محمد بشير ساسي
منذ خروجه إلى العلن فكرةً تأسيسيّةً على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2006 بنيويورك، ثم عقد أولى اجتماعاته في جوان 2009 بمدينة يكاترينبورغ في روسيا، قبل انضمام جنوب إفريقيا رسميّا في القمة الثالثة في أفريل 2011 بالصين، نادرا ما تابع الغرب “تكتّل بريكس” بهذا القدر من اليقظة والاهتمام مثل قمّته الخامسة عشرة في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا تحت شعار “بريكس وإفريقيا”.
أهم الأخبار الآن:
حقبة جديدة
فالمجموعة الاقتصادية التي تضم 5 دول وهي روسيا، الصين، الهند، البرازيل جنوب إفريقيا، لم تعد كما كان يراها الغرب مجرّد جزء من العولمة تُختزل في سلاسل التوريد، ومكان للشركات متعدّدة الجنسيات التي تُستخدم لتصنيع منتجاته بتكلفة منخفضة، بل فرضت نفسها بقوة اليوم، كأحد أهم التكتّلات الاقتصادية في العالم القادرة على منافسة “مجموعة السبع” وكسر هيمنة الغرب وإنهاء نظام القطب الواحد الذي تتزعّمه الولايات المتحدة الأمريكية.
ومثّلت الحرب الروسية على أوكرانيا وما رافقها من إعادة تشكيل نظام عالمي جديد، حدثا مخفّزا لتوسيع عضوية المجموعة، خاصة في ظلّ الاتّجاه نحو تكتّلات جيوسياسية واقتصادية جديدة، وأيضا بحث موسكو عن شركاء داعمين لها في وجه العقوبات الاقتصادية الغربية.
ثم أتت قمة جوهانسبرغ الأخيرة لتدشّن حقبة جديدة في “بريكس” بعد دعوة كلّ من الأرجنتين، مصر، إثيوبيا، إيران، السعودية والإمارات، لتصبح دولا كاملة العضوية في المجموعة بداية من الأول من جانفي 2024.
هنا تطرح عديد الأسئلة نفسها؛ ما الرسائل التي أوصلتها القمة الخامسة عشرة لـ”تكتّل بريكس” بعد توسيع عضويته؟
هل سيكون المنتظم صاحب هوية اقتصادية جديدة بديلة للهوية الرأسمالية وللتجربة الأمريكية والغربية، بما أفرزته من مشكلات كبيرة لباقي اقتصاديات العالم، وتحيّز المؤسّسات المالية الدولية؟
أم أن أكبر ما تسعى إليه “المجموعة الاقتصادية “، هو أن تستمر على الهوية الرأسمالية، ولكن من خلال عولمة جديدة تتّسم بالعدالة، ويحظى فيها الجميع بحظوظ أفضل من حيث عوائد النشاط الاقتصادي العالمي؟
أهداف “بريكس”
في اجتماع وزراء خارجية المجموعة الأخير في كيب تاون بجنوب إفريقيا في الثاني من جوان 2023 تمهيدا لقمة أوت 2023، لخّص وزير الخارجية الهندي “سوبرامانيام جايشانكار” أهداف المجموعة بقوله:
رغم أنّ الغايات الاقتصادية والتنموية تغلب على أهداف “تجمّع بريكس”، فإنّ ذلك لا يخفي تطلّعات سياسية تتعلّق بمحاولة تحقيق عالم متعدّد الأقطاب، ويبرز ذلك في تصريحات بعض زعماء دول المجموعة، خصوصا الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا اليساري المناهض للعولمة، بالإضافة إلى المسؤولين الروس. ويمكن تلخيص أهداف المجموعة كالآتي:
– تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام من خلال مكافحة الفقر وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي وتحسين نوعية النمو.
– تعزيز التنمية الاقتصادية المبتكرة والقائمة على التكنولوجيا المتقدّمة.
– زيادة المشاركة والتعاون مع البلدان غير الأعضاء في المجموعة.
– تعزيز الأمن والسلام لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.
– إصلاح المؤسّسات المالية الدولية لتمثيل أفضل للاقتصادات الناشئة والنامية.
– تعزيز التجارة الدولية وبيئة الاستثمار بين دول المجموعة.
– الحفاظ على استقرار النظم التجارية متعدّدة الأطراف بالتعاون مع المجتمع الدولي.
– تقديم المساعدة المالية للدول الأعضاء وغير الأعضاء.
– تحقيق التنمية والتعاون ودعم المشاريع والبنية التحتية لدول المجموعة.
– تحقيق التكامل الاقتصادي للدول الأعضاء.
– تحقيق التوازن الدولي والخروج من سيطرة الغرب الاقتصادية.
– دعم السلام وتحقيق التنمية في العالم.
– تعديل قواعد العولمة لتستفيد منها كل دول العالم.
– تفعيل العملات المحلية وتبادلها بين دول المجموعة.
– العمل على إنشاء سوق مشتركة للتجارة الحرة وعملة موحّدة.
– البحث عن فرص استثمار وتطوير آفاق اقتصادية وشراكات جديدة.
– محاولة الخروج من اشتراطات صندوق النقد الدولي المجحفة.
– مواجهة الأزمات العالمية وتنويع الشراكات.
عوامل القوة
وفي إطار تحليل مضمون لكلمات القادة خلال قمة جوهانسبورغ، هناك إجماع حول أنّ توسيع “بريكس” سيعزّز المجموعة، ويعطي زخمًا للعمل المشترك من أجل إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد، وعلى الغرب أن يدرك أخيرا أنّ الجنوب قد تغيّر كثيرا وأنّ دوله أصبحت الآن قادرة على تحرير نفسها من الشمال ومن نظام تأسّس منذ نحو 80 عاما وقد ينهار مستقبلا.
ووسط الشكوك والهواجس التي خلّفتها الأزمات الدولية القديمة والطارئة في المنظومة الدولية القائمة، ازداد الوعي لدى دول الجنوب بأهمية تعميق تعاونها بشكل يتوافق مع مشاغلها وأولوياتها، مثل مكافحة الفقر والجوع والمرض والأوبئة والبطالة والركود الاقتصادي وتأثير التغيّر المناخي ضمن هيكل عالمي أكثر إنصافا وشفافية وشمولية.
وفي الواقع اكتسبت بلدان الجنوب زخما في كلّ مكان، بحيث يمثّل ناتجها المحلي الإجمالي المشترك الآن حوالي 40% من الناتج المحلّي الإجمالي العالمي، وتلك قوة آن الأوان للاعتراف بها، بدل اختزالها في النظرة القديمة التي لا ترى فيها سوى قوى لتزويد الاقتصاد العالمي بما يحتاجه.
أما الحقيقة الواضحة الآن هي أنّ مجموعة بريكس بشكلها الحالي تتمتّع بعوامل قوة كثيرة، مثّلت عاملا جاذبا لدول الجنوب والدول النامية، فدول بريكس المؤسسة لا تنتمي إلى “دائرة الحضارة الغربية المهيمنة”، بل تشكّل مزيجا من حضارات مختلفة وضاربة في التاريخ، ولديها عوامل مستقبل واعد يمكن اختصاره في ما يلي:
– تضمّ بريكس بشكلها الحالي نحو 42% من سكان العالم، وقد تتجاوز 50% مستقبلا بانضمام دول أخرى ذات ثقل سكاني مثل إندونيسيا، مصر، نيجيريا، إثيوبيا، إيران، والأرجنتين.
– تبلغ مساحة دول المجموعة حاليا نحو 40 مليون كيلومتر مربع، أي نحو 27% من إجمالي مساحة العالم.
– تستحوذ دول المجموعة على نحو 31.5% من الناتج الإجمالي العالمي -حسب تقديرات عام 2023- مقابل 30.7% لمجموعة السبع ومن المُتوقَّع أن تصل هذه النسبة إلى 33% بحلول عام 2025، حسب بيانات نشرتها مؤسّسة “أكورن ماكرو” للأبحاث الاقتصادية ومقرّها المملكة المتّحدة.
– وفق بيانات صندوق النقد الدولي فإنّ حجم الناتج المحلّي الإجمالي لدول بريكس، بناءً على تعادل القوة الشرائية يبلغ 44.1 تريليون دولار، في حين يبلغ حجم اقتصادات دول مجموعة السبع الكبرى 40.7 تريليون.
– يقدّر إجمالي الاحتياطي النقدي الأجنبي المشترك للمجموعة بشكلها الحالي، بنحو 4 تريليون دولار.
– تسهم دول المجموعة بنحو 23% من الاقتصاد العالمي.
– تشكّل المجموعة نحو 18% من تجارة السّلع العالمية، و25% من الاستثمار الأجنبي.
– تنتج دول المجموعة نحو 30% مما يحتاجه العالم من السّلع والمنتجات.
– تتحكّم مجموعة بريكس في 50% من احتياطي الذهب والعملات. اقتصادات دول بريكس مكمّلة لبعضها (الغاز والنفط والمعادن والتكنولوجيا والكفاءات البشرية والثروات الزراعية والإمكانات العسكرية).
– تنتج المجموعة ما يقارب 40.2% من مصادر الطاقة العالمية، وستتعزّز بانضمام دول أخرى منتجة للغاز والنفط كالسعودية والإمارات وإيران والجزائر وفنزويلا.
– تمتلك المجموعة بنكا للتنمية وصندوق احتياطات نقدية مغرية للدول النامية التي تحتاج مساعدات وقروضا.
– يشكّل وجود الصين وروسيا ضمن المجموعة عنصر جذب، حيث أصبحت الصين قطبا دوليا على الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، في حين تمثّل روسيا قوة عسكرية ومصدرا أساسيا للسلاح.
مواطن الضعف
رغم أنّ مجموعة بريكس تمتلك عوامل قوة وعناصر جذب لا يستهان بها، فإنّها لا تخلو من نقاط ضعف قد تؤثّر في سير عملها وتوجّهاتها، خصوصا إذا كان الهدف منافسة المنظومة الغربية الراسخة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا والتي تسيّر العالم منذ عقود. ويمكن اختزال مواطن الضعف تلك في ما يلي:
– اختلاف طبيعة الأنظمة السياسية بين دول المجموعة وتوجّهاتها الاقتصادية.
– عدم وجود أمانة عامة أو مؤسسات وهياكل راسخة وثابتة للمجموعة على عكس الاتحاد الأوروبي مثلا.
– اختلاف التصوّرات حول القضايا الاقتصادية والتجارية والتمويل بين الدول المؤسِّسة للمجموعة.
– التنافس الاقتصادي والتجاري الحاصل بين بعض دول المجموعة خصوصا بين الهند والصين.
– التخوّف من هيمنة الصين على هذا التكتّل الدولي ومن سياسات الإغراق وغياب التنسيق في الأسواق.
– الخلافات السياسية والحدودية والتوتّرات بين الدول المؤسِّسة، خصوصا بين الصين والهند.
– تداخل أنظمة اقتصادية عدة ذات أحجام متفاوتة وأسعار عملات متفاوتة في نظام اقتصادي واحد.
– غياب الرابط الثقافي واختلاف الحضارات رغم عراقتها.
– التباين في القوة الاقتصادية والتنموية، فالصين تمثّل وحدها 69% من إجمالي الناتج المحلي لبريكس، وهو أكثر من ضعف حجم جميع أعضاء “بريكس” الآخرين مجتمعين.
– غياب الرابط الجغرافي، إذ تنتمي دول المجموعة إلى 4 قارات ولا تجمع بينها روابط سياسية حتى الآن.
– الصراعات الداخلية في بعض البلدان والأزمات الحادة في أخرى وعدم ثبات أنظمتها.
– الصراع مع الولايات المتّحدة (خاصة روسيا والصين)، مما قد يحوّل الأمر إلى حرب باردة جديدة.
– علاقة بعض دول البريكس الوطيدة مع الولايات المتّحدة مثل الهند، وهي عضو في التحالف الرباعي الذي يضم أيضا الولايات المتّحدة واليابان وأستراليا.
– التخوّف من إمكانية أن تصبح المجموعة ملاذا لدول فاشلة اقتصاديا وسياسيا بما يشكّل عبئا عليها.
– قبول الدول ذات الاقتصادات الأضعف قد يوهن العلاقات التي تحاول البلدان بناءها داخل الكتلة.
– تحفّظ الهند على انضمام دول جديدة ومطالبتها بتحديد معايير وشروط واضحة.
– تخوّف الدول الضعيفة اقتصاديا من أن تكون مجرد سوق لسلع الدول المهيمنة ومنتجاتها.
– التنافس بين الصين والهند إلى اعتماد عملتيهما المحليتين أداةً للتبادل التجاري داخل المجموعة.
وانطلاقا من هذه الخلافات والتناقضات ومواطن الضعف، يقلّل البعض من أهمية تكتّل بريكس، خاصة أمام خطة اعتماد عملة موحّدة في التجارة البينية والدولية ضمن محاولات معلنة أو خفية لتفكيك واحد من أهم أدوات هيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية.
في المقابل يرى محلّلون ومتابعون أنّ قمة جوهانسبرغ لديها القدرة على “صنع التاريخ”، تبعا للقدرات الاقتصادية والديموغرافية والطبيعية الهائلة التي تملكها، ومن التحوّل الواضح في موازين القوى العالمية، التي عبّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بقوله: “انتهت فترة ما بعد الحرب الباردة. يجري الانتقال إلى نظام عالمي جديد”.


أضف تعليقا