لا عيد فطر في تونس دون “مهبة”.. ما أصلها؟

“مهبة العيد”.. فرحة للصغار وذكريات للكبار

رغم أنّ شهر رمضان يطوي صفحته تاركا عبَقه الخاص وروحه المميزة، إلّا أنّ الأطفال ينتظرون انقضاءه وبداية مراسم الاحتفال بعيد الفطر.

ومن أبرز مظاهر العيد وعناصره الأساسية التي بقيت عالقة بالذاكرة إلى جانب ارتداء أبهى الحلل والملابس والأحذية الجديدة حصول الأطفال على “مهبة العيد”.

و”مهبة العيد”، التي تسمّى في بلدان المشرق “بالعيدية”، هي مبلغ مالي بسيط يختلف من عائلة إلى أخرى حسب وضعها الاجتماعي والمادّي.

وفي صباح العيد وبمجرد الانتهاء من لبس أثوابهم، يسارع الأطفال إلى تقبيل آبائهم وأمهاتهم وتهنئتهم بقدوم العيد بغية الحصول على “المهبة” أو ما تيسّر من النقود التي يضعونها لاحقا في حصالة جمع المال أو يشترون بها لعبا وبعض الحلوى.

ولا تقتصر هذه الهدية على الآباء والأمهات وإنّما تفضي زيارات الأقارب إلى حصول الأطفال على مزيد من “المهبة”.

فتجدهم يسارعون في زيارات أفراد العائلة رفقة عائلاتهم ولا تنتهي الزيارة دون الحصول على ما ستجود به جيوب أقاربهم من “مهبتهم”.

ورغم اختلاف العادات من بلد إلى آخر، إلّا أنّ تونس ظلت محافظة على تقليد “مهبة العيد” وإحيائه حصرا في عيد الفطر، ذلك أنّ عيد الأضحى أو كما يسميه التونسيون “بالعيد الكبير” مخصّص فقط لشراء الأضاحي والتصدّق بما تيسّر من اللحم لفائدة العائلات المعوزة وتربية الناشئة على هذه المبادئ.

أصول “المهبة” عبر التّاريخ

حرص الإسلام على تعزيز تقاليد الفرح والبهجة بمناسبة حلول العيد، ومثّل العطاء والإهداء أبرز أركان العبادات التي تتجسّد في “الزكاة” وبدورها تهدف إلى ترسيخ روح التكافل والتضامن وإدخال البهجة والسعادة إلى قلوب الفقراء والمحتاجين.

وخلال العهود الإسلاميّة الأولى تطوّرت مراسم خاصّة بالأعياد، وبلغت ذروتها مع أوج الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري، وبالتحديد في عصر الدولة الفاطمية، مع استقرار حكم الخلافة الفاطميّة في القاهرة.

وأوْلى الفاطميون اهتماما بمظاهر الاحتفال وإحياء المناسبات الدينية على غرار رمضان والعيد وما يزال منها ماهو راسخ حتّى اليوم بدءا بالفانوس إلى المسحّراتي، ووصولا إلى العيديّة.

وكانت حينها تعرف باسم “بالرسوم” أو “التوسعة” وكان هناك حرص كبير على توزيع النقود والثياب على المواطنين خلال فترة الأعياد.

تراجعت طقوس الاحتفال جزئيا في العهد الأيوبيّ، خاصة مع الانشغال بالحروب الصليبيّة، وتراجعت رعاية الدولة لها، أمّا مع دخول عصر المماليك واستقرار ملكهم ببلاد مصر والشام، فقد عادت الطقوس الاحتفاليّة للازدهار من جديد.

وعرفت العيديّة حينها اسما جديدا “الجامكيّة”، وصارت عبارة عن مبلغ يصرف بأمر مباشر من السلطان كمرتب خاصّ بمناسبة حلول العيد ويمنح لموظفي الدولة من الجند وحتى الأمراء وكبار الموظفين.

و”الجامكيّة” كلمة مشتقة من “الجامة” وهي مفردة تركيّة تعني الثوب واللباس.

وفي العصر العثماني، تحوّلت العيدية إلى ثقافة ولم تكن مرتبطة آنذاك بتوزيع مبالغ ماليّة حصرا وإنما ارتبطت بمختلف أشكال الهدايا، من الطعام، والملابس، وغيرها.

وعلى الرغم من أنها ضاربة في التّاريخ، إلّا أنّ رمزية “المهبة” تبرز خاصة في وقتنا الراهن من خلال تعزيز الروابط الأسرية وترسيخ قيمة صلة الرحم والتضامن المجتمعي عبر التحلّي بخصال العطاء والكرم.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *