قبل الثورة وغداتها.. الأغنية الوطنية في مُفترق طرق التعبير عن الانتماء والدعاية السياسية

“الأغنية الوطنية غير مربحة ولا يمكن أن تُغطي تكاليف إنتاجها”.. فاعلون ثقافيون يُفسّرون أسباب غياب الأغاني الملحمية عن المشهد الإعلامي التونسي

صابر بن عامر

“بني وطني” تعدّ أشهر أغنية وطنية تونسية، وهي التي غنّتها الفنانة الراحلة عليّة سنة 1961 لشحذ همم التونسيين في حربهم ضدّ المستعمر أثناء معركة جلاء القوات الفرنسية عن مدينة بنزرت، بكلمات ملحمية لعبد المجيد بن جدو وألحان ثورية للشاذلي أنور.

أغنية ظلت نشيد التونسيين والتونسيات في أعيادهم الوطنية لعقود، قبل أن تعرف الأغنية الوطنية ذروتها زمن الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي لغايات دعائية واضحة المعالم والأهداف، ضمن أجندة سياسية مُمنهجة في خدمة الرئيس الأوحد والحزب الواحد والصمت المطبق.

“أحنا الجود أحنا الكرم”، “يا أم السواعد سمر”، “بالأمن والأمان يحيا هنا الإنسان”، “أهيم بتونس الخضراء”، وغيرها من الأغاني الملحمية التي شدا بها فنانوها عن طواعية أو مُكرهين، تغزلّا بوطن يجمع كل التونسيين تحت راية واحدة، أو هكذا خيّل إليهم وإلينا؟

ثمّ كانت الثورة في 2011، فتفرّقت ألحان الأغنية الوطنية الثورية بين الوتري وفن الراب، لتبرز أغنيات بمذاق شبابي جماعي خاص، أهمها: “غناية ليك” من كلمات وألحان بيرم الكيلاني (بنديرمان)، وغنائه إلّا جانب الراحل ياسر الجرادي، وحاتم القروي، وأمل الشريف، وفهمي الرياحي، والتي يقول مطلعها:

“من صغري نحوّس البرور.. في الغربة عدّيت أيامي

درت البلدان كالمخمور.. نشوف في خيالك في منامي

نشوف في ذياب عليك تغور.. نسات الي نحن ليك مالي

من دمعاتك بناو قصور.. ونساو أحوالك وأحوالي

نرجعلك ديما ديما ونفرفط فارح..

منحير في زناقك القديمة مهما بدات البارح

نرجع للات البدور فني وغرامي..

بعرقي نكبر صغاري ونسقي نواري

مهما دارت الأيام.. ننسى يا بلادي المحال

مهما غاروا العديان.. واللّه ما يعيش فيك من خان”.

كما برزت أغنية “نرجعلك ديما ديما” للراحل ياسر الجرادي، وأغنية “كلمتي حرة” لأمال المثلوثي، و”ريس البلاد” لمغني الراب “الجنرال”، قبل أن يغيب عن المشهد كليا، وتغيب الأغنية الوطنية بدورها تدريحيا، إلّا في القليل منها، والتي بقيت حكرا على الثنائي لطفي بوشناق صوتا وألحانا وآدم فتحي كلمةً، على غرار: “تونس أنا”، “ما عليك عزيز يا تونس”، “يا الخضراء أنا مجنونك” وغيرها من الأغاني التي أنشدها في حبّ الأوطان العربية كالعراق وفلسطين وغيرهما.

شحّ إنتاج الأغنية الوطنية بعد ثورة 2011 يرتبط بأسباب عدة، بعضها يتعلّق بالأزمات الاقتصادية المتعاقبة، فيما يُرجعه آخرون إلى تغيّر ذائقة التونسيين، في ظل انتشار فن الراب الذي خاض في الاجتماعي على حساب السياسي؟

ويرى شقّ آخر أنّ روح الانتماء إلى الوطن تلاشت لدى الأجيال الجديدة؟

أسئلة طرحتها بوابة تونس على مجموعة من الفاعلين الثقافيين بتونس، فكان هذا التقرير.

نبيل ميهوب: هل تقتضي المرحلة حاجتنا إلى الأغنية الوطنية؟

عن ذلك يقول الممثل المسرحي نبيل ميهوب: “باعتبار أنّ الأغنية الوطنية هي التي تعبّر عن حب الوطن، فهذا النوع من الأغاني اقترن بالأحداث الوطنية يجمعها هدف واحد وهو التحرّر في فترة الاستعمار وبعده، ثم تحوّلت إلى أغنية دعائية لجهة سياسية تحكم البلاد، لأجل تلميع صورتها، خاصة في الحملات الدعائية الانتخابية وغيرها”.

ويسترسل أحد نجوم مسلسل “ضفائر” للحبيب المسلماني: “الأغنية الوطنية لا تخضع للذائقة العامة، بل لما تُفرزه كل مرحلة لدى الناس من إحساس جماعي قويّ مشترك لتحقيق هدف وطني”.

وعن سؤال بوابة تونس: “هل تلاشت روح الانتماء إلى الوطن لدى جيل الشباب؟

يقول ميهوب جازما: “طبعا لا، بل تغيّرت وسائل التعبير عن هذا الانتماء وطرقه من جيل إلى ٱخر، علينا فقط فك رموزها”.

وتساءل ميهوب بدوره: “هل في هذه المرحلة هناك حاجة إلى الأغنية الوطنية؟”، ويُجيب: “هل هناك هدف وطني عاجل يجمعنا؟.. لا شيء يجمعنا الكلّ يُفرّقنا”.

آمنة السلامي: الناس أذواق والفن فنون والجمهور جماهير

فيما ترى المدربة في تطوير الذات آمنة السلامي أنّ الناس أذواق، ولا يُمكن للفن أن يعجب فئة واحدة، فهناك جماهير وليس جمهور واحد.

وتُضيف في تصريحها لبوابة تونس: “يوجد في كل مجال شيء اسمه الفئة المستهدفة، فلا وجود لمغنٍّ ناجح يسعى إلى استهداف جميع الآذان، كذلك عدم التطوّر والإنتاج المستمرّ بالجودة المطلوبة يُعرقل وصول المُنجز الفني إلى ذائقة الناس”.

وتسترسل السلامي: “إذا أردت أن تكون معبّرا عن فئة معيّنة يجب أن تُشبه وتلمس شيئا داخلهم”.

وتضرب في ذلك نموذجَي وجيهة الجندوبي ولطفي العبدلي اللذين استهدفا الشباب بتغيير طرحهما، ليجدا الشبه في عملهما مع اهتمام الناس، وفق تقديرها.

وهي ترى وجوب إنتاج احتياجات الجمهور بشكل فني يُشبهه ويُعبّر عنه.

إنصاف بوغديري: الأزمات الاقتصادية المتعاقبة أثرت في وصول الأغنية الوطنية إلى التونسيين

في المقابل تعزو الصحفية التونسية الناطقة بالفرنسية إنصاف بوغديري شحّ إنتاج الأغنية الوطنية بعد ثورة 2011، لعدّة أسباب، بوّبتها تباعا كالآتي:

أولا -والكلام لها- أثّرت الأزمات الاقتصادية المتتالية بشكل كبير في قطاع الفن والثقافة، ممّا جعل من الصعب على الفنانين الحصول على التمويل والدعم الضروري لإنتاج أعمال وطنية.

ثانيا، تغيّرت اهتمامات الشباب التونسي بعد الثورة، حيث أصبح فن الراب أكثر انتشارا وشعبية بينهم، إذ يُعبّر هذا الفن -من وجهة نظر بوغديري- بشكل مباشر وواضح عن القضايا الاجتماعية، ممّا يجذب جيل الشباب الذي يسعى إلى التعبير عن قضاياهم اليومية والصعوبات التي يواجهها في المجتمع.

وتسترسل: “إضافة إلى ذلك، لفن الراب مزايا أخرى، أهمها أساليب الكتابة والغناء التي تُقدّم طروحات جديدة تصل فئة الشباب بسهولة”.

ثالثا، تراجع انتماء الشباب إلى الوطن بسبب الإحباط من الأوضاع السياسية والاقتصادية، بعد فشل تحقيق التغييرات المتوقّعة بعد الثورة، الأمر الذي يولّد شعورا بالخيبة والابتعاد عن الشأن الوطني، وفق بوغديري دائما.

وتخلص إنصاف بوغديري في ختام تصريحها لبوابة تونس إلى الإقرار بأنّ انحدار الأغاني الوطنية في تونس بعد 2011 يعود إلى تقاطع عوامل اقتصادية، اجتماعية، وثقافية متعدّدة. ومع ذلك، لا تُخفي الصحفية التونسية أملها في استعادة الأغاني الوطنية لدورها في تعزيز روح الانتماء والوحدة الوطنية في المستقبل.

سهير اللحياني: التحوّلات الحاصلة في الذائقة الفنية ارتدّت بالأغنية الوطنية إلى مراتب دونية

بدورها، ترى سهير اللحياني في تراجع إنتاج الأغنية الوطنية في تونس بعد ثورة 2011 انعكاسا لديناميكيات اجتماعية وسياسية وثقافية معقّدة، وهي ظاهرة ليست حكرا على تونس، بل تمتدّ إلى دول عربية أخرى مرّت بتحولات مشابهة، وفق تقديرها.

وشأنها في تحليلها شأن إنصاف بوغديري، تعزو الأستاذة الجامعية والباحثة في علوم الإعلام والاتصال هذا التراجع في ثلاثة محاور رئيسية.

أولا، الأزمات الاقتصادية المتتالية لعبت دورا محوريا في تحويل اهتمامات الفنانين والجمهور.

ففي تونس، أدّت البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة إلى تراجع الإنتاج الفني الوطني الذي يتطلّب تمويلا ودعما، لصالح أعمال تركّز على القضايا اليومية.

وهي في ذلك تقول: “الوضع ذاته نراه في مصر، حيث أثّرت الأزمات الاقتصادية بعد 2011 في إنتاج الأغاني الوطنية التقليدية، كالتي كانت تُنتج في ستينيات القرن الماضي وسبعيناته، والتي أنشدها عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وغيرهما”.

وتسترسل اللحياني موضحة: “بدلا من ذلك، برزت أغانٍ شعبية مثل المهرجانات التي تعكس هموم الطبقات الشعبية”. والأمر ذاته انسحب على لبنان، حيث توضّح الحياني: أدّت الأزمة الاقتصادية منذ 2019 إلى تقليص الإنتاج الفني الوطني، حيث استحوذت أغاني الحنين والاحتجاج على اهتمام الجمهور”.

ثانيا -والكلام لها دائما- تغيّرت الذائقة الفنية، خاصة بين الشباب، مع صعود أنماط موسيقية جديدة مثل الراب والموسيقى البديلة.

وفي ذلك تُقدّم الباحثة في علوم الإعلام والاتصال، نموذجَي “كافون” و”بلطي” اللذين قدّما أعمالا تعبّر عن التهميش والفساد بأسلوب الراب، بعيدا عن الخطاب الوطني التقليدي. والتحوّل ذاته، يتكرّر في المغرب، حيث برز مغنّون على غرار “الديزي” و”توتو”، اللذين استخدما الراب لمناقشة قضايا اجتماعية شائكة وحارقة كالفقر والهجرة، بدلا من التركيز على الوحدة الوطنية، وفق تقديرها.

وتسترسل اللحياني: “حتى في الجزائر، شهدت فترة ما بعد 2019 صعود أغاني الراب التي تنتقد النظام، مثل أعمال “سولكينغ”، ممّا قلّل من حضور الأغنية الوطنية التقليدية التي كانت سائدة في فترة ما بعد الاستقلال”.

ثالثا، تأثّرت روح الانتماء الوطني لدى جيل الشباب بسبب خيبات الأمل السياسية والاقتصادية.

وانطلاقا من تونس، ترى اللحياني أنّ التحديات التي واجهتها الثورة، مثل عدم استقرار الحكومات، أدّت إلى شعور بالإحباط لدى الشباب الذين كانوا يأملون بتغيير جذري.

وهو الشعور ذاته الذي يتردّد في السودان، حيث تراجعت الأغنية الوطنية بعد 2019 بسبب الحرب الأهلية والانقسامات، ممّا جعل الفنانين يركّزون على أغاني المنفى والمقاومة بدلا من الوحدة الوطنية.

ومع ذلك، تقّر الأستاذة الجامعة التونسية أنّ الأغنية الوطنية لم تختفِ تماما، بل تطوّرت إلى أشكال جديدة.

ومثالها على ذلك، أغنية “تونس يا زينة” لفرقة “يوما” التونسية التي مزجت التراث بالحداثة، والأمر ذاته ينسحب وفق تقديرها على مصر.

ومثالها على ذلك أغنية “تسلم الأيادي” التي حاولت إحياء الروح الوطنية بأسلوب معاصر.

وتخلص اللحياني في ختام تصريحها لبوابة تونس إلى أنّ تراجع الأغنية الوطنية في تونس ودول عربية أخرى، هو نتاج تفاعل بين الأزمات الاقتصادية، والتحوّلات في الذائقة الفنية، علاوة على وجوب إعادة تعريف الانتماء الوطني.

ومع ذلك، فهي ترى أنّ الأغنية الوطنية حاضرة، اليوم، بأشكال جديدة.

وسام حمدي: التونسي يُصنّف الأغنية الوطنية في خانة التطبيل للأنظمة السياسية

بدوره، يُعدّد الصحفي التونسي وسام حمدي الأسباب التي جعلت الإنتاج الفني الغنائي الوطني بعد 2011 يقتصر على أعمال شحيحة، لا يمكنها -وفق تقديره- أن تخلّد، ولا يُمكنها أن تُحفظ في تونس وفي بقية الدول العربية الأخرى كحال الأعمال الوطنية الخالدة التي قدّمتها أم كلثوم وفيروز وبليغ حمدي ووردة الجزائرية.

وفي ذلك يقول: “أولا، طوال عقود بعد الاستقلال لا تنتهج الدولة سياسة ثقافية واضحة تُراهن على المنتوج الفني الوطني الداخلي الذي يرسم ملاحم الشعوب ونضالاتها ومحاولة ترويجه إلى الخارج، حيث تقتقر تونس إلى صناعة ثقافية هدفها إيصال الكلمة التونسية إلى الثقافات الأخرى البعيدة”.

ثانيا -والكلام دائما لحمدي- سوق الغناء بما يحتوي من كلمات وألحان وتوزيع، يتطلّب مقدرات مالية هائلة ليس بإمكان الجميع توفيرها.

ولأجل ذلك، فهو يرى أنّ الغناء الوطني يقتصر على بعض المحاولات التي يقوم بها لطفي بوشناق، حيث أنه تقريبا من بين القلائل الذين يجدون صعوبات في الإنتاج.

ثالثا، يرى جزء كبير من الفنانين أنّ الأغنية الوطنية غير مربحة ولا يمكن حتى أن تُغطّي تكاليف إنتاجها.

وهو ما يستدعي ضرورة دعم الدولة لمشاريع فنية وطنية تلخّص الحقبات المتتالية وتترجمها، وفق حمدي.

رابعا، العنصر الأهمّ يتمثل في خوف الفنانين من السقوط في إنتاج أعمال تلمّع النظام بدل أن تكون وطنية خالية من الأهداف السياسية الركيكة المعتادة، وهو ما حصل مع بعض الفنانين الذين سقطوا في هذا الفخ إما عمدا أو عن غير قصد، وفق توصيفه.

ويختم وسام حمدي تصريحه لبوابة تونس، بقوله: “المتلقّي في تونس وعلى عكس شعوب المشرق يُصنّف الأغاني الوطنية على أنها تدخل في خانة التطبيل للنظام السياسي”، وبذلك تفقد صدقيتها لدى المواطن التونسي.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *