أهم الأخبار الآن:
تهتم نظريات التحديث بتأصيل المفهوم ورصد تمظهراته التاريخية والمجتمعية باعتباره إحدى أهم ديناميكيات التقدم. ولعل الأهمية التي يوليها عزمي بشارة لهذه الظاهرة تنبع من كون علاقتها بالانتقال الديمقراطي وثيقة الترابط بقدر ما هي إشكالية، وهو إذ يحرص على استكشاف هذا الاشتباك، يقدّم بعض مقاربات التحديث من زاوية منظرّيها وينتقدها، بوصفها مدخلاً ضرورياً يفسر معضلات الانتقال الديمقراطي والالتباسات المتعلقة بشروطه.
تُشكّل نظريات التحديث الركيزة الأساسية للبحث والنقد في دراسات الانتقال الديمقراطي، إذ تُعنى بتحديد الشروط البنيوية لنشأة الديمقراطية واستمرارها، كما تهتم بالتمييز بين سمات المجتمعين التقليدي والحديث. وتعود جذور هذا التمييز إلى علم السياسة الأمريكي الذي يستند جوهرياً إلى علم الاجتماع، لاسيما أن علم الاجتماع الكلاسيكي تمحور أصلاً حول نظريات التحديث والحداثة، وتشكّل سياقه لتفسير التحول الأوروبي نحو الحداثة بأبعادها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ورصد أثرها في بنيتي المجتمع والدولة.
وفي هذا السياق، يُستخدم “التحديث” كمصطلح شمولي يعبّر عن الانتقال من اقتصاد الكفاية (الإنتاج الذاتي) إلى الاقتصاد التبادلي السلعي، وما يرافقه من تنويعٍ للحاجات وتطويرها. كما ينطوي “التحديث” على ثورة علمية وإدارية وصناعية، ويُعلي من مكانة العقل ومعياريّته في الفكر والمعرفة. ويمتد المفهوم ليشمل انتشار التعليم، ونشأة الدولة الوطنية القائمة على أجهزة بيروقراطية تقودها الكفاءة لا الامتيازات الموروثة، وصولاً إلى إعادة تشكيل مفهوم الفرد والهوية ضمن دوائر انتماء أوسع تتجاوز النطاق المحلي.
وعلى الرغم من أن ”التحديث” مصطلح غير معياري، إلا أن دلالاته المعرفية مثل (التصنيع، والعلمنة، والبيروقراطية، والعقلنة) تشير ضمنياً بحسب عزمي بشارة إلى مفهوم ”مجتمع التقدم” في مقابل المجتمع التقليدي. وهذا التمايز بين النمطين يشي بوجود حكم معياري كامن في المصطلح، وإن لم يقر به الحداثيون علانية.
لقد نشطت دراسات التحديث تاريخياً، داخل المؤسسات الأكاديمية الأمريكية في ستينيات القرن العشرين برعاية حكومية، إذ شجع ”مجلس بحوث العلوم الاجتماعية” في الولايات المتحدة هذه الدراسات، وموّل “لجنة السياسة المقارنة”لإصدار سلسلة مؤلفات نشرتها جامعة “برنستون” تناولت قضايا الإعلام، والبيروقراطية، والتعليم، والثقافة السياسية، والأحزاب، وأزمات التحديث في العالم الثالث. وقد أوْلَت الحكومة والأوساط الأكاديمية الأمريكية اهتماماً بالغاً بواقع هذه القضايا في دول العالم الثالث، بغية تعزيز استقرارها وتنميتها، وصرفها عن الالتجاء إلى الاتحاد السوفيتي. ويمثل هذا السياق – وفقاً لـ (ألفين سو)- الحاضنة الأساسية لنشأة دراسات التحديث في علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
أما دانيال ليرنر، رائد تطبيق مفاهيم التحديث على العالم العربي وإيران وتركيا، فيرى أن مكونات عملية التحديث التي تشكلت تاريخياً في الغرب تمثل صيرورة عالمية حتمية الانتشار. وتبدأ هذه الصيرورة من “التمدين” الذي يرفع بدوره معدلات التعليم، مما يؤدي إلى زيادة استخدام وسائل الاتصال، وينتج عن ذلك بالضرورة ارتفاع دخل الفرد وتعزيز المشاركة السياسية. ووفقاً لــليرنر، فإن هذا النموذج الغربي سيتكرر عالمياً دون أن تعوق انتشاره فوارق الجنس أو اللون أو العقيدة؛ ولذا، فإن خبراء ومفكري العالم الثالث -والعالم العربي تحديداً- سيجدون في دراسة التجربة الغربية دليلاً غنياً يفيدهم في صياغة تجاربهم الوطنية.
ولا يهتم ليرنر بالتمايز بين التحديث الغربي في سياق التجربة التاريخية التي اتسمت بمراكز اقتصادية متطورة ومنظومة استعمارية فاعلة، وبين التحديث التدريجي في العالم الثالث الذي يواجه عقبات جمّة تعيق هذا الانتقال. ويخلص ليرنر إلى أن المكوّن الأساسي للحداثة يكمن في نشوء “الشخصية المتنقلة“ (Mobile Personality)، إذ يُـــعدّ تنقل الإنسان باختياره للتعلم والعمل والإقامة متطلباً رئيسياً للعيش في المدينة. ففي البيئة الحضرية، يتشكل لدى الفرد شعورٌ بحرية الحركة والعيش في أماكن مختلفة، وينتج عن هذا الحراك الاجتماعي (Social Mobility) روابط جديدة بين أفرادٍ لم تكن تجمعهم معرفة سابقة، لتأتي المؤسسات التعليمية والاقتصادية بدورها لترسيخ هذه الروابط وتنميتها. فالإنسان ضمن هذه الشبـكة من العلاقات الجديدة، يعيد تشكيل سلوكه ووعيه بمحيطه وهويّته، ويقوم بتوسيع هويته خارج نطاق الجماعة المحلية أو العائلة وهي حالة يسميها ليرنر “التقمص العاطفي” (Empathy)، حيث يُسقِط صفاته الفردية على الآخرين ويتبنى منهم ما يراه إيجابياً.
بناءً على ذلك، يعني التحديث في ظل هذا النسيج الاجتماعي أن قيمة الإنسان تُحدَّد بما يمكن أن يكون عليه مستقبلاً لا بما هي عليه أصوله، وأن ملامح شخصيته تتشكل من خلال الكفاءات التي يكتسبها. فالخيارات العقلانية القائمة على الكفاءة هي الوجه الحديث للمؤسسات في المدينة العصرية، وهي ذاتها القاعدة النفسية التي تُحوّل الإنسان إلى مستهلك في السوق، ومستمع لوسائل الإعلام، وناخب في المستقبل، وكل ذلك يرتكز على ما يسميه ليرنر بـ “القدرة العالية على التقمص العاطفي” لدى الإنسان الحديث.
لكن بشارة، يعترض على تمييز ليرنر بين التمدين الحديث والنزوح التقليدي ويرى أنّه “تمييز ضعيف”، لأن الوافدين إلى المدن في الشرق الأوسط لم يمارسوا، في الواقع، “حرية التنقل الحديثة” بدافع الرفاهية، بل الكثير منهم كان دافعه الهروب من الجوع والفقر والأوبئة (لاجئون داخليون). كما يرى بشارة خلافا لــليرنر، أن التضخم السكاني في مدن الشرق الأوسط في الخمسينيات خلق فئات “طافية على سطح المدينة” بلا تعليم أو أجور أو مساهمة في الدورة الاقتصادية، وبالتالي فإن هذا التضخم لم يتحوّل إلى رافعة للتحديث كما ادعت النظرية.
صمم ليرنر في بحثه الكمي مصفوفة معلوماتية لقياس التمدين استناداً إلى مؤشرات جوهرية، يأتي في طليعتها: التعليم بمختلف وسائطه، ووسائل الاتصال، والنمو الصناعي. واعتبر ليرنر هذه المؤشرات مراحل ووسائل أساسية مترابطة، تُفضي كل مرحلة منها حتمياً إلى المرحلة التي تليها، بمعزل عن ثقافة المجتمع، وعقائده الدينية، وتنوع تطلعات أفراده، وذلك وصولاً إلى تشكيل “المجتمع المشارك” (Participant Society). وتتوالى في هذا النموذج وسائط أخرى تباعاً، كالمشاركة في التصويت والتفاعل الإعلامي. ويرى ليرنر أن معدلات التمدين ترتفع طردياً مع انتشار التعليم. ورغم أن توزيع أجهزة الراديو مجاناً قد يخدم البروباغندا الحكومية، إلا أنه يساهم في الوقت ذاته في تطوير فئات اجتماعية واسعة تُـقبل لاحقاً على اقتناء الراديو بوصفه رمزاً من رموز الحداثة. وتأسيساً على ذلك، يخلص ليرنر إلى أن التمدين الحقيقي لا يعني مجرد تكدس السكان في المراكز الحضرية دون ارتياد المدارس، أو دون الحصول على أجور تُمكّنهم من المساهمة في الدورة الاقتصادية عبر الاستهلاك وشراء منتجات المدينة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)-عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي واشكالياته، دراسة نظريّة وتطبيقيّة مقارنة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، 2020.


أضف تعليقا