطين بشدة ويطالبون باسترداد أراضيهم. كما يطالبون بإنهاء الاحتلال العسكري ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي”.
ويختتم تقرير “التايم” بتصريح يوسف قاسم: “بالنسبة للكثير منا نحن الفلسطينيين، عندما نفكر في النكبة، نستحضر أحداثا مروعة للغاية، لكننا في الوقت ذاته نستمد إلهاما كبيرا من الطريقة التي تعامل بها آباؤنا وأجدادنا مع هذه المواقف بالغة الصعوبة، بكثير من النبل والصمود”.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *