تونس رأي

ماذا قدّمت تونس لغزّة بعد 259 يوما من الحرب؟

في جرد للمُنجز العملي ..هل يمكن الحديث عن خذلان رسمي وشعبي للمقاومة؟
عبدالسلام الزبيدي 
إنّ استمرار  الحرب الصهيو-أمريكية على غزّة على مدى 259 يوما دليلٌ قاطعٌ على أنّ مئات ملايين العرب والمسلمين شعوبا وقبائل وأنظمة لا ترتقي في تأثيرها إلى مقام زبد البحر وغُثاء السيل. فالمؤكّد هو الغياب الكُلّي للمؤشّرات على قدرة العرب والمسلمين على الإسناد أو الإنجاد أو الإصراخِ أو الإنقاذ، أمّا الحديث عن المشاركة في حرب التحرير فذلك هو رابع المستحيلات بعد الغول والعنقاء والخلّ الودود.
ويشترك في هذا الهَوَان الحضاري رافعو شعارات دعم  الفلسطينيين في استرجاع الأرض مقضومةً وفق القرارات الدولية، مع الداعين لتحريرها كاملةً استنادا للحقّ التاريخي، وإقامة دولة ما بعد هزيمة 1967 أو ما قبل  قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947.
*العجز العربي بين التآمر والتخاذل والجعجعة 
إنّ القاسم المشترك الأكبر، بالتعبير الرياضي، بين هؤلاء وأولئك هو العجز، غير أنّ الاختلاف يكمن في درجاته وتمظهراته وطرق تسويقه، بين المتآمر والمتخاذل والظاهرة الصوتية . فأين تتموقع تونس منظومة حكم وشعب سواء في كلّيته ككتلة أو في تجسيداتها السياسية والمدنية أحزابا ومنظمات وجمعيّات؟
وقبل الردّ على السؤال، ينبغي الإشارة إلى أنّه من حقّ القارئ الاعتراض على وضع الجميع في سلّة العجز من ناحية، وعلى تصنيفهم إلى ثالوث التآمر والتخاذل والجعجعة الكلامية من ناحية ثانية. والدليل  ما تشهده ساحة الحرب الممتدّة من دعم للمقاومة وإسنادٍ لها عسكريا وبأشكال متعدّدة ( حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وبعض القوى العراقية، والنظام الإيراني الرسمي وامتداداته). ويضاف إليها بعض الدول التي تقود الوساطة أي قطر في المقام الأوّل ومصر في المقام الثاني.
وجوهر الردّ يتمثّل في أنّ هذه القوى لا تمثّل، من جهة أولى، النظاميٌن العربييْن والإسلامييْن الرسمييْن. ولا تمثّل، من جهة ثانية، عُمق الحراك الشعبي داخل الدول المذكورة أعلاه. تلك أصوات بعضها يمثّل إسنادا حقيقيا، والبعض الثاني تتقاطع أهدافه الاستراتيجية مع حدث طوفان الأقصى ممّا جعلها لا تتردّد في اقتناص اللحظة التاريخية لإتمام مشروعها الإقليمي.
أمّا بخصوص دولتا الوساطة، فاللجوء إلى الأولى اضطرارٌ لاستحالة التفاوض مع حماس لأسباب قانونية وسياسية تهمّ كلاّ من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، ودخول الثانية على الخط “شرّ لا بدّ منه”، وبيان أوجه الشرّ يجعلنا ننزاح عن المقصد الأصلي للمقال.
 إنّ الحرب  في جوهرها فِعْلٌ سياسي هدفه الأساسي إجبار الطرف المقابل على التصرّف وفق إرادة المنتصر عبر تغيير موازين القوى على الأرض بوسائل قتالية ودبلوماسية وغيرها. وما نشهده من مواقف عربية وإسلامية رسمية وبدرجة أقلّ شعبية  لا يمكنها، بأيّ حال من الأحوال، الإرتقاء إلى درجة إجبار الكيان المحتلّ وداعميه حتّى يتصرّفوا وفق إرادتهم، وذلك هو العجز ذو الأصناف الثلاثة.
إنّنا لم نر أيّ زعيم في أفقنا السياسي الحالي قادر على انتهاج سبيل من شأنه دعم المقاومة والمساهمة في تغيير موازين القوى. ولذلك، ولغير ذلك حشرنا الجميع في دائرة العجز، حتّى أولئك الذين رفعوا سقف خطابهم وطالبوا بما لم يطالب به الفلسطينيون أنفسهم سواء المقاومة الممثّلة بشكلٍ أساسي في حماس والجهاد أو السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بفصائلها المتعدّدة والمتباينة المواقف.

*تونس..أين نجاعة الخطاب السياسي؟

ومن المعلوم أنّ رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد يأتي في مقدّمة من رفعوا سقف الخطاب والمطالب. فهو لم يُفوّت مناسبة محليّة أو دولية إلاّ ودعا فيها إلى تحرير كلّ فلسطين، رافضا حلّ الدولتين على أساس القرارات الأممية الصادرة سنة 1967، إضافة إلى ما أصبح يُعرف بالإجماع العربي لحلّ القضية الفلسطينية.
لقد أقدمت منظمة التحرير الفلسطينية منذ نوفمبر 1988 على تغيير ميثاقها، ورضيت بإقامة دولة فلسطينية على أراضي ال67، كما بعثت حركة المقاومة الإسلامية حماس مهندسة طوفان الأقصى والعمود الفقري لمقاومة آلة الحرب الصهيونية الأمريكية بإشارات عديدة للقبول بهذا الحلّ المرحلي.
 وهنا نجد أنفسنا أمام وضع رضيَ به أهل الدار وأصحاب القرار ولم ترض به دولة لا طاقة لها بالمشاركة في حرب التحرير، وهي اللاهثة وراء توفير قوت شعبها بقروض بعنوان الأمن الغذائي العاجل. فحتّى لو توفّرت الرؤية والإرادة، فإنّ الامكانات المادية واللوجستية والموقع والارتباطات الدولية والاتفاقيات تقف سدّا منيعا أمام الأقوال ذات السقف العالي.
دأبت السلطات التونسية، منذ انطلاق الطوفان، على الاحتفاظ بصوتها في المحافل الدولية كلّما تضمّن بيان عبارة “حلّ الدوليتين”، مع تسجيل استثناء وحيد في القمة العربية الصينية ببكين التي حضرها رئيس الجمهورية وصادق على بيانها الختامي. ولسنا في وارد تحليل مدى وجاهة الخيار السياسي الرسمي التونسي، وإنّما القصد وضع الإصبع على الإمكانيات التي يفتحها وعلى مدى نجاعته. والإجابة تُدرك حدّ البداهة، إنّنا أمام شعب يعاني إبادة جماعية وخذلان القريب قبل البعيد ويعاني المجاعة، وفي هذا الوقت يأتيه صدى صوت يطالب بكلّ الأرض.
 هذا المُطَالِب بكلّ الأرض، مشكورا، لم يرسل إلاّ طائرتيْ مساعدات غذائية بواقع 25 طنا من الأغذية وذلك على مدى حوالي 9 أشهر من الحرب. كما استقبل، مشكورا كذلك، عددا من الجرحى. وعجز عن إصدار قانون يجرّم التطبيع بتعلّة أنّنا في حرب تحرير وليس حرب تجريم.
 هذا المُطَالِب بالعودة إلى تفعيل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية القائم على المقاومة لم يستقبل ولو مرّة واحدة ممثّلي المقاومة الذين زاروا تونس.
هذا المطالب بالعودة إلى ما قبل حلّ الدولتين رفض المشاركة في دعم الدعوى التي رفعتها دولة جنوب إفريقيا ضد الكيان الصهيوني بتهمة ارتكاب جرائم إبادة. وكان تعليل الرفض أنّ المشاركة يعني الاعتراف ضمنيا بهذا الكيان! أوليست عضوية نفس المحكمة والأمم المتحدة والهيئات الدولية والهياكل الرياضية الدولية نوعا من الاعتراف غير المباشر به؟.
إنّ السقف العالي للخطاب، في تقديري، هو في أحد وجوهه تعبير متعدّد الأوجه عن العجز. وحتّى نفصل القول في هذا
العجز ،تكفي الإجابة عن هذاه الأسئلة: بماذا استفادت المقاومة من هذه المواقف؟ ما تأثيرها على الأرض؟ ما دورها في تغيير موازين القوى؟
إنّ السقف العالي للخطاب، هو في بعض وجوهه إخفاءً للعجز. فقد كان بالإمكان القيام بما ينفع المقاومة ويشدّ عضدها.
كم وددنا لو شاركت تونس في دعوى جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
 لقد كان بالإمكان استدعاء سفراء الدول الداعمة للكيان بالسلاح وإبلاغهم رسائل احتجاج. إنّه بالإمكان إصدار تشريع يجرّم التطبيع. وأمام تونس إمكانية رفض إبرام اتفاقيات مع دول تدعم بشكل مباشر العدوّ الصهيوني.
وأخيرا بإمكان السلطة القائمة تجاوز سقف السماح للشارع بالحراك إلى تحريكه، فقتْل السياسة داخليا يجعل من العسير تحريكها في ملفات خارجية حتى ولو كانت القضيّة الأم هي محور الحراك.