أفادت صحيفة “لوموند” الفرنسية في تحقيقاتها الأخيرة أنّ الإستراتيجية الحالية للاتحاد الأوروبي في حوض البحر الأبيض المتوسط تعتمد بشكل مكثف على مبدإ “التصدير الخارجي للحدود” عبر إبرام اتفاقيات مالية وأمنية وثيقة مع دول العبور الشمال إفريقية، وتحديدا تونس وليبيا، بهدف كبح تدفقات المهاجرين غير النظاميين قبل وصولهم إلى الشواطئ الأوروبية.
وحسب ما ورد في تقارير “لوموند” فإنّ هذه الشراكات حققت تراجعا نسبيا في أعداد المهاجرين الواصلين إلى السواحل الإيطالية في فترات معينة، إلّا أنها تواجه انتقادات لاذعة من منظمات حقوقية ومؤسسات دولية بتهمة التغاضي عن انتهاكات جسيمة تمسّ حقوق الإنسان.
أهم الأخبار الآن:
سلوكيات قمعية ضد المهاجرين
وقد كشفت الصحيفة عن تفاصيل دقيقة تثبت حجم التنسيق الأمني والتمويلات السرية التي تدفقت لدعم وحدات حرس السواحل وإدارة الحدود في هذه الدول، رغم التقارير الموثقة حول السلوكيات القمعية ضد المهاجرين.
وتتمحور السياسة الأوروبية حول تقديم الدعم المالي واللوجستي المباشر للأجهزة الأمنية وحرس السواحل في دول جنوب المتوسط، حيث رصدت “لوموند” تحويل مئات الملايين من اليورو تحت غطاء المساعدات التنموية وإدارة الأزمات في حين كانت تذهب مباشرة لشراء زوارق سريعة ومعدات صيانة معقدة.
ويشمل هذا التعاون مشاركة الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) لبيانات الاستطلاع الجوي والصور الساتلية لتمكين السلطات المحلية من رصد واعتراض قوارب المهاجرين فور إبحارها وإعادتهم قسريا إلى اليابسة قبل دخول المياه الإقليمية الأوروبية.
تصف التقارير الصادرة عن جهات دولية هذه السياسات بأنها “محاولة للتنصل من المسؤولية القانونية والأخلاقية” تجاه طالبي اللجوء والمهاجرين وتتركّز المخاوف حول انتهاك مبدإ عدم الرد القسري الذي يمنع إعادة المهاجرين قسريا إلى مناطق غير آمنة.
وقد أكّدت صحيفة “لوموند” في متابعتها الميدانية لعام 2026 أنّ الأموال الأوروبية تساهم بشكل مباشر في تمويل مراكز احتجاز بائسة بليبيا، وعمليات طرد جماعي عشوائية بالمناطق الحدودية التونسية، ممّا يضع المفوضية الأوروبية تحت طائلة المساءلة القانونية الدولية بتهمة تمويل آليات القمع بدلا من إدارة الأزمات الإنسانية.
استمرارية التضييق الأمني
وتؤكّد التحقيقات الاستقصائية لصحيفة “لوموند” أنّ التضييق الأمني المستمر لا ينهي الظاهرة، بل يدفع شبكات التهريب إلى ابتكار أساليب أكثر خطورة للتكيف مع الرقابة، مثل استخدام قوارب معدنية عشوائية الصنع تفتقر لأدنى مقومات السلامة، ممّا تسبّب في رفع معدلات الوفيات غرقا في عرض البحر بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الماضية.
وأثبتت القراءات التحليلية لأنماط الهجرة أنّ تشديد الرقابة في قطاع معين يؤدّي إلى تحويل التدفقات تلقائيا نحو مسارات بحرية أطول وأشد خطورة، وتستمر المعضلة الأوروبية في الموازنة بين الضغوط السياسية الداخلية الرامية لخفض أعداد المهاجرين وبين الالتزامات القانونية والأخلاقية التي بني عليها مشروع الاتحاد الأوروبي في مجال حقوق الإنسان.



أضف تعليقا