ثقافة

للمرّة الثالثة.. “تونس أمّ البلدان” عمل مسرحي تاريخي يجمع عزالدين المدني بحافظ خليفة

يستعدّ المخرج التونسي حافظ خليفة للالتقاء مجدّدا بالكاتب المسرحي المخضرم عزالدين المدني، للمرة الثالثة عبر مسرحية “تونس أم البلدان” وذلك بعد اشتغالهما معا على مسرحيتَيْ “رسائل الحرية” و”عزيزة عثمانة”.

معتقلو 25 جويلية

وتتضمّن أحداث المسرحية التاريخية فترة أبوزكريّاء الحفصي مؤسّس الدولة الحفصيّة في القرن الـ13 م، وتقديم تونس أمّا للبلدان الداعية إلى رفض كل أشكال محو آثار السابقين، والمؤمنة بحتميّة الابتكار والتجديد من أجل تأسيس دولة العدل والإنصاف، المشروطة بقيم العمل والحريّة واحترام القوانين.

ويدعو عزالدين المدني فيها إلى قيم كونيّة، لأنّ بناء الدولة العادلة في نظره يشترط الوعي بأهميّة مفاهيم الأمن والسلام والتآزر “بين الإنسان والإنسان”، رفضا للانتمائيّة الضيّقة، ولن تتحقّق هذه المدينة العادلة والمنصفة -وفق المؤلّف- في ظلّ غياب وعي علميّ وحسّ إبداعي، إذ لا توقد المصابيح إلاّ بشموع العلوم والمعارف التي عبرها تتحوّل عتمة الليل إلى نور وهّاج.

عشق لتونس وتاريخها

وعن المسرحية وتعامله للمرة الثالثة مع الكاتب عزالدين المدني، يقول المخرج حافظ خليفة: “التعامل مع الكاتب العملاق عزالدين المدني شرف لي باعتبار تاريخه الأدبي والفني الكبير ومرجعياته الفكرية وغزارة إنتاجه، فعزالدين المدني عاشق لتونس ولتاريخ تونس”.

ويُضيف: “أعماله الأدبية والفكرية كانت محور أطروحات جامعية في تونس والسوربون (فرنسا) وبروكسل (بلجيكا) وميلانو (إيطاليا) والمغرب.. كما تمّت ترجمة عدد من أعماله المسرحية والروائية إلى اللغة الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والروسية، إضافة إلى مساهماته في مجموعة من الموسوعات المسرحية من بينها: المعجم الموسوعي الفرنسي، وقاموس المسرح بالهيئة العامة المصرية للكتاب، والمعجم الموسوعي الكندي”.

ويسترسل: “بعد أن نالني شرف التعامل معه في رسائل الحرية وعزيزة عثمانة، ألتقي مع المدني من جديد في العمل المسرحي الضخم “تونس أم البلدان” لتقديم تونس أمّ البلدان وليس أم الدنيا فحسب، باعتبار أنّ النصّ حمّال لأوجه متعدّدة، كأنّنا في زمن معاصر في حالة بناء الدولة”.

ويشدّد خليفة: “العمل سيكون بين الآن وهناك في إطار فنتازيا تاريخية مدروسة بملابس مبتكرة، وباعتماد الكوريغرافيا والاستعراض، إضافة إلى الاعتماد على سينوغرافيا متحرّكة، وعلى الجانب الرقمي في الصورة المشهدية”.

بعيدا عن ثرثرة النص المسرحي

ويتفرّد المؤلّف المسرحي التونسي عزالدين المدني في كتاباته بأن يقف منذ الستينات ضدّ ما يسميه ثرثرة النص المسرحي العربي، وضدّ الكلمة والمعاني الساذجة التي ترد في الكثير من المسرحيات أو الكلمة القاموسية القديمة.. حتى لا يحمل الجمهور قاموسه لفهم هذه الكلمات”.

ولهذا -وفق تعبيره- يجب أن تكون الكلمة مفهومة ومعبّرة، وبالنسبة إليه كثيرا ما يعمد إلى تنقية نصه المسرحي من فائض الأفكار والكلمات حتى يكون نصا متماسكا، وإذا حذفت أو أضيفت كلمة أو جملة يحدث خلل في البناء الدرامي، وهذا ما يسميه شخصيا بحوليات النص المسرحي.

وهذا الحرث -إن صحّ التعبير- هو تنقية النص في كل مرة يدفعه إلى أن يكون ناقدا لنصه حتى يصل إلى تماسكه، فاشتغاله على اللغة يأخذ جانبين، الأول: هو اعتماد الكلمة الدرامية الفنية المؤثرة، والثاني: هو التأويل.. بمعنى أنّ الكلمة الدرامية متعدّدة المستويات والمعاني.

ويُعتبر عزالدين المدني من أهم الكتاب المعاصرين على المستوى المحلي والعربي، حتى أنّ المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون المعروف باسم “بيت الحكمة” رشّحه عام 2019 لنيل جائزة نوبل للآداب.

ترجمت مدوّنته الفكرية إلى عدد كبير من لغات العالم، وتعتبر مسرحياته مرجعا فكريا وتاريخيا منذ ستينات القرن الماضي على غرار “ثورة صاحب الحمار”، و”رأس الغول”، و”ديوان الزنج”، و”مولاي السلطان الحفصي”، و”تعازي فاطمية”، و”الغفران”، و”التربيع والتدوير”، و”رحلة الحلاّج”، و”الله ينصر سيدنا”، وهو الذي تعامل مع العديد من المخرجين من خلال نصوصه، أشهرهم الراحلان علي بن عياد في مسرحية “ثورة صاحب الحمار” والمنصف السويسي في “ديوان الزنج”.