ما حظوظ بقاء حفتر في المشهد السياسي؟
tunigate post cover
رأي

ما حظوظ بقاء حفتر في المشهد السياسي؟

هدّد بحرب جديدة فأصبح قيد التحقيق القضائي، ما حظوظ بقاء خليفة حفتر في المشهد السياسي؟
2022-11-11 20:47

هدّد اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر في الآونة الأخيرة، بحرب وصفها بالفاصلة من أجل التحرير، خلال حضوره مناورات عسكرية، وذلك بعد زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى عقر دار الجنرال بالرجمة، حرّكت إثرها تركيا آلتها البحرية إلى السواحل الليبية الغربية. موازاة مع ذلك، تحرّك المبعوث الأممي الجديد باتيلي، وأخيرا تحرّكت محكمة فرجينيا، وأصبح حفتر قيد التحقيق. تحرّكات عسكرية وسياسية في الداخل والخارج، فما أبعاد ذلك؟

حرب “فاصلة للتحرير”

تماما في الرياضة مثلما في عالم السياسة، يُقال إنّ خير وسيلة للدفاع هي الاعتماد على الهجوم. ضمن هذا المنظور، يبدو أنّ الجنرال حفتر يبحث عن حظوظ جديدة لتعزيز موقفه وموقعه، بالتزامن مع التطوّرات المتسارعة التي قد تحدّ من نفوذه أو من بقائه في المنصب لعدّة عوامل.

على ذلك الأساس، بات حفتر يتصرّف، وما تهديده في الآونة الأخيرة بشنّ حرب جديدة حاسمة إلّا دليل قاطع، في ظرف داخلي وخارجي لا يدفع نحو الحرب، بقدر ما يحاول تعزيز الهدنة وإيجاد مخارج سياسية.

صحيح أنّ حفتر عدّل ساعة صفر الحرب، بعامل الوقت، أي أنّها قادمة وإن استغرقت وقتا، وهذا يبدو أمرا متناقضا حتى مع عامل سنّه، ومرضه الذي تؤكّده تقارير عدة، فلا يجب نسيان أنّ العسكري الجموح، يعمل منذ عقد من الزمن خارج عمر العمل الافتراضي، بحكم تجاوزه سنّ التقاعد.

ويعرف حفتر جيّدا معنى خوض حرب جديدة، ماديا ومعنويا على سمعته وسمعة قواته، ما يعني مزيدا من استنزاف شباب برقة وإنهاكهم، وهو ما رفضوه قبل أشهر في حضور حفتر، وبالتالي دفعها نحو أزمات اجتماعية قبلية، لها أوّل وليس لها آخر، تبدأ من الأسرة ومشاكل العنوسة والأرامل، والمبتورة أطرافهم الذين يعانون إلى اليوم.

ومن المتناقضات أيضا، أن يعلن حفتر ما سمّاه بداية تحرير ليبيا، بينما ينتشر الآلاف من مرتزقة فاغنر الروس الذين استقدمهم، وأبرم صفقات مع مرتزقة آخرين من السودان وسوريا وتشاد، وهذا يعدّ احتلالا وفق كثير من المتابعين للشأن السياسي.

 بل أكّد نشطاء أنّه لا يمكن دخول القواعد العسكرية، ومنها قاعدة الجفرة، دون إذن من الفاغنر، مؤكّدين أنّ خيري التميمي مدير مكتب حفتر، وصدّام، نجل حفتر آمر كتيبة طارق بن زياد، ورئيس الأركان الجوية محمد المنفور، وحسين الزادمة آمر كتيبة 128، تحصّلوا على تصريحات من شركة فاغنر الروسية المسيطرة على القاعدة، في الآونة الأخيرة لدخولها، للوقوف على الاستعدادات النهائية للمعركة الفاصلة المعلنة، وراقبوا خلال جولتهم طائرات ميج 29 وسوخوي 24 التي جلبتها فاغنر الروسية خلال حرب طرابلس في 2019.

وبالاعتماد على هذه التهديدات، فإنّ من شأنها أن تعطي مبرّرا لمطالب الجانب المقابل بالمنطقة الغربية، التي طالبت بعد انسحاب حفتر من العاصمة، بمواصلة الحرب حتى الحدود مع مصر، لعدم ثقتها في حفتر الذي شنّ حربه مع قرب انطلاق مؤتمر جامع للحوار كان سيُعقد حينها في غدامس.

المبرّر نفسه من عدم الثقة الذي أبداه حفتر، فإنّ من حق الموالين لحكومة الوحدة مناصرة تحرّكات الدبيبة الأخيرة، التي تتماهى مع الأتراك في دفع أيّ هجوم على طرابلس، أو حتى مواجهة الهجمات السياسية على غرار ما أبدته القاهرة من عدم اعتراف بحكومة الدبيبة.

لذا يدرك حلفاء الخيار العسكري أكثر من الوكيل المحلي، فشل الخيار العسكري منذ 2020، وتكلفته الباهظة، خاصّة بعد حدوث التقارب بين المحور الخليجي والمصري والتركي. وبالنتيجة، يستبعد المتابعون وقوع مواجهة شاملة، وإن ازدادت وتيرة التصعيد، بعد نقل تركيا أسطول البحرية من أنطاليا إلى المياه الليبية ملوّحة ببدء التنقيب عن الطاقة بالمياه الليبية، بالتزامن مع تدريبات عسكرية قبالة سواحل مصراتة.

وذلك في رسالة لحفتر تؤكّد أنّ التصعيد لن يقابل إلّا بالتصعيد، وهو بالدرجة الأولى ليس لصالح حفتر على خلاف تركيا التي تسعى إلى ملـء الفراغ الأمريكي بالمتوسّط، مع انشغال واشنطن بالحرب الروسية، وانشغال أوروبا بأزمة الشتاء والغاز. وبالتالي يواصل حفتر في الاستفادة من التوتّر، والاستثمار فيه لإطالة بقائه بالسلطة، لهذا يطالب نشطاء شرقا وغربا بإنهاء جميع الشرعيات المتآكلة، بما فيها حفتر الذي يرفض التنازل.

محاكمة حفتر

أصبح من كان يهدّد بحرب ويستعرض عضلاته، بين عشية وضحاها قيد التحقيق حول جرائم حرب، في أكثر من مكان، وذلك من خلال حدثين غير مسبوقين، وهما: لقاء مدّعي عام محكمة الجنائية الدولية بحفتر، وإجراء المحكمة الفدرالية بفرجينيا الأمريكية أول محاكمة لحفتر.

يتعلّق الحدث الأول، بإخضاع حفتر -عبر تطبيق زوم- للاستجواب أمام محامي أسر “ضحاياه”، بالمثول أمام المحكمة لكونه مواطنا أمريكيا، يحمل الجنسية الأمريكية، في قضايا قتل واختطاف وتعذيب تمّت شرق ليبيا وجنوبها وغربها.

وتعدّ هذه المحاكمة بمثابة محاولة للإطاحة به، بشكل قانوني بعد فشل المساعي السياسية والعسكرية، وهذا ما أقرّ به حتى موقع “أي بي سي نيوز” الأمريكي بحكم الهجمات العشوائية على المدنيين وقتل المعارضين السياسيين.

وترجّح بعض المصادر كذلك أنّ التورّط في القتل من حكم الواقع، وأنّ مجرد قبول حفتر المحاكمة هو اعتراف ضمني بما نُسب إليه، ورغم نفيه ارتكاب أيّ جرائم، حسب ما تسرّب من جلسة محاكمته، وقوله إنّه لو وقعت جرائم لتمّ إنزال أقسى العقوبات على أصحابها، ما اُعتبر محاولة للتنصّل منها، لاسيما أنّ هناك اتّهامات من داخل قوات حفتر بوجود تصفيات، على غرار ما حدث للرائد محمود الورفلي.

فيما تبرز أهمية الحدث الثاني، في كونه محاولة إلمام عن قرب بشخصية حفتر المثيرة للجدل في القانون الدولي، وهذا واضح من تصريحات المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، بعد لقائه حفتر في مقر إقامته بالرجمة، بضواحي بنغازي، حيث تزداد الضغوط عليه من أجل فتح تحقيقات في جرائم بنغازي ودرنة والأبيار وقنفودة، لتمكين فريق المحكمة بإجراء التحقيقات في منطقة خاضعة لسيطرته الكلية، وإلزامه بالتعاون مع فريق محكمة الجنايات الدولية.

كما عزّز مدّعي الجنائية الدولية زيارته إلى بنغازي، بجولة في مواقع المقابر الجماعية بترهونة، في ضواحي العاصمة طرابلس، واطّلع على شهادات من أهالي الضحايا بالمدينة المنكوبة التي ما تزال مذابحها تطارد المعتدين إلى هذه الأيام في أورقة العدالة الدولية.

وبالتالي ننتظر من الحدثيْن أن يكشفا حقيقة الموقف الغربي من المتورّطين، خاصّة من الدول التي تغالب طرفا على حساب آخر، في إظهار الجرائم أو التستّر عليها، وهو ما سيضع المدّعي العام كريم خان أمام امتحان صعب، وهو الذي تعهّد بالتوصّل إلى نتائج ملموسة، سواء كان الأمر يتعلّق بقائد عسكري أو قيادات عسكرية أو أفراد مدنية.

وهنا يبقى التخوّف من تسييس الأبحاث قائما بشأن جدّيتها، ومدى خضوعها لقوانين العدالة المحلية والدولية، فهي وإن تمت بالتنسيق مع النائب العام في طرابلس، فإنّ البعض أعرب عن خشيته من توريط الكانيات (الميليشيا المدنية الموالية لحفتر داخل ترهونة)، دون ذكر أيّ قيادات عسكرية لحفتر، مما يخرجه من لعبة المحاسبة نهائيا.

لكن عموما، لا يمكن لأيّ مراقب إطلاق أيّ حكم بات، في ظل عدم معرفة فحوى جلسة المحاكمة، أو كشف الدوائر القضائية عنها، فلم يتبيّن شيء حتى الآن سوى تأكيد المدّعي العام خلال إحاطته الأممية، حصوله على أدلة تتعلّق بجرائم قتل قامت بها قوات حفتر.

وبالتالي، يظلّ الهدف الحقيقي من القضاء الأمريكي واطّلاعات مدّعي الجنائية الدولية في هذا التوقيت مجهولا، إلّا إذا كان في علاقة بترتيبات السيّد باتيلي، المبعوث الأممي الجديد الذي قد يعمل على الجانب القانوني، بالربط لأول مرة، بين القرارات الأممية السياسية، والقرارات ذات الصبغة القانونية من هيئة أخرى دولية مستقلّة، وهي محكمة الجنايات، بهدف الضغط أكثر على حفتر، وربّما لهندسة خارطة طريق جديدة، لا يمكن فصلها عن تنازلات كبيرة في الانتخابات المنتظرة.

عزل حفتر

تتعدّد أوجه استبعاد حفتر نهائيا ومؤشّراته من المشهد السياسي والعسكري، بدءا من تصريحات السفير الأمريكي بطرابلس نورلاند، الذي يكثّف مجهوداته لإقناع الأطراف السياسية بضرورة إجراء انتخابات تشريعيّة فقط، وعدم طرح فكرة انتخابات رئاسية أو تأجيلها.

أولا، تفاديا للنقاط الخلافية خاصّة بشأن القاعدة الدستورية وشرط الجنسية، وهو ما كان وراء تأجيل انتخابات ديسمبر/كانون الأول الماضي، وثانيا لتفادي ضمان المسار الديمقراطي حتى لا ينقلب عليه أيّ رئيس في حال أسبقية الانتخابات الرئاسية، أو تزامنها مع البرلمانية.

مؤشّر آخر على إمكانية خلافة صدّام لوالده، بالنظر إلى صعوده السنة الأخيرة الركح السياسي وعوّض أباه أكثر من مناسبة، سواء في زيارة تل أبيب لطلب الدعم المعنوي والعسكري مقابل التطبيع -كما أكّدت ذلك المصادر العبرية- أو خلال زيارته قطر في سبتمبر/أيلول الماضي رفقة رئيس البرلمان عقيلة صالح ضمن وساطة قطرية لاستئناف الحوار الليبي، ما يؤكّد الدور الجديد لصدّام لسحب البساط من حفتر، وإبعاده من المجال السياسي بعد أن احترق دوليا، منذ هزيمة طرابلس، ولم يعد ورقة صالحة للتفاوض.

كما أنّ زيارة صدام في الآونة الأخيرة إلى قاعدة الجفرة، تُرشّحه للعب هذا الدور لخلافة والده، فضلا عن اكتسابه نفوذا ماليا ضخما، نتيجة استحواذه على مصادر بنكية وشركات للحديد وبيع الخردة التي غنمها من المعارك، فضلا عن تجارة التهريب مع عصابات تشاد والسودان المجنّدة في المعارك.

بدورها، أثّرت المنظّمات الحقوقية الليبية والدولية في اهتراء صورة حفتر الأب، مثل المحاكمة الأمريكية المذكورة آنفا، وتقرير منظّمة هيومن رايتس الأخير والمطوّل الذي فضح هجوم حفتر بمعاونة الروس وآثاره الكارثية على العاصمة(حادثة الألغام).

وقد وصفت البعثة الأممية نهاية الشهر الماضي، لأول مرة خليفة حفتر بالجنرال، وليس بقائد الجيش الليبي، في إشارة إلى أنّه لم يعد له نفوذ فعلي، ما عدا رغبته في المحافظة على شخصيته، التي كان يلقّبها الإعلام الغربي بالرجل القوي، لكنها اضمحلّت أخيرا.

وعليه، لم يبق أمام حفتر إلّا سبيل الحرب لتجديد صورت، أو التقوقع بالرجمة، فالحرب غير مرغوب فيها من الشارع البرقاوي. فحتى من ناحية الانتخابات القادمة، يبدو أنّه سيتم التخلّي عن حفتر، وذلك من خلال القاعدة الدستورية الجاري التفاهم بشأنها بين رئيسيْ المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ومجلس النواب عقيلة صالح الذي يهدف إلى إقصاء حفتر من الترشّح دستوريا، لإضعاف حظوظه وحضوره في إقليم برقة وليبيا عموما.

عناوين أخرى