أياما قليلة قبل عيد الأضحى المبارك، تحولت محلات الجزارين والقصابين بالعاصمة تونس، وعدد من الولايات الأخرى، إلى ما يشبه “بورصات للحوم”، تخيّم عليها المضاربة والسمسرة والاحتكار، في ظل اضطرار مئات الأسر إلى عدم اقتناء أضحية، والاستعاضة عنها بكمية من اللحم.
ممارسات تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ومحدودية الإمكانيات المالية التي تدفع أطيافا متعددة من التونسيين، إلى اقتناء بعض الكيلوغرامات من اللحوم الحمراء، كل حسب مقدرته.
وقبل يومين من العيد، بلغت هذه الممارسات ذروتها، إذ شهد سعر الكلغ من لحم الضأن شططا غير مبرر، وارتفاعا تجاوز كل الحدود، ما يعكس حالة من “النهم” والجشع من قبل قطاع واسع من الجزارين، واستغلالهم المناسبة، لتحقيق المزيد من الأرباح، على حساب جيب المواطن المرهق والمستنزف أصلا.
فنتيجة الغلاء الفاحش لأسعار الخراف، والتي تتراوح في أغلب نقاط البيع، بين 1500 إلى 2200 دينار، اختار قطاع واسع من العائلات انتهاج “القطيعة القسرية” مع أضحية العيد.
خيار يبدو ظاهريا “أقل الشرور وأخف الضرر”، على المقدرة الشرائية للمواطنين، لكنهم كانوا في حقيقة الأمر كمثل “المستجير من الرمضاء بالنار”.
فمنذ نهاية الأسبوع الماضي، ومع بداية الأسبوع الحالي، الذي تزامن مع تسلّم أغلب الموظفين والعمال لمرتباتهم الشهرية، ضجت محلات الجزارين وواجهاتهم، بتعريفات “فلكية” وسياحية للحم الضأن.
وهكذا، فوجئ مئات المواطنين ممن اختاروا اقتناء اللحم المذبوح، لإدخال الفرح على أطفالهم وعائلاتهم، وحفاظا على ما تبقى من أجواء العيد وتقاليده وبهجته، وجدوا أنفسهم أمام حتمية القبول بالأسعار المفروضة من جانب القصابين، فبات حالهم مقياسا للمثال التونسي “كول وإلا طير قرنك”.
كسر حاجز 100 دينار
وفق المعطيات التي رصدتها بوابة تونس، من خلال جولة ميدانية وكذلك عبر “مصادر موثوقة” ببعض مناطق بالعاصمة وإقليم تونس الكبرى، فقد سجلت أسعار لحم الضأن “انفلاتا” غير مسبوق لامس سقف 100 دينار أو تجاوزه في الأحيان.
ونقلت المصادر أن سعر كلغ اللحم في منطقة الزهراء، بالضواحي الشمالية للعاصمة، تراوح سعره يوم الاثنين، ما بين 100 و110 دنانير للكلغ، مع ترجيحات أن يبلغ 120 دينارا الثلاثاء، وسط ارتفاع الطلب على اللحم.
وفي تصريح لبوابة تونس، أفاد “نور الدين” أن ثمن الكلغ تجاوز حاجز الـ70 إلى 75 دينارا بمنطقة منوبة، فضلا عن المناطق المجاورة لها، مثل واد الليل، والتي ارتفع فيها السعر لدى بعض القصابين إلى 80 دينارا.
ووصف المتحدث، هذا الارتفاع المشط للأسعار بغير المقبول، ولا يراعي إمكانيات عموم المواطنين، وخصوصا الفئات محدودة الدخل.
كما أرجع نور الدين هذه المستويات من الأسعار، إلى المضاربة التي يمارسها عدد كبير من القصابين، في ظل غياب تسعيرة رسمية.
سياسة “الحجز المسبق”
وفضلا عن السعر المجحف، تمارس محلات الجزارة شكلا من الاحتكار، عبر ما يعرف بـ”الحجز المسبق”، حيث يطلبون من الحرفاء تسجيل أسمائهم قبل يوم أو اثنين، والكمية التي يرغبون في اقتنائها من اللحم، خاصة في اليوم الذي يسبق العيد.
وأشار المتحدث في هذا الإطار، إلى أن هذه الممارسة منتشرة بين القصابين خلال موسم عيد الأضحى، والذين يتعللون بمحدودية الكميات المتوفرة للبيع، وارتفاع الطلب.
لكن عملية الحجز المسبق تشكل في حقيقة الأمر “فخا مقنعا”، إذ يستغل الكثير من القصابين -وفق ما تنقله شهادات ومصادر لبوابة تونس- الفرصة لرفع الأسعار، ما يجعل الحرفاء الذين قاموا بالحجز، أمام حتمية الشراء بالثمن المفروض عليهم، خاصة مع ضيق الوقت، والزحام الشديد على المحلات.
مضاربون يفرضون “الأمر الواقع”
وفي حديث لبوابة تونس، يقرّ رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي بهذه “الممارسات الاحتكارية الموسمية”، مضيفا أن وزارة التجارة لا تستطيع تحرير مخالفات في الغرض، بالنظر إلى أن أسعار اللحم حرة.
وبيّن لطفي الرياحي أن الظاهرة ترتبط باستغلال المواسم الاستهلاكية والدينية، من قبل الوسطاء والسماسرة، وتوظيفها بأكثر شراسة لرفع الأسعار.
ولفت الرياحي إلى أن المبدأ الأساسي هو التسعير، ولذلك “طالما أن اللحوم الحمراء غير مسعّرة، فإن المضارب هو سيد الموقف”.
وتابع: “عون الرقابة الاقتصادية، لا يستطيع أن يخالف القصاب الذي يبيع منتوجا حرا، بأسعار مرتفعة”.
وأكد الرياحي أن المضاربين سواء كانوا في سوق الأضاحي، أو محلات القصابين، يمارسون السلوك نفسه، عبر استغلال وضع معيّن، وتعمد رفع الثمن بطريقة غير واقعية، وعقلانية، بتعلة أن الأسعار حرة.
وشدد على أن الأسعار المعتمدة من قبل الجزارين في الأيام الأخيرة، لا تقارن بهوامش الأرباح الطبيعية، ما يجعل هذه الممارسات بمثابة “فرض أمر واقع”.
وإجابة عن سؤال بوابة تونس، بشأن إمكانية تدخل الدولة، لضبط سعر مرجعي للحوم الحمراء، بما يساهم في ضبط الأسعار والحد من انفلاتها، لفت لطفي الرياحي إلى أن مثل هذا القرار لا بد أن يصدر عن وزير التجارة، لتحديد السعر الأقصى للبيع، مضيفا أنه طالما لم يقع اتخاذ قرار بهذا الخصوص فإن انفلات الأسعار مستمر.
ولفت رئيس منظمة إرشاد المستهلك، إلى الإجراءات التي اتخذتها سلطة الإشراف في السنة الماضية، بتسعير اللحم بـ43 دينارا للكلغ، ما ساهم نسبيا في السيطرة على الأسعار، والحدّ من التجاوزات والمخالفات، وأوجد حالة من الاستقرار لدى المستهلكين.


أضف تعليقا