رأي

“مأساة غزة”.. الغرب يخسر المعركة الأخلاقية

محمد بشير ساسي

منذ اللّحظات الأولى من بدء عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر الماضي، هرع الغرب وفي مقدّمته الولايات المتّحدة الأمريكية لنصرة “إسرائيل” في مواجهة هجوم حماس “المباغت والمزلزل” على مستوطنات غلاف غزة..

نفاق الغرب

وفي سبيل ذلك تجنّدت العديد من الحكومات الغربية للترويج لرواية تل أبيب وتسويغ حقّها في الردّ بكل الوسائل، فسخّرت لها كلّ المقدّرات الخشنة من حشد للقوات العسكرية لدعم العدوان الغاشم وكذلك الإمكانات الناعمة المتمثّلة في المؤسسات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي والمؤسسات الأكاديمية لتسويغ حرب الإبادة وإسكات الأصوات، التي تندّد بالمجازر ضدّ المدنيين العزّل في قطاع غزة والداعمة للقضية الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرّر.

وبغضّ النظر عن وجود عدة أسباب تقليدية تُطرح لتفسير الدعم الغربي اللّامحدود لإسرائيل، فإنّ من تروّج لنفسها بكونها “ديمقراطيات غربية عريقة” ساهمت قبل أيّ وقت مضى في تشويه القانون الدولي وخنقت الصوت الإنساني أكثر من الأنظمة الاستبدادية نفسها. 

فمن الرئيس الأمريكي جو بايدن ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس مرورا برئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك وغيرهم، تبرز المعايير المزدوجة من عدم اتّساق الخطاب الغربي خاصة في ما يتعلّق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي ازدواجية تساهم في تقويض مصداقية موقف هذه البلدان الأخلاقي وإضعاف ثقلها الدولي.

ووفق هذا المنطق المشوّه والمرعب، استسلمت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لروح الانتقام التي تخرج عن القواعد الأساسية للقانون الإنساني الدولي، مما يعني أنّ الردّ العسكري الإسرائيلي تجاوز الإطار المحدّد لحقّ “الدفاع عن النفس”، بل إنّه تجاوز كل الحدود بفرض حصار شامل يحرم المدنيين من الخدمات والسّلع الأساسية للبقاء على قيد الحياة، وقصف هائل وغير متناسب وعشوائي، وتدمير المباني المدنية والصحية والمساجد والكنائس، و”نقل قسري” لما يقارب 2.4 مليون مدني واستهداف عشرات الصحفيين وقتلهم، وكل هذه القضايا تشكّل جرائم حرب دولية.

ازدواجية المعايير

وفي غياب”حكومة عالمية” تضمن الحفاظ على مبادئ وقواعد يجب احترامها حتى في أوقات الحرب، سادت قناعة داخل المجتمع الإنساني أنّ المواقف الغربية تجاه “مأساة غزة” تعرّض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاءهما لاتّهامات بالنفاق والكذب وتشريع المجازر الوحشية الإسرائيلية.

واقع أجبرَ أحد كبار الدبلوماسيين في مجموعة السّبع الخروج عن صمته معترفا بأنّ ما قيل عن أوكرانيا يجب أن ينطبق على غزة.. “لقد خسرنا بالتأكيد المعركة في الجنوب العالمي.. علينا نسيان القواعد ونسيان النظام العالمي… لماذا يجب أن يصدّق البرازيليون والجنوب إفريقيون والإندونيسيون ما نقوله عن حقوق الإنسان؟… لن يستمعوا إلينا مرة أخرى..”.

بالتوازي مع ضعف الموقف العربي في التأثير في سير التطوّرات في غزة وفشل كل جلسات مجلس الأمن الدولي في اعتماد مشروع قرار لوقف إطلاق النار وعدم إصغاء الغرب لتحذيرات المنظمات الدولية والإنسانية من استمرار مسلسل حرب الإبادة، تعمّد الكثير من الساسة في الغرب تجاهل نتائجها العكسية بعد منح إسرائيل كلّ الحجج للتمادي في عدوانها الوحشي ضد سكان غزة بذريعة القضاء على حماس فوق الأرض وتحتها. كما بذلت المنظومة الدبلوماسية الغربية مجهودا كبيرا في محاولة الإطباق على الموقف الدولي والرأي العام والحيلولة دون توجيه نقد لجرائم الاحتلال أو نشوء ضغوط سياسية وشعبية ضده.

تحوّل المواقف

غير أنّ الكارثة الإنسانية الفلسطينية وجدت لها صدى في العديد من دول أمريكا اللاتينية المناصرة للقضية العادلة التي تبنّت مواقف قوية بقطع علاقاتها مع إسرائيل وسحب سفرائها من تل أبيب، كما زاد الدعم الشعبي المؤيّد لحقّ الفلسطينيين في الدفاع عن النفس، وعدم اختزال مقاومتهم في حماس والوجه القاتم الذي أرادت إسرائيل إلصاقه بها.وبدأت المظاهرات في عدة عواصم غربية وحملات الدعم المعنوية، تحثّ النخب السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا على النظر بإنصاف إلى جوهر الأزمة وعدم تكرار الحديث عن حق إسرائيل في الدفاع عن النفس لكونه تسبّب في هدم جزء من القوام الرئيسي لمنظومة القيم الإنسانية التي شيّدها الغرب على مدار عقود طويلة، لأنّ هذا الحق أصبح يستثني الفلسطينيين منه.

ومع ارتفاع التكلفة البشرية في غزة ووصول الوضع إلى أبعد نقطة كارثية وخروج الحرب عن نطاق الحسابات الإنسانية ورؤية القانون الدولي والشرعيات الأممية، أُقحم الغرب في دائرة الإحراج ليرغَم على تغيير الموقف الخطابي من الحرب.وفي الحقيقة يرتبط تحوّل المواقف الغربية بتصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين التي بدت منبّهة للنظر كونها الأولى من نوعها التي تعترف بتصاعد الضغط الدولي على إسرائيل لوقف الحرب بسبب الوضع الإنساني هناك. وأضاف كوهين أنّ أمام إسرائيل أسبوعين إلى 3 أسابيع لحسم الحرب قبل أن يصبح الضغط مؤثّرا.

وهنا تحديدا يمكن رصد هذه التحوّلات وقياس مدى تأثير هذه المواقف في سير العمليات العسكرية في غزة كالتالي:

1 – الموقف الأمريكي: اضطرّت ضغوط الحرب المدمّرة على غزة والاحتجاجات الشعبية والدعاوى القضائية ضد بايدن وبلينكن وأوستن لفشلهم في منع “الإبادة الجماعية” بغزة، الدبلوماسية الأمريكية إلى إعادة المطالبة بتجنيب المدنيين القصف والقتل والتهجير القسري والمطالبة بإدخال المساعدات الإنسانية والوقود إلى المستشفيات.

ورغم أنّ هذه المطالبات تأتي في سياق التداعيات السلبية التي بدأت تظهر على المستقبل الانتخابي للديمقراطيين وللرئيس بايدن في الانتخابات الأمريكية القادمة نهاية 2024، فقد تسلّلت بخجل للرواية الرسمية الأمريكية التي ظلّت مصحوبة بشكل دائم بعبارات الدعم والتأييد الكاملين لدولة الاحتلال.

ومع توسّع جرائم الاحتلال وتصاعد الاحتجاجات الشعبية العالمية، بالإضافة إلى المخاوف الأمريكية من اتّساع رقعة المواجهة وتحوّلها إلى صراع إقليمي لجأت إدارة بايدن، واستنادا إلى وجود محتجزين من جنسيات متعدّدة لدى حماس منها أمريكية إلى طلبها من حلفاء إقليميين بالتوسّط لإطلاق سرائح محتجزين مقابل وقف مؤقّت لإطلاق النار.

2 – الموقف الأوروبي: لا يمكن إغفال حقيقة أنّ المواقف الأوروبية في لندن وباريس وغيرها من العواصم قد تعرّضت لضغوط سياسية وشعبية، دفعتها إلى التراجع عن حدّة موقفها الأوّلي من الحرب بعدما عرّض مستقبل حكومات وشعبيتها لتراجعات ملحوظة. – آخر المواقف تعود إلى مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الذي عبّر عن القلق البالغ إزاء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة، إذ دعا إلى إنشاء ممرات آمنة تسمح بتدفّق المساعدات الإنسانية إلى القطاع بشكل مستمر وسريع وآمن ودون عوائق، مذكّرا بأنّ القانون الإنساني الدولي ينصّ على وجوب حماية المستشفيات والإمدادات الطبية والمدنيين داخل المستشفيات.

– على عكس المستشار الألماني أولاف شولتز، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلة مع قناة “بي بي سي” إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة، كما حثّ إسرائيل على تجنّب استهداف المدنيين حيث لا يوجد أيّ مبرّر ولا أيّ شرعية لذلك.

وقوبل تصريح ماكرون البعيد كلّيا عن موقفه الأول الداعم لـ”حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها” بغضب في تل أبيب، حيث سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الردّ، قائلا: “الرئيس الفرنسي ارتكب خطأ فادحا. وذهب وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت أبعد من نتنياهو وقال: “من أين تأتي هذه الجرأة لوعظنا بالأخلاق أثناء الحرب؟

– تحوّل التظاهرات المؤيّدة لفلسطين في بريطانيا إلى “لعنة” تهدّد الحزبين الرئيسيين في بريطانيا، وانتقلت الضغوط إلى أورقة البرلمان للضغط من أجل تغيير المواقف الرافضة للدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة.  يواجه كير ستارمر رئيس حزب العمال البريطاني

– الذي في طريقه ليصبح رئيس الوزراء القادم- أخطر اختبار له حتى الآن وسط خلافات مريرة داخل حزبه.الأمر نفسه، جرى على الخلافات داخل حزب المحافظين البريطاني الذي أطاح بوزيرة الداخلية سويلا برافرمان، التي انتقدت المظاهرات المؤيّدة للفلسطينيين، كما انتقدت في مقال لها نشرته في مجلة تايمز تعامل الشرطة مع مظاهرة اليمين المتطرّفة، ما وضع الحكومة في مأزق.

– أكثر المواقف الغربية جرأة في انتقاد تل أبيب جاء من عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل، بعد مطالبة رئيس الحكومة البلجيكية ألكسندر دي كرو، وقبله نائبته بيترا دي سوتر بفرض عقوبات على إسرائيل ومحاكمة رئيس وزرائها.

– اتّهامات قوية من قبل رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره ضد إسرائيل بتجاوز قواعد القانون الدولي الإنساني في حربها عبر ردّها “غير المتكافئ” على هجوم حماس.

– لم يكن أيّ تصريح لمسؤول أوروبي قاسيا على تل أبيب، أكثر من تصريحات وزيرة الحقوق الاجتماعية الإسبانية بالإنابة إيوني بيلارا، التي دعت الدول الأوروبية إلى فرض أربع عقوبات على إسرائيل. وتتمثّل هذه العقوبات في “قطع العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب”، و”فرض العقوبات الاقتصادية بشكل حاسم”، و”حظر الأسلحة”، و”تقديم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجميع القادة السياسيين الآخرين الذين قصفوا المدنيين إلى المحكمة الجنائية الدولية”.

ضغط على إسرائيل

ما كان يُقال همسا وفي غرف مغلقة، أصبح اليوم مطلبا غربيا واضحا لفرضه على إسرائيل وعلى أرض الواقع بقطاع غزة، وهي مطالب محكومة بعدة عوامل قوية لوقف المجازر اليومية.وبات هناك حديث الآونة الأخيرة بين أعمدة صحيفة واشنطن بوست الأمريكية نقلا عن مسؤول إسرائيلي عن اقتراب حركة حماس وإسرائيل من التوصّل إلى صفقة بشأن إطلاق سراح أسرى نساء وأطفال فلسطينيين، مشيرا إلى أنّ الاتّفاق يتضمّن هدنة لنحو 5 أيام تزامنا مع تبادل الرهائن والأسرى.

لا ينفصل الداخل الإسرائيلي أيضا عن جملة هذه التحوّلات في المواقف الغربية التي تنازلت نسبيا عن صلابتها وتصميمها على تحقيق جيش الاحتلال أهداف الحرب الوحشية التي دخلت شهرها الثاني، ويمكن الوقوف في هذا الإطار على جملة من النقاط: 

– يروّج في الإعلام الإسرائيلي أنّه حتى الأيام الماضية لم يكن مطروحا ربط الوضع في غزة بالنظام السياسي في إسرائيل، لكن اليوم يبدو أنّ المشهد فرض فعلا على وزراء وأعضاء من حزب الليكود في “الكنيست” مناقشة الإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وذلك عبر تصويت بحجب الثقة.

– هناك حساسية اجتماعية بالغة تجاه ملف الرهائن والخسائر التي يمكن أن يتكبّدها الجيش خلال المواجهات العسكرية. وحتى الآن، يبدو الرأي العام الإسرائيلي مستعدّا لتحمّل الخسائر بالمعدّلات القائمة، باعتبار أنّ الثمن مقبول لردّ الاعتبار لما جرى يوم 7 أكتوبر، ولكن إذا زادت الخسائر زيادة كبيرة، فسوف يؤثّر هذا في موقف الرأي العام من الحرب، وقد يبدأ في ممارسة الضغوط لإنهائها.

– ضغوط نحو الإسراع في إنهاء الحرب من نحو 125 ألفا من المهجّرين الإسرائيليين الذين جرى إخلاؤهم من المنطقة المحاذية لقطاع غزة والمنطقة المحاذية للحدود اللبنانية – الإسرائيلية، إلى داخل إسرائيل. ويريد هؤلاء أن يعودوا إلى مناطقهم وممارسة حياتهم على نحو طبيعي.

– تكثيف حملة “نغادر البلاد معا” الداعية إلى مغادرة إسرائيل بسبب فقدان الشعور بالأمن والأمان، ودعت عبر شبكات التواصل الاجتماعي العائلات الإسرائيلية إلى البحث عن وجهة حول العالم، للإقامة المؤقّتة أو الاستقرار، مع توفير فرص عمل والاستثمار بمشروعات تجارية.

– تعرّض قطاعات واسعة من الاقتصاد الإسرائيلي لخسائر كبيرة بسبب استمرار العدوان على غزة. وثمة معطيات متضاربة عن حجم الخسائر التي يتعرّض لها الاقتصاد الإسرائيلي، ولكن من الواضح أنّ استمرار الحرب فترة طويلة سيلحق خسائر جسيمة بالاقتصاد الإسرائيلي وقد يتسبّب في أزمة اقتصادية حادة.

رغم تغيّر “المزاج” الغربي نتيجة سياسات العقاب الجماعي التي تمارسها إسرائيل ضد المدنيين، واستهداف المستشفيات والمدارس، ما تزال فرص إرغام إسرائيل على وقف حربها العدوانية ضعيفة، فالعوامل التي تدفع في اتّجاه استمرارها تبدو أرجح في هذه المرحلة، خاصة في ظل الفشل في تحقيق أيٍّ من أهدافها حتى الآن. وسوف يُنظر إلى التراجع في هذه المرحلة باعتباره هزيمة جديدة لا تستطيع إسرائيل تحمّل نتائجها على مستوى هيبة الردع. 

في كل الأحوال بدأت الحكومات الغربية المنحازة لإسرائيل في فقدان مفعولها السياسي والدبلوماسي، وباتت مرغمة على الإنصات إلى أصوات شعوبها من أجل التعامل مع الكيان المحتل بكونه عبئا على كاهل الغرب من الناحتين الإنسانية والأخلاقية، وبالتالي من المفيد أن يكون هناك إنصاف للشعب الفلسطيني لرفع روحه المعنوية حتى يشعر أنّه جزء من العالم وإن غابت عنه معايير الحقّ والعدالة والقانون.