"قابس سينما فن"... عندما تتحوّل الفنون إلى خبز يومي وبلسم للجراح
tunigate post cover
ثقافة

"قابس سينما فن"... عندما تتحوّل الفنون إلى خبز يومي وبلسم للجراح

الواقع والافتراضي، خطان مُتوازيان لا يلتقيان إلاّ في "قابس سينما فن"... وطن السينما ونجومها في طقس شعبيّ خالص
2022-05-15 17:03

صابر بن عامر

“قابس سينما فن”… مهرجان تونسيّ بطموحات عالمية، أطفأ في الثاني عشر من مايو/ أيار الجاري شمعته الرابعة، لتنطلق إثر ذلك مساعي المشرفين عليه استعدادا لدورة جديدة ستكون بالتأكيد فأل خير على أهل المدينة الجنوبية ومفيدة لكل زوّارها من السينمائيين والمولعين بالفن السابع وفنون الفرجة قاطبة.

المهرجان الوليد والجديد قياسا بمهرجانات محلية وعربية أخرى جاوزت سن الرشد والنضج على غرار أيام قرطاج السينمائية والقاهرة السينمائي ومراكش ومالمو العربي السويدي ولو بتفاوت في عدد السنوات وتعاقب الدورات، اتّخذ، منذ انطلاقه في العام 2019 مكانة استثنائية في مشهد المهرجانات السينمائية العربية، نتيجة تمسّكه بخطّه التحريري الذي بُني على تصوّر خاص للسينما، يحتفي أساسا بسينما المؤلّف، وبضمّه لفنون الصّورة بمختلف أشكالها وأنماطها ضمن برمجته التي لا تتوقّف عند العروض والمشاهدة، بل تضع هذه الفنون محلّ مساءلة جمالية وسياسية دائمة لتجمع صنّاع الصورة حول طاولة التفكير في المناهج الفنية والمسارات الإبداعية بمختلف إشكالاتها وانتظاراتها.

فاختلط الفن الباذخ والمخمليّ سجّادة ونجوما وبهرجا -خاصة لدى الغرب، انطلاقا من مهرجاني كان وفينيسيا، مرورا بلندن ووصولا إلى برلين… وغيرها- بالطبقات الشعبيّة الكادحة، لكنها محبّة للسينما ومن ثمة للحياة، أسوة بالمقولة الشهيرة “من يحبّ الحياة يذهب إلى السينما”.

هذا الاختلاط الباذخ بين الجمهور والنجوم أفرز تفاعلا حميميا بين الباث والمتقبّل بشكل أفقي في حالة تأثير وتأثّر بين كليهما، فالسينما المقدّمة في “قابس سينما فن” تسرد آمال  الطبقات الشعبية  وآلامها وهمومها اليومية وربما سيرها الذاتية، على لسان وأجساد من لحم ودم لمُمثلين يشبهونها ويحكونها دون فوقية ولا خطابات وعظية وغوغائية كلاميّة ما انزل الله بها من سلطان، عدا سلطان الصورة، نجم المهرجان دون منازع، وإن كانت ضمن خانة الواقع الافتراضي، وهو أحد الأركان القارة في المهرجان منذ نشأته.

واقع وافتراضي، خطان مُتوازيان لا يلتقيان إلاّ في “قابس سينما فن” وطن السينما ونجومها في طقس شعبيّ خالص.

أما عن قابس، فقد لملم المهرجان هذا العام بعضا من جراحها الجديدة والمتمثّلة في الحرائق التي اجتاحت أشهر أسواقها، سوق جارة، وأيضا بعضا من دمّلها الممتدّ والمتمثّل في التلوّث البيئي الذي تعيشه المحافظة منذ عقود، فأتى المهرجان وعلى امتداد أسبوع بلسما لهذه الآلام ومحفّزا للأحلام كي تتحوّل إلى واقع بأتمّ معنى الحلم، تاركا الكوابيس لصُنّاعها من أعداء الحياة.

والدورة الأخيرة، أتت وكما أسلفنا سابقا، في ظروف بيئية واجتماعية عسيرة تشهدها المنطقة وسكانها، فكانت “قابس سينما فن” مُنعشة لمحيطها على جميع المستويات، كما شكّلت أيضا فعل مؤازرة وتعاطف من خلال ما قدّمته من رسائل مُقاومة وإصرار على الإبداع والخلق والإنتاج.

ولأنّ التوقّف عن الاحتفال والاحتفاء بالفن هو موت سريريّ للشعوب وثقافاتها، أتت السينما ومن خلالها الفنون بمثابة جرعات أوكسيجين مُتتابعة ومُتلاحقة تُلاحق الحياة وتُحفّزها على الاستمرار في مدينة الواحات والخلجان.

“قابس سينما فن” وكما يقول شعارها الأزليّ “تعالا شوف” (تعال وانظر) بُعث في قابس ومن أجلها، إيمانا من مؤسّسيه وداعميه ومُحبّيه بأهمية انخراط الفعل الثقافي في بيئته ومحيطه، وبأن خلق الصورة هو فعل سوسيو-ثقافيّ أو لا يكون.

تبنى المهرجان قضايا مدينته ومنها تونس قاطبة، إضافة إلى ما يتقاسمه مع العديد من بلدان العالم من خلال برمجة فنية غاصت في هواجس الفرد وعرّتها كما تابعت دواخل العيش المشترك لدى المجموعة، وكذلك من خلال أنشطة خرجت بالمهرجان من نطاق التظاهرة الفنية وأكسبته بعدا اجتماعيا، تنمويا وثقافيا عبر تشريك المجتمع المدني في العديد من الفعاليات وعدم الاقتصار على القاعات والفضاءات المُغلقة، لتتحوّل قابس بجزء من مؤسّساتها وشوارعها وواحتها وشواطئها إلى قاعة عرض كبيرة.

وللذاكرة الجماعية نصيب في قابس، ذاكرة شعبية رياضية أحياها معرض مُبتكر عن تاريخ كرة القدم في الجهة، وأطلق المهرجان، قبل انطلاقه بأشهر، دعوة مفتوحة إلى جمع الأرشيف الذاتي في معرض جماعي يُوثّق  هذا المخزون المادي واللامادي  على السواء ويحفظه من عاتيات السنون ومن الإهمال والتناسي.

دعوة توجّه بها القائمون على المهرجان إلى مشجعي كرة القدم في قابس أو في أي مكان آخر من المُحافظة ممّن تتوفّر لديهم مخطوطات توثيقيّة أو غيرها من صور، فيديوهات، أغان، نصوص، مقالات صحافية، هدايا تذكارية، قبعات، أعلام، لافتات، وأي شيء آخر عن تاريخ كرة القدم والرياضات الجماعية والفرية في قابس بصنفيها النسائي والرجالي بعيدا عن اكراهات الجندر، فكان معرض الماضي في الحاضر مع استشراف لمستقبل أكثر بناء ونماء لواقع رياضيّ جهويّ صانع للأمجاد والبطولات والنجوم والنجمات في عالم الشكيمة والعزيمة.

من 6 إلى 12 مايو/ أيار 2022، كان لجمهور قابس وجمهور السينما موعد مع فنون الصورة بكلّ أشكالها، فبالإضافة إلى البرمجة السينمائية بمختلف أقسامها من مسابقات رسمية ووعود السينما للمخرجين التونسيين الشبان وحديثي التخرّج وسينما الطفل وسينما الأرض، تجدّد الموعد مع قسم “الكازما” لفن الفيديو فاكتشف المُتابع الحصيف من خلاله الخيارات الفنية لأمين المعارض والفنان التشكيلي والمسرحي اللبناني ربيع مروة.

كما التقى هذا العام بفناني فيديو شبان في قسم “الكا أوف” في دورته الثانية تحت إشراف أمينة المعارض الشابة التونسية كنزة جمالي.

هذا دون الحديث عن قسم الواقع الافتراضي تحت إشراف محمد العربي صوالحية الذي أخذ مُتابعيه إلى عوالم الصورة بتكنولوجياتها الحديثة، وعرّفهم على إنتاجات مسابقة “الهاكاتون للواقع الافتراضي” التي تأتي إثر ورشة إبداعية مع طلبة المعهد العالي لفنون الملتيميديا بقابس.

كما تميّز “قابس سينما فن” في دورته الرابعة بقسم جديد حمل “لوغو” المهرجان “تعالا شوف” وهو ورقة بيضاء للرئيسة الشرفية للمهرجان النجمة التونسية-العربية هند صبري التي اختارت أن تقاسم الفرجة مع جمهور قابس عبر فيلم “الأرض” ليوسف شاهين، ويا له من اختيار تزامن دون سابق إنذار مع ما تعرّضت له المدينة في الفترة الأخيرة من حرائق، فمن لقابس غير “قابس سينما فن” يُعيد لها بريقها الوهّاج؟

تونس#
ثقافة#
سينما#
قابس_سينما_تونس#

عناوين أخرى