“انتصرت الحقيقة بعد عقد من التضليل”، هكذا وصفت حركة النهضة الأحكام القضائية الاستئنافية، التي صدرتها هيئة المحكمة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد.
الأحكام الصادرة عن الدائرة الجنائية لقضايا الإرهاب، شملت 23 متهما، وترواحت ما بين الإعدام في حق متهمين اثنين، وعقوبات سجنية متباينة المدة في حق آخرين، لم تتضمن أيّ إدانة في حق أي قيادات النهضة، أو عناصرها، على الرغم من الاتهامات المستمرة التي لاحقتهم بالوقوف وراء جريمة الاغتيال، خصوصا، من قبل هيئة الدفاع وعائلة الشهيد بلعيد.
الحكم لم يكن مجرّد تفصيل قانوني، بقدر ما شكّل لحظة فاصلة في مسار “الحقيقة انتصارا للشهيد شكري بلعيد”، بعد أن تحولت القضية على مدار سنوات من ملفّ جنائي إلى محور استقطاب سياسي وإعلامي.
وكان طبيعيا أن تبادر النهضة إلى التعليق على القرار القضائي، والذي اعتبرته “إنصافا لها”، بعد أكثر من “10 سنوات من حملات التحريض والتشويه والاستثمار في الدم، سُخّرت فيها آلة إعلامية وسياسية ضخمة لتضليل الرأي العام وتغذية الكراهية ضدّ حركة النهضة، لا لشيء إلاّ لأنها كانت القوّة الأبرز في حماية المسار الديمقراطي الذي انبثق من ثورة الحرية والكرامة” ، حسب ما جاء في البيان الذي نشرته على صفحتها الرسمية بفيسبوك.
من ملف جنائي إلى قضية سياسية
منذ صباح السادس من فيفري 2013، توجهت أصابع الاتهام في سياقيها السياسي والجنائي، إلى النهضة، في خضم صراع سياسي متصاعد، كانت تشهده الساحة الداخلية في تونس.
تحول النقاش حول الجريمة من الإطار الجنائي، واتخذ بعدا سياسيا وإيديولوجيا، بعد أن ربطت عديد الأطراف السياسية، الاغتيال بالحركة استنادا إلى قراءات سياسية، دون معطيات قضائية ثابتة.
أسهمت هيئة الدفاع عن الشهيد بلعيد في ترسيخ هذه الفرضية، عبر توجيه اتهامات بـ”توفير الغطاء السياسي للقتلة، والتحريض ضد الشهيد بلعيد”، فضلا عن الحديث عن “صلات مفترضة” بين المتهمين من عناصر التيار التكفيري، وناشطين بالنهضة.
مع مرور الوقت، اتسعت رقعة الجدل، وتحوّل الملف إلى ركن رئيسي ضمن “ماكينة” الصراع السياسي والانتخابي، حيث استُخدم الاتهام بالتورط في دم الشهيد بلعيد، خطابا من الخصوم السياسيين لمهاجمة النهضة، في ظل حالة الاستقطاب الحاد الذي ميّزت الحياة السياسية في تلك الحقبة.
على امتداد أكثر من 10 سنوات، ظلّت قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد حاضرة في الخطاب العام، تُستحضر في كل محطة سياسية أو انتخابية، وليس من قبيل إفشاء الأسرار القول أن سردية ارتباط النهضة بالجريمة استثمرت سياسيا وانتخابيا من كل التيارات الحزبية على اختلاف توجهاتها الفكرية، سواء من قوى اليسار، أو اليمين، على غرار حزب “نداء تونس” بقيادة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، والذي دخل للمفارقة عقب انتخابات 2014، في تجربة تعايش وشراكة مع النهضة، بعد صراع سياسي شهد توظيف قضية بلعيد، في أكثر من مناسبة.
وهكذا، بعد سنوات من البحث والتحقيق، والمحاكمات في الطورين الابتدائي والاستئنافي، لم يثبت تورط أيّ طرف من حركة النهضة في الجريمة، ما يعني انتفاء الفرضيات التي سادت لسنوات بهذا الشأن.
الدروس المستفادة
الحكم الصادر يكرّس جملة من الاستنتاجات والخلاصات والدروس المستفادة، خاصة بالنسبة إلى النخب السياسية، والتي باتت مطالبة ضمن نقدها الذاتي، بالاعتراف بفشلها في إدارة الخلاف والصراع السياسي، ضمن الأطر الديمقراطية.
تداعيات قضية اغتيال الشهيد بلعيد، انعكست على المشهد السياسي، وتجربة الانتقال الديمقراطي الوليدة في تونس، خاصة مع استمرار المسار التحقيقي والقضائي عدة سنوات، وتحوله إلى محور للتوظيف الإعلامي والمناكفات والضغوط السياسية.
بيان النهضة الذي علق على الحكم الاستئنافي في القضية، أشار بشكل ضمني إلى هذه الجانب، بالقول إن تضليل الرأي العام في قضية الشهيد بلعيد، كان “جزءا من مشروع أوسع لتعويق الانتقال الديمقراطي، وتصفية الثورة كمنجز تاريخي للشعب التونسي، ناضلت من أجله أجيال من المناضلين والقوى الوطنية الحيّة”.
الحكم الاستئنافي في القضية يعد أكثر من مجرد “إعلان براءة سياسية”، وفق مراقبيين، إذ يكرس إعادة اعتبار للعدالة، والتمييز بين الوقائع المثبتة والتأويلات.
بعد عقد من الجدل محوره “الحقيقة من أجل شكري”، يفتح هذا الحكم بابا جديدا لتدوين الذاكرة السياسية، لعله يسهم في إعادة توحيد التونسيين حول قيم الثورة والديمقراطية والعدالة.


أضف تعليقا