“كورتاج” الموت.. موكب التشييع الذي لا يتوقف.. 

كورتاج الموت

رانيا الدريدي

في الليالي التي تتساوى فيها ظلمة البحر بظلمة اليأس، يخرج الشبان من بيوتٍ لم تعد تسع أحلامهم، يحملون أسماءهم في صدورهم ووجوه أمهاتهم في عيونهم، ويمضون نحو الماء كأنهم ذاهبون إلى موعدٍ لا رجعة فيه.

وفي بن قردان، تلك المدينة القصية عن العاصمة بخمسمائة وستين كيلومترا، حيث يعيش تسعون ألف إنسان على إيقاع الحدود والحلم المؤجل، صار للبحر هذه المرة طعمٌ آخر: طعم الملح الممزوج بدمٍ أبنائها…

خرجوا ليلة الـ19  من شهر أوت، خمسة عشر شابا، أربعة عشر من بن قردان وواحد من جرجيس. كلهم دون الخامسة والعشرين، في سنّ الدهشة الأولى، في ذلك العمر الذي يفترض أن تبدأ فيه الحياة بالاتساع، فإذا بها تنطفئ فجأة على بعد أربعة عشر ميلا بحريا من الساحل، حيث تسرّب الماء إلى المركب الخشبي الهشّ، وحيث تفرّق الركاب في عرض البحر  14 شابا ابتلعهم البحر.. وواحد فقط عاد ليحكي.

كان أسامة شواط ذلك الوحيد، ظل يسبح ثماني وأربعين ساعة، بينما رفاقه يتساقطون حوله واحدا تلو الآخر، عائلته الموسعة فقدت سبعة من أبنائها في تلك الليلة،  لم يكن يحمل جسدا منهكا فحسب، بل كان يحمل حكاية كاملة عن إرادة الحياة في مواجهة الموت، لكن أي نجاة تلك التي تترك في الروح ندوبا لا تلتئم؟ لقد نجا من الغرق، لكنه سيظل غارقا في ذكرى من لم ينجُ.

في الأثناء، بدأت الجثث تصل إلى الساحل، لم تعد المأساة مجرد أرقام في بلاغات رسمية، إذ استقبل المستشفى الجهوي بجرجيس ما لا يقل عن 19 جثة، أي أكثر من عدد ركاب القارب المنكوب، في مؤشرٍ يرجح أن بحر تلك الليالي كان يبتلع قوارب “حرقة”  أخرى لا أحد يتحدث عنها. وفي عرض البحر، كانت قوارب البحث تمشط المياه، لا تقودها وحدات رسمية فحسب، بل شباب من المدينة وبحارة تطوعوا للخروج بأنفسهم، يفتشون عن إخوتهم وأبناء عمومتهم وجيرانهم.

هناك، وثّقت كاميرا أحدهم مشهدا تنقطع فيه الأنفاس، حين وقعت عينٌ على جثة تطفو من بعيد ، فعرفها قبل أن تتضح الملامح، كما يعرف الإخوة بعضهم دون حاجة إلى اقتراب .. صرخ في القارب: “ياوخي، خويا، ياوخي”.. انكسر الصوت في عرض البحر، وانتقل عبر الشاشات ليكسر قلوب من لا يعرفون بن قردان ولا يعرفون أخاه.

في المدينة، لم يعد للكلام معنى،  خرج الناس غاضبين يغلقون الطرقات ويرفعون أصواتهم، لأن الصمت في وجه هذا الفقد صار خيانة. لم يطالبوا بالكثير، فقط أرادوا أن يسمع أحدٌ أن أبناءهم لم يموتوا عبثا، لكن الشرطة قابلت الغضب بعنف، كأن المطلوب من المفجوعين أن يبتلعوا دموعهم ويعودوا إلى بيوتهم الصامتة ، تسببت الشرطة في عدد من الإصابات بينها شاب فقد بصره..

 لم يصدر بيان من رئاسة الحكومة، لم يزر الرئيس بن قردان، لم يقدم التعازي، لم يقل لأهلها كلمة واحدة تواسيهم، وكأن المدينة التي تقع على أطراف الوطن لا تنتمي إلى تونس، أو كأن أبناءها حين يموتون في البحر لا يستحقون أن يُذكر اسمهم في خطاب رسمي.

 لو كانت الدولة تحترم نفسها، لكان أقل ما تفعله أن تعلن يوم حداد وطني،  فالأوطان التي تدرك قيمة أبنائها لا تنتظر حتى تكتمل حصيلة الموتى لتتذكرهم، بل تعلن الحداد فور أن يبتلع البحر أول حلم، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

هذا الصمت الرسمي ليس وليد اليوم، فصرخة ذلك الأخ التي وثقها الفيديو، وهو يرى جثة أخيه تطفو على الماء، ليست غريبة عنا. نحن أبناء هذا البلد نعرف هذه المشاهد جيدا، وقد صارت رغم فظاعتها جزءا من ذاكرتنا. تلك الصرخة بالذات أعادتني إلى صورة أخرى، من جرجيس عام 2022: أم جالسة على صندوق حديدي قبالة البحر تتجه بوجهها نحو الأمواج  وتنتظر لعل بحر جرجيس يعيد إليها جثة ابنها الذي ابتلعه مع  17 آخرين في ليلة واحدة، بينهم رضيعة ..راجعت القضية مجددا وتأكدت أن الأم وأهالي الضحايا جميعهم مازالوا ينتظرون على شواطئ جرجيس..

في خريف ذاك العام منذ أربع سنوات، عاش الأهالي الكابوس نفسه، بل أقسى: سلطات تقدم تطمينات مغلوطة نهارا،  تروّج أن المفقودين محتجزون في ليبيا، بينما كان البحر يلفظ جثث أبنائهم على الشواطئ واحدة تلو الأخرى.

وحين بدأت الجثث تصل، اكتشف الأهالي أن السلطات المحلية كانت تدفنها ليلا في مقبرة الغرباء، أرض خصصتها البلدية لمن يلفظهم البحر من المجهولين، حيث تُدفن الأجساد بلا تحليل جيني، وتُطوى الأسماء في ترابٍ بلا شواهد.

رفضت السلطات في البداية إجراء الفحوص الجينية، كأن الحقيقة عبء لا تريد حمله، لكن ضغط الأهالي وصمودهم، أجبرهم على فتح القبور التي حفرت حديثا، ليتأكد ما كان الجميع يخشاه: أربعة من أبناء الجهة دفنوا غرباء، من دون علم عائلاتهم، ومن دون إجراء التحاليل اللازمة.

 تحولت المأساة إلى حراكٍ مدني لا يهدأ، تقوده جمعية البحارة والاتحاد المحلي للشغل وصفحات محلية مؤثرة ومدونون رفضوا أن تتحول الحقيقة إلى مجرد تفصيل عابر في بلاغ رسمي. خرجت مظاهرات حاشدة، ونُظم إضراب عام، ورُفعت نعوش رمزية تلفها الراية الوطنية وإلى الآن ما زال أهالي جرجيس ينتظرون حقيقة لم تكتمل، وعدالة لم تتحقق.

جرجيس بالأمس، وبن قردان اليوم، ومدن أخرى ستأتي غدا، كلها تدفع للبحر الضريبة نفسها، ولا شيء يوقف النزيف، لا الجثث التي يلفظها البحر، ولا صرخات الأمهات، ولا موت الإخوة أمام الأعين، ستمنع شابا يرى في البحر خلاصه الوحيد من بلد لم يعد يتسع له.

في أقل من أربع وعشرين ساعة على غرق مركب بن قردان، كان مركب هجرة سرية آخر يغادر سواحل جرجيس، يحمل شبابا وفتيات وعائلات كاملة .. نشر  أحد المشاركين في الحرقة الفيديو وكتب: “وصلنا إيطاليا لا باس”، كلماته على بساطتها وكأنها تحمل فرح من نجا بجلده وفر من جحيم ..

هذا الفيديو ليس مجرد توثيق عابر، بل هو وجه من وجوه زمن جديد، صار فيه من يركبون البحر يخرجون إلى العلن بوجوههم وأسمائهم، يحتفلون بما يعتبرونه خلاصا، ويتعاملون مع الرحلة كأنها حق لا يحتاج إلى تبرير. في هذا السلوك ما يشي بأن العلاقة مع الهجرة  قد تغيرت: ما كان بالأمس سرا يُحاط بالحذر، صار اليوم يُروى ويُعرض دون مواربة.

وحدها هذه الجرأة في كشف الهوية، ونشر تفاصيل الرحلة للعلن، تكفي لإسقاط التفسير الجاهز الذي يربط الهجرة غير النظامية بالفقر والجوع فحسب.

فتكاليف “الحرقة” ليست رخصية قد تصل إلى أكثر من 5 آلاف دولار للشخص الواحد، والجائع لا يملك ثمن الرحلة، أما هؤلاء فيملكون، لكنهم لا يملكون ما هو أهم: أفقا يمنح حياتهم معنى. حين يصل الشاب إلى قناعة أن لا مستقبل له في هذه البلاد، تصبح مغامرة الموت أرحم من البقاء، ويصبح جحيم دول الشمال أفضل في نظره من جحيم الوطن الذي لا يراه أصلا..

ومع كل هذا، يبقى الجانب الأقسى مخفيا في موقف الدولة نفسها التي لا تتردد في تأكيد ما يشعر به الشباب التونسي اليوم أن لا أمل ينتظرهم هنا .. عبء وها قد تخلصت منه بصمت، لذلك لم يعلن قيس سعيد حدادا، ولم يقدم تعزية، ولم يكلف نفسه حتى بكلمة يواسي بها أمهاتهم..

هذا التجاهل ليس عابرا بل هو حصيلة سبع سنوات من الحكم ، خمس منها انفرد بالقرار وحده،  والنتيجة.. فشل متراكم وعبث متواصل، تحول فيه الشباب من ثروة البلاد إلى حمولة زائدة يُلقى بها في البحر…

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *