محمد بشير ساسي
منذ ما يقارب الــ15 عاما عن اندلاع أحداث ثورة 17 فيفري والإطاحة بنظام الزّعيم الراحل معمّر القدافي، ما تزال ليبيا تعيشُ على وقع خلافات وتعقيدات سياسية وفوضى أمنية، أعاقت الانتقال من “شرعية ثورية” إلى “شرعية مؤسساتية” تحتكم إلى ” وثيقة دستورية” ترتّب البيت الداخلي ضمن مسار توافقي يحظى بإجماع الفرقاء بعيدا عن التنازع والاقتتال عبر “كيانات مسلحة” بين حكومتين واحدة في غرب البلاد والأخرى في شرقها.
حلقة مفرغة
طوال السنوات الماضية ظلّ البلد المتشظي يحاول عبثًا ترميمَ تصدعاته وسط متاهة “لجان المصالحة”، ما بين من تعمل على “المصالحة الوطنية” و”العدالة الانتقالية”، وأخرى لرتق القوانين اللازمة للمسار الديمقراطي، وثالثة بإشراف أممي لـلحوار المهيكل”
حتى بات الأمر “اعتياديا” لدى كثيرين، إلى درجة أن أحدهم وصف تندرا المشهد بأنّ الليبي يعرف معنى جملة تم تشكيل لجنة أكثر من معرفته بملامح وجهه”، وبالتالي ينظر إلى هذه اللجان بأنها “حلقة مفرغة”عمقها الانقسام السياسي.
وتنبثق في ليبيا، لجان فرعية من اللجنة العامة، بغرض سبر أغوار “قضايا عدة”، أو كشف ملابسات “الجرائم”، لكن ومع تعدّد هذه اللجان، ما يزال كثير من الملفات مفتوحا، بل إن حوادث كثيرة يطويها الزمن لعدم الوصول إلى الجناة أو جبر ضرر عائلات الضحايا.
وتحتلّ لجنةُ “المصالحة الوطنية” مكانةً كبيرةً في أولويات السلطة التنفيذية، ففي التاسع من سبتمبر2021 أعلن المجلس الرئاسي الليبي إطلاقه مشروع المصالحة الوطنية الشاملة، وهي المهمة التي كلفه بها ملتقى الحوار السياسي الذي رعته الأمم المتحدة بين أطراف النزاع الليبي في جنيف في جانفي 2021، الذي انبثق عنه المجلس الرئاسي في الخامس من فيفري 2021، إلى جانب حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، لكن هذا الملف ظلّ مفتوحا لكنه حتى الآن يراوح مكانه في ظل حالة من التشظي بين الفرقاء.
وسَبقَ أن افتتح المنفي في 18 سبتمبر 2025 الاجتماع الـ7 للجنة التحضيرية لمشروع المصالحة، بحضور بعثة من الاتحاد الإفريقي وسفراء دول اللجنة رفيعة المستوى المعنية بليبيا، وممثلين عن البعثة الأممية، وقال إن “نجاح المصالحة يتطلب إرادة صادقة، وتنازلات شجاعة”…
ترحيب وتحفظ
أهم الأخبار الآن:
مع مطلع العام الجديد، عاد الجدل حول المصالحة الوطنية من جديد إلى الواجهة بعدما اعتمد المنفي “ميثاق المصالحة الوطنية”.
واعتبر رئيس “المجلس الرئاسي” الميثاق بأنه ثمرة جهد وطني صادق، وإرادة جماعية آمنت بأن ليبيا لن تستقر أو تتقدم إلا عبر المصالحة والحوار والتسامح، مع تغليب مصلحة الوطن على أي اعتبار آخر.
وشدد المنفي على أن الليبيين يريدون مصالحة وطنية حقيقية لا تُبنى على النسيان بل على العدالة”، مؤكدا أن توقيع الميثاق ليس نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة، تستدعي مواصلة العمل الجاد والمسؤول لتحويل بنوده إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطن اليومية.
وبقدر ما لاقت الخطوة أصداء إيجابية وترحيبا إفريقيا ودوليا، فإنّها في الوقت ذاته قُوبلت بتحفّظات داخلية عبّرت عنها قوى سياسية وشخصيات رسمية يمكن استعراض مواقفها على النحو التالي:
– اعتبار تجمّع الأحزاب الليبية قرار تعيين علي الصلابي مستشارا لرئيس المجلس الرئاسي لشؤون المصالحة قد يؤثر في وحدة النسيج الاجتماعي ومستقبل الدولة، محذرا من إدارة ملف المصالحة بعقلية الإقصاء أو عبر شخصيات مثيرة للجدل.
وشدد بيان التجمع على أن نجاح أي مسار للمصالحة يرتبط بثقة الليبيين وحيادية القائمين عليه وقدرتهم على التواصل مع جميع الأطراف دون استثناء أو انحياز سياسي أو أيديولوجي، مؤكدا أن تعيين شخصيات مرتبطة بذاكرة الانقسام قد يعيد إنتاج الشكوك ويقوض المسار في وقت تحتاج فيه البلاد إلى شخصيات جامعة لا تثير مخاوف الإقصاء أو الهيمنة.
– دعوة من داخل المجلس الرئاسي إلى الإسراع في إنشاء المفوضية العليا للمصالحة الوطنية وفق ما نص عليه الاتفاق السياسي، معتبرا أن تفعيل هذا الاستحقاق سيعزز الثقة بين مكونات المجتمع الليبي، ويمنح المجلس الرئاسي غطاءً وطنيا جامعا لإدارة الملف، ويحصن مسار المصالحة من التأويلات السياسية والاصطفافات المحتملة.
وتؤكّد الدعوة التي وجّهها العضو المجلس الرئاسي موسى الكوني في كتاب موجّه إلى المنفي أن طبيعة ملف المصالحة تفرض إدارته ضمن إطار جماعي تشاركي، وعدم اختزاله في اجتهادات فردية أو ترتيبات لا تعبر عن التوافق المؤسسي داخل المجلس، مشيرا إلى أن أي أدوار استشارية ستكون أكثر فاعلية عندما تُمارس ضمن مظلة مؤسسية واضحة وتحت إشراف المفوضية المزمع إنشاؤها.
– تصاعد التوترات السياسية، واستمرار الخلاف بين مجلسي “النواب” و”الأعلى للدولة”، حيث دعا الأخير بعثة الأمم المتّحدة إلى التحلي بالحياد، مدافعا عن جهوده في إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، ومحذرا من “أي إعادة إنتاج للأزمات السابقة”.
وفي وقت سابق طفى على السطح جدلٌ حاد بين طرفي السلطة في ليبيا على خلفية إقرار مجلس النواب الليبي في جانفي الماضي، قانون المصالحة الوطنية بأغلبية أعضائه في جلسة عقدت بمدينة بنغازي، بهدف ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز العدالة الانتقالية.
في المقابل اعتبر “الرئاسي” القرار مخالفًا للتطلعات ومعقدا للمسار، ودعا المجلس حينها إلى ضرورة “تجنب القرارات الأحادية التي تقوض الشراكة الوطنية وتؤثر سلبًا على أمن واستقرار البلاد”.
– تحذيرات متكرّرة من الأمم المتحدة (التي ترعى “الحوار المهيكل” أحد المكونات الأساسية لخارطة الطريق السياسية لدعم الليبيين في سعيهم لمعالجة الأشكالات المعقدة والسعي نحو الاستقرار والازدهار) من تسييس ملف المصالحة الوطنية.
فقد سبقَ أن اعتبرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الدعم في ليبيا هانا تيتيه أن عملية المصالحة أصبحت مسيسة، داعية إلى إطلاق مسار شامل قائم على حقوق الأشخاص ومتمحور حول الإنسان.
كما أشار تقرير أممي حديث إلى أن غياب عملية مصالحة وطنية شاملة أسهم في استمرار دورات العنف والمظالم والإفلات من العقاب، مع استبعاد فئات رئيسية مثل النساء والشباب والمجتمعات غير العربية وممثلي الضحايا، إضافة إلى تقلص الحيّز المدني واستخدام خطاب الكراهية، ما عمّق الانقسامات وأضعف فرص التوافق.
وحذّرت الأمم المتحدة من أن صراعات السلطة حول الموارد والمؤسّسات قد تدفع ليبيا إلى حافة الانهيار، رغم الترتيبات المؤقتة التي حالت دون اندلاع مواجهات واسعة حتى الآن، مؤكّدة الحاجة إلى عمليّة سياسية متجددة تقودها الأمم المتحدة بدعم دولي، لاستعادة مسار موثوق نحو دولة موحدة ومستقرة.
تجربة مكلفة
من أجل استجلاء السّجال الحاصل في ليبيا، في ما يخصّ الجدال حول إشكالية حسم الأولويات بين العدالة والمصالحة، وكيفيّة التوصّل إلى رؤية تنجلي فيها هذه الضبابية المعيقة للاستقرار والتنمية، وذلك بغية المساهمة في مساعي تجاوز المأزق الراهن، يحلينا هذا المنطلق إلى قراءة متأنية للتجربة برمتها.
من البديهي أن تفضي الثورات الشعبية على النظم الأوتوقراطية إلى مرحلة تستدعي جهود حثيثة لبناء الدولة، والتجربة الليبية كما يعتقد الدكتور أحمد علي الأطرش أستاذ السياسة والعلاقات الدولية بجامعة طرابلس ليستْ استثناءً، والشواهد على ذلك كثيرة.
ووفق دراسة له بعنوان: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في ليبيا: جدلية الأولويات، فإن ليبيا شهدت عقودًا من العبثية والظلم والاستبداد المطلق (1969-2011)، حيث جرى خلالها توظيف كافة خيراتها وإمكاناتها للتمترس في الحكم، وتكريس ذلك الواقع على حساب التنمية والحياة الكريمة للمواطنين.
كما أن الحرب للقضاء على هذه الحقبة، وبغضِّ النظر عن مبرراتها وتصنيفاتها والأطراف المنخرطة فيها، كانت باهظة الكلفة من حيث الخسائر في الأرواح والممتلكات، ناهيك عن الجرحى والمفقودين والانتهاكات والدمار، مع انتشار الأسلحة.
والأخطرُ من ذلك تكلّس وتفشي ثقافة ناجمة عن مناخ وسلوك استبدادي ممنهج، لعل من تداعياتها انحطاط في منظومة القيم تتمثل في الأنانية والشخصنة والانتهازية والجشع والمصالح الضيقة والفساد، وغيرها من رواسب ممارسات الأنظمة الشمولية، أي “ثقافة القبح” التي تتشكل تحديدًا من “ثالوث إهدار المال العام والشخصنة والإقصاء”.
واللافت للنظر أيضا أن عملية الانتقال في ليبيا ليست كما هي الحال عليه في عديد الدول الأخرى التي تمر بظروف مشابهة؛ حيث تستوجب العمل على تجاوز ثلاث مراحل، وهي: من لا دولة إلى الثورة ثم إلى الدولة.
كما أنه من الجدير بالملاحظة في هذا الصدد أن التجارب، وخاصة في إطارنا الإقليمي، تشير إلى أنه كلما تكرس الاستبداد، من حيث التمترس والحدة والانتشار، استعصت سبلُ القضاء عليه وعلى تكلساته، وهذه هي الحقيقة التي تُفنّد أيّ تعميم في المقارنات الخاطئة بين دول ما تسمى “ثورات الربيع العربي”.
جدلية الأولويات
عند تفحص الأدبيات ذات الصلة، بما في ذلك النظر إلى الحالات المماثلة، نجد أن هناك عدة مقاربات ومدارس فكرية بخصوص مسألة الأولويات في ما يتعلق بموضوع الدراسة، والتي يمكن حوصلتها في السياق التالي:
– هناك رؤية تؤكد أولوية العدالة الانتقالية، وذلك من خلال وضع مرجعيات قانونية تضمن الحقوق الناجمة عن الأضرار والانتهاكات التي ارتُكبت، وتتضمن الإجراءات والأطر المؤسساتية الرسمية الراعية والداعمة لجهود المصالحات، وما ينجم عنها من توافقات ونتائج.
– وعلى النقيض من المسار القانوني سالف الذكر، هناك رؤية أخرى تستند على فرضية مفادها أن المصالحة عملية استباقية للعدالة الانتقالية، وبالتالي لا يمكن تحقيق وتفعيل الأخيرة إلا بإجراء مصالحة وطنية شاملة. يبدو أن هذه المقاربة مستمدة من موروث ديني ثقافي مجتمعي متجذر منذ القدم.
وفق هذا الفهم، نجد من يجزم بأن المصالحة يجب ألا تشمل الانتهاكات المتعلقة بالشرف والعِرض، ومن أبرزها حالات الاغتصاب والتحرش الجنسي. ومن خلال هذا التباين في الرؤى برزت مطالبات تمهيدية – احترازية مفادها ضرورة العمل على الشروع في حوار وطني يشمل كافة أطياف الشعب الليبي، وتُطرح من خلاله أبرز القضايا الخلافية، ولكن هذه المطالبات أفرزت إشكالات جديدة تدور حول عناصر جوهرية تنصب حول ماهية الجهات والأطراف المخولة لإدارة الحوار والضامنة لمخرجاته، بما في ذلك إشكالية تحديد المفاهيم، ومدى مؤامة المناخ والظروف المصاحبة لإجرائه، والتوصل من خلاله إلى مخرجات نتائج توافقية وقابلة للتطبيق.
– وهناك توجّه يمزج بين الرؤيتين السابقتين؛ أي يؤسّس منطلقاته الفكرية على تلازم متوازٍ لعمليتي العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، بحيث لا يمكن تحقيق إحداهما دون الأخرى.
هذا المنحى يعوّل أساسا على التفسيرات والاجتهادات القانونية لهذه العلاقة، والتي تؤكد أن المصالحة جزء لا يتجزأ من منظومة العدالة، ويؤكد حتمية التماهي بين الموضوعين، وذلك من حيث درجة الترابط والتشابك والتداخل والاعتمادية. أي بمعنى، أنهما (العدالة والمصالحة) تدخلان ضمن إطار بنية متكاملة تتمثل في العدالة الاجتماعية، ولهذا لا يمكن تحقيق نجاح لأي منهما بمعزل عن الآخر.
تحديات جمة
رغم ما يفرزُه المشهد اللّيبي من تجاذبات وانقسامات عميقة وخلافات حادّة، فإن هناك طيفا واسعا من المهتمين بالملف الليبي يعتبر أن الفرصة لترميـم الثقـة وبنـاء المصالحـات بين القوى السياسـية ومكوّنـات المجتمـع ما تـزال قائمـة.
فليبيا اليوم بإجماع كثيرين أحوج ما تكون إلى مصالحة وطنية تسهم في بناء دولة آمنة ومستقرة، ينعم أهلها بعيش كريم، وتقوم فيها العلاقات بين المواطنين، وبين مؤسسات الدولة على أساس من الثقة والاحترام، وتسهم التجارب الدولية على أن نجاح مساعي المصالحة الوطنية يتوقّف على حسم خلافات حول قضايا مفصلية تشكل في مجموعها أزمات : أزمة هوية وأزمة شرعية وأزمة تغلغل وأزمة توزيع وأزمة مشاركة.
بيد أن هذه النظرة المتفائلة لا يمكنها أن تحجبَ عدة حقائق غير مسموح تجاهلها أو القفز عليها، وهي أن مشروع المصالحة يواجه تحديـات جمـة، وأنه من الصعب تنفيذ المصالحة والعدالة الانتقالية في ظل ضعف مؤسسـات الدولة وانعدام الأمن العام، كما أن لدى قطاعات واسـعة من المجتمع الليبي وقـواه السياسـية فهمـا خاصا للمصالحـة وفهما خاصة للعدالة الانتقالية، لذلـك ينبغي صياغـة تطبيقات للمصالحة وللعدالة الانتقالية تناسـب هذا الفهم المتعدد، ولا يصح اسـتيراد قوالب نمطيـة للعدالـة الانتقالية.
ووفقا لهذا التصوّر الذي أكدت عليه دراسة بعنوان ترميم الثقة وإجراء المصالحات: الطريق نحو تأسيس ميثاق وطني ليبي” ضمن مشروع مشترك بين لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية ” لغربي آسيا “الإسكوا” والوكالة الألمانية للتعاون الدولي، فإن بعض آليـات العدالـة الانتقاليـة قـد لا تنجح في السـياق الليبي، فقـول الحقيقـة فـي العلن والاعتذارات العلنية ليسـت جزءا مـن الثقافـة الليبيـة ، وقـد تكون الصرامـة التامة في الملاحقة القضائيـة فـي بعـض الحالات ذات تأثير سـلبي على المصالحة وحائلا دون معالجـة الخلـل في النسـيج الاجتماعي. وعليه فإن العدالـة التـي تعتمـد على المقاربـة الجزائية اعتمادا غيـر ملائمة للسـياق الليبي.
فـي المقابـل وعلـى الرغـم من الإقرار بصعوبـة تنفيذ العدالـة الانتقالية فـي ظـل ضعف مؤسسـات الدولة، فإن بعـض الباحثيـن يحاجـون بأن ثمـة حاجة أولا إلـى تهيئة البيئـة المناسـبة لتنفيـذ العدالـة الانتقالية بشـكلها الواسـع والمرن. وذلـك لا يعنـي أبـدا أنه ثمة موقف مبدئي في ليبيا لتكريـس ثقافـة الإفلات مـن العقاب أو لتغييب المسـاءلة والمحاسـبة أو لإهمال معرفـة الحقيقـة أو لإهمـال جبـر الضرر والتعويـض وذلـك خدمـة لـمصالحات “وهمية وهشـة”.
فهـذه الآليات الحقوقيـة تعرفهـا الثقافـة الليبيـة التقليدية المحليـة والمتجسّـدة فـي مجالـس الصلح العرفية والوسـاطات التقليديـة لفـضّ النـزاع، وهـو ما تجسـد سـابقا في “ميثاق الحرابـي” لعام 1946.
بينما تسنّى لعمليات السلام السياسية والمصالحات المجتمعية، تحقيق إنجازات معينة، لم تجر معالجة الكثير من الأسباب الجذرية العميقة للنزاع خصوصا الأسباب المرتبطة بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الكليّ، وأهم تلك الأسباب الخلل المزمن في تصميم نموذج اقتصادي يتناسب مع الخريطة الاجتماعية والديمغرافية-الجغرافية في ليبيا، ويحقق الإنصاف والعدل والتوازن الجهوي والإقليمي والديمغرافي والتوازن المتعلق
بالنوع الاجتماعي.
ومن بين البنود الاقتصادية التي استمر الإخفاق في معالجتها، المتعلق بتوزيع عوائد التنمية وإدارة الثروة الوطنية، والإنصاف في التعيينات والوظائف والصلاحيات والاستبقاء والترقية، وتنويع
الاقتصاد حيث انعكس هذا الخلل الهيكلي والبنيوي الاقتصادي في ازدواج المؤسسات الاقتصادية السيادية وسياسات النقد واحتدام التنازع حول إدارة المؤسسات العامة.
كما أسهمت تدخلات خارجية عديدة في تحفيز الأطراف المتواجهة في ليبيا على تغليب مبدإ الجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكن تصميم هيكل عمليات بناء السالم والمصالحة لم يكن فعالا، إذ لم يحقق الشمول ولم تكن ملكية المصالحات ملكية وطنية كاملة بل تدخلت أطراف خارجية لانفاذ غايات ومصالح معينة، كما لم يكن إطار المصالحة مصمما وفق الحاجات الوطنية بشكل خالص.
ظروف محددة
حينما تمارَس العدالة بشكل انتقائي أو انتقامي يستوجب الأمر توافر بنية وظروف محددة. ورغم حقيقة تصنيف ليبيا “بالدولة البسيطة” وفق “نظرية الدولة” المتعارف عليها في أبجديات علم السياسة، إلا أن الصراع الدائر في ليبيا مردُّه أشخاص ونخب وفئات وتيارات وأيديولوجيات وقبائل ومناطق ومصالح وأجندات وتدخلات خارجية ونوايا مختلفة ومتقاطعة، سواء كانت مصادرها قديمة (ما قبل الاستقلال 1951) أو حديثة (حقبة النظام السابق 1969-2011) أم مستجدة (إفرازات ما بعد انتفاضة 2011)، فكل طرف يسعي إلى تحقيق مأربه عبر الاستحواذ على السلطة واحتكارها، وبوسائل وتكتيكات، ومبررات متنوعة.
فعلى جميع الفرقاء إعادة النظر في مواقفهم المتصلبة حيال الموضوع، وذلك بالتوافق والعمل معا من أجل تفعيل قانون للعدالة الانتقالية مع فسح المجال للمؤسسات غير الرسمية لبذل جهود متوازية لتحقيق المصالحة الوطنية وجبر الضرر وردّ المظالم والعفو عند المقدرة، والشواهد على إيجابيات هذا المنحى لا تستدعي التعمق وبذل الجهد في التفكير.
من هذا المنطلق، تقف القوى المجتمعية الليبية الفاعلة والمؤثرة، ومن أهمها وجهاء وأعيان القبائل والمناطق والحكماء، والنخب الأكاديمية والثقافية، ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ومؤسسات المجتمع المدني (حديثة العهد نسبيّا) -مع دعم حقيقي من قبل المنظمات الدولية والإقليمية المعنية- أمام تحدي تكثيف الجهود من أجل فض الخلافات والسلم الاجتماعي واستتباب الأمن في بناء دولة القانون والمؤسسات، التي كانت غائبة (أو بالأحرى مغيبة) عن ليبيا ردحًا طويلا من الزمن.
وبالتالي فإن مشروع المصالحة الوطنية كما يراه علي الصلابي مستشار هذا الملف يجب أن ينحو إلى شخصنة القضايا قدر الاستطاعة والممكن، بحيث لا تكون القضية قضية قبيلة معينة ضد قبيلة أخرى، أو قضية جهة ضد جهة أخرى أو منطقة ضد منطقة أخرى، بل قضية فرد أو أفراد ضد فرد أخر أو أفراد آخرين.
اليوم في ليبيا يبدو أن الطريق الأقرب إلى المصالحة المستحقة وفق أكلـي شــكا الكاتب والخبير الأمني والإستراتيجي والمتخصص في منطقة الساحل الافريقي وشمال إفريقيا، هو مزج واقعي بين ما هو محلي وما هو وطني، وبين ما هو أخلاقي وما هو مؤسسي: كشف حقيقة كافية تضع حدا لتعدد الروايات المتصارعة، ومحاسبة عادلة للجرائم الأشد، وجبر ضرر واسع يلامس حياة الناس لا نصوص القوانين فقط، وإصلاح أمني واقتصادي يقطع الصلة بين السياسة والسلاح والمال غير المنضبط، عندها فقط يمكن أن يتحول سؤال المصالحة من سؤال تهدئة ظرفية إلى سؤال بناء طويل النفس، ومن شعار سياسي إلى ممارسة أخلاقية تؤسس لدولة لا تخاف ذاكرتها، ولا تقوم على إنكار ماضيها، بل على تحويله إلى درس في العدالة ومعنى في السياسة.


أضف تعليقا