في الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على طاولات المفاوضات لتقاسم ثروات البحر، استيقظت السواحل الشرقية لليبيا على فاجعة إنسانية تمثلت في غرق 38 مهاجرا من مصر والسودان وإثيوبيا، وذلك وفقا لبيانات رسمية صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وتقارير ميدانية موثقة من الهلال الأحمر الليبي.
وعلى وقع هذا النزيف المستمر، تبرز المفارقة الصارخة في المشهد الجيوسياسي، فبينما تبتلع الأمواج جثث المهاجرين، تهرع القوى الرسمية لتأمين “طموح الغاز”، وهو ما تجلى في إعلان ليبيا واليونان التزامهما بمواصلة المحادثات بشأن رسم الحدود البحرية، بحسب ما نشرته وكالة الأنباء الليبية الرسمية بالتنسيق مع وزارة الخارجية اليونانية.
وتسعى أثينا من خلال هذه التحركات إلى ترسيخ رؤيتها القانونية التي تمنح الجزر اليونانية حق الجرف القاري، في محاولة لفرض واقع سياسي جديد يضمن مصالحها الطاقوية، رغم أن هذه المناطق ذاتها تفتقر لأبسط قواعد التنسيق الأمني لحماية الأرواح البشرية.
هذا التضاد بين البحث عن الثروة وإهمال الإنسان يعزز ما وصفه الخبراء بـ”الفخ التكنوقراطي”، محذرين من الانشغال بالحلول الإدارية والبيروقراطية الباردة الذي يسمح للقوى الإقليمية بملء الفراغ على حساب السيادة والأمن الحقيقي. ونتيجة لهذا الانفصام السياسي، يظهر بوضوح أن المفاوضات بين طرابلس وأثينا وبروكسل ما تزال تدور في فلك المصالح الضيقة، متجاهلة الديناميكيات الأمنية المعقدة التي تجعل من المتوسط ساحة مستباحة لمهربي البشر.
ويرى الخبراء أن استمرار هذا النهج يضع التحركات الدبلوماسية الأخيرة في مواجهة اختبار أخلاقي عسير، إذ لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي في المتوسط بينما تُترك سواحل ليبيا مسرحا للموت، حيث يشدد المختصون على أن أي اتفاق تقني سيبقى عاجزا عن إرساء سلام حقيقي ما لم يمنح كرامة الإنسان الأولوية المطلقة فوق صراعات النفط ومطامع الغاز.



أضف تعليقا