لماذا لم توقّع تونس إعلان باريس حول الذكاء الاصطناعي؟

عبدالسلام الزبيدي 

نحن في عالم تجاوزنا فيه مقولات القرية الكونية وربّما العمارة السكنية العالمية، ولم تعد مقولة “إذا عطست أمريكا أو الصين فإنّ تونس ستُصاب بالزكام” ذات دلالة، لأنّ الزكام سيصيب الجميع في اللحظة ذاتها وليس بعد أن يُصَاب المصدر أوّلا. ففي القرية أو العمارة السكنية نجد الحدود والمسافات، وفيهما تحافظ مفاهيم السيادة والخصوصية والملكية وغيرها على مميّزاتها الجوهرية، أمّا في العالم الذي يتحكّم فيه الذكاء الاصطناعي، أو يسعى إلى ذلك، فإنّ الحدود تتلاشى والخصوصيات تضمحلّ ليس عند مبتكري هذه التكنولوجيا وصانعيها ومستخدميها فقط.

هذه الحدود تتآكل وتغيب كذلك عند أولئك الذين وجدوا أنفسهم “مواضيع “للموجة الجديدة لا “ذوات”. وعليه فإنّه في مجال التأثير ودفع الفواتير بشتّى مستوياتها لا معنى لمقولة الفجوة بين هؤلاء وأولئك، ولا عاصم للدول وقادتها وشعوبها من طوفان الذكاء المستحدث والمستجدّ حتى ولو زعموا أنّهم سيأوون إلى مقولاتهم المتحجّرة.

الذكاء الاصطناعي حدثٌ سياسي وتكنولوجي ووجودي

ولذلك، ولغير ذلك، فإنّ قمةّ باريس حول الذكاء الاصطناعي، لم تكن حدثا علميا وتكنولوجيا محضا، بل كانت كذلك حدثا سياسيا وحضاريا، وأكثر من ذلك: هي حدثٌ وجوديّ عظيم أشرفت على إعداده فرنسا والهند وشهدت فعالياته أكثر من 100 دولة وحضرته منظمات دولية وإقليمية ومتخصّصة، بالإضافة إلى شركات هي بحكم تأثيرها الكوني قولها أشدُّ وطءا وأعظم ركزًا من الكيانات ذات العضوية في الأمم المتحّدة (الدول).

لن نخوض في الفعاليات الموازية أو السابقة للحدث ولا في الزاويتين المحبّبتين إلى قلوب المتوجّسين من هذا الوافد التكنولوجي ضمن رُهاب التقنية، الأولى حديث عن المخاطر والثانية اعتصامٌ بالأخلاقيات، وهما زاويتان مهّمتان ولا ريب. ولن نفصّل القول في ما تمخّض عن القمة من مشاريع ومخططات بالاستثمار وأهمها الـ100 مليار يورو التي تحدّث عنها الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون نصفها أموال إماراتية إضافة إلى الـ200 مليار يورو أوروبية وكأنّها ردّ على المخطط الاستثماري الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقيمته 500 مليار دولار.

ولن نولي كبير أهمية للموقف الأمريكي الموصوف بالمتعالي والرافض لعقلية الضبط والمراقبة والتوجيه، في مقابل الموقف الأوروبي، والصيني كذلك، المتمسِّك بالأبعاد القيمية والأخلاقية والإنسانية، والحريص على الاستعمال الآمن والشامل والإنساني. فذاك حوار بين القوة المالكة للمؤسسات الخمس الكبرى عالميا وبين دول أوروبية ( أساسا) هي في منزلة العيال على الولايات المتحدة، أمّا الصين فاختارت التموقع السياسي أكثر منه الخيار التكنولوجي أو الأخلاقي. ولسنا في حاجة إلى التذكير بأنّ تلحّف الغرب الأوروبي بالقيم والاخلاقيات وإعلان حرصها على المغلوبين على أمرهم تكنولوجيا ليس أكثر من نفاق حضاري وآلية تضليل ليس هذا مجال تفصيل القول فيهما.

وفي السياق ذاته، فإنّنا نتجنّب الخوض في التوازنات الأوروبية الأوروبية وحرص ماكرون على البروز بمظهر قائد أوروبا التي تجاوزها الزمن التكنولوجي كما تجاوزتها القدرة على حلّ أزماتها بنفسها، والملف الأوكراني ليس منّا ببعيد. تلك الحرب غير المعلنة التي برزت في رفض بريطانيا التي كانت عظمى التوقيع على إعلان باريس أو البيان الختامي واختارت الاصطفاف وراء الولايات المتّحدة، والمسألة تتجاوز، في تقديري، مضمون الإعلان إلى تاريخ الذكاء الاصطناعي ذاته الذي وضعت فيه إنجلترا بصماتها على خلاف الدولة المستضيفة من ناحية، ومن ناحية أخرى بعث رسالة سياسية بغلاف تكنولوجي إلى الرئيس الغارق في أزمات داخلية.

حقيقة الموقف التونسي من الذكاء الاصطناعي 

تلك مسائل بالإمكان تفصيل القول فيها في فرص مستقبلية، خاصة أنّ الذكاء الاصطناعي ليس حدثا عارضا وإنّما هو محرّك لعالم اليوم ومقوِّمٌ لأحداثة وتوازناته بل ومحدّد لطبيعة وجوده ومداه، وهنا نعود إلى زاوية المخاطر.

ما شغلني منذ انتهاء أشغال “قمة العمل من أجل الذكاء الاصطناعي” يوم 11 فيفري الجاري هو طبيعة المشاركة التونسية. وحتى نكون أكثر دقّة، فإنّ ما شغلني هو التساؤل عن سبب عدم توقيع تونس على “الإعلان بشأن الذكاء الاصطناعي الشامل والمستدام من أجل الإنسان والكوكب”.

فقد وقّعت على الإعلان 61 دولة بالتمام والكمال من بينها فرنسا والصين والهند وكندا وأستراليا وجل الدول الأوروبية والفاتيكان ومفوضية الاتحاد الأوروبي ومفوضية الاتحاد الإفريقي، بالإضافة إلى عدد من الدول الإفريقية ومن بينها الدولتان العربيتان الشبيهتان اقتصاديا بنا مصر والمغرب. أمّا أبرز الرافضين للتوقيع فهي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والكيان الإسرائيلي المحتل.

ومن المعلوم أنّ وزير تكنلوجيات الاتّصال سفيان الهميسي قد ترأّس الوفد التونسي بتكليف من رئيس الجمهورية حسب بلاغ صادر من الوزارة ولم يجد صدى كبيرا في الإعلام التونسي. فالمشاركة التونسية لم تجد صدى ولا رجعه، أي أنّ الحضور لم يكن حدثا ولم يرتق إلى مستوى هذا الحدث الكوكبي. وحتى نكون منصفين فإنّ مشاركات تونس في الملتقيات الدولية غدت في الأغلب الأعم تسجيلا للحضور أكثر منها عمل على التأثير وترك البصمات، ولنا في القمم العربية والإسلامية والإفريقية الأخيرة والجلسة الدورية السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة ومؤتمرات المناخ أفضل أمثلة من حيث مستوى التمثيل وكذلك التأثير.

فاسم تونس التي كانت حاضرة وممثّلة بوزير تكنولوجيات الاتّصال كان غائبا في قائمة الموقّعين على إعلان باريس مثلما تكشفه المواقع الرسمية للمؤسسات السيادية الفرنسية. وهنا يمكن افتراض أنّ السبب الأساسي لعدم التوقيع هو مضمون الإعلان ذاته الذي قد يتعارض مع ما تراه تونس الرسمية في هذا الشأن.

وهنا يمكن للمتابع أن يستحضر مواقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد من الذكاء الاصطناعي خلال الاحتفاء بيوم العلم سنتي 2023 و2024 ، حيث حذّر في أوت 2023 من مخاطره على البشرية ووصفه بأنّه “اغتيال للفكر البشري” معدّدا بعض استعمالاته السئية والضارة سواء في الأعمال الإرهابية أو الإجرامية. كما وصف سعيّد الذكاء الاصطناعي بأنّه خطر داهم يهدّد الإنسانية جمعاء، داعيا التونسيين إلى التعويل على ذكائهم وعلى أنفسهم. أمّا السنة الفارطة فقد دعا سعيّد إلى التحكّم في الذكاء الاصطناعي بدل أن يتحكّم فينا.

ونحن لا نعتقد أنّ هذا الموقف يختلف عن المواقف المعتمدة لدى الأمم المتحدة من الذكاء الاصطناعي، فما قاله سعيّد سنة 2023 هو استعادة لبعض أقوال الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، أمّا إشارته سنة 2024 فهي جزء من وثيقة اعتمدتها الأمم المتحدة في مارس من السنة ذاتها حول الموضوع ذاته.

فرئيس الجمهورية قيس سعيّد اختار التركيز على مسألة المخاطر أكثر من الدعوة إلى اقتحام المجال مع تسييجه بالأخلاقيات وغيرها من الضوابط، أي أنّ موقفه ليس رفضا مطلقا. وعند الاطّلاع على إعلان باريس نجد أنّ المضمون لا يختلف كثيرا مع موقف سعيّد المحافظ والحذِر والأخلاقي، فالإعلان يدعو إلى استعمال الذكاء الاصطناعي بطريقة شاملة ومستدامة من أجل الإنسان والكوكب. وسعيّد دائم التبشير بأنّ فجرا إنسانيا جديدا بصدد الانبثاق، ومضمون الإعلان يسير في هذا الاتجاه، فلماذا لم يوقّع وزير تكنولوجيا الاتصال لتجد تونس نفسها مع ثالوث الاستعلاء الأمريكي وبريطانيا التي لم تعد عظمى والكيان البغيض؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *