تكنولوجيا ثقافة

قابس سينما فن.. الواقع الافتراضي يُعزّز الإحساس بالأمل في زمن الفقد

خلال الدورة السادسة -المنتهية- من مهرجان قابس سينما فن (من 27 أفريل إلى 1 ماي)، واكب جمهور الواقع الافتراضي -أحد الأركان القارة في المهرجان إلى جانب العروض السينمائية وفنون الفيديو- ثمانية تجارب حسية مبهرة بالمركز الجامعي للتنشيط الثقافي والرياضي بقابس (جنوب تونس).

في هذا العالم السحريّ تحوّل رواد المهرجان إلى لاعبين سلبيين وإيجابيين في آن واحد داخل قصة افتراضية تستحضر عددا من المآسي الإنسانية من أمريكا الجنوبية، مرورا بآسيا الشرق الأوسط وصولا إلى إفريقيا، قاسمها المشترك هو الوجع الذي يسبّبه الفقد خلال الحرب.

مع ذلك، يحضر الأمل عبر رحلة افتراضية ترسم فرضيات جديدة لعالم أفضل، ملؤه سحر اللمسة الإبداعية النشطة للواقع الافتراضي المعزّز بالخيال الحالم.

3 عوالم لوجع واحد

“تكافل الخلق”، عمل تفاعلي شامل من إخراج التونسية سنية خلف الله الرياحي والكندي جون ديسنويرز ستيوارت، تمّ تأليفه على اعتباره عملا حسّيا يسمح لشخصين بالمشاركة في إنشاء بيئة سمعية بصرية مكوّنة من مرئيات ديناميكية ثلاثية الأبعاد في الواقع الافتراضي والصوت التفاعلي.

“الحلم بلبنان”، وثائقي قصير للمخرجين سينثيا صوما ومارتن واليش يستكشف حيوات ثلاثة شبان لبنانيين، رفيق وجوزفين وبتول، على خلفية الصعوبات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد منذ 2020، تاريخ الانفجار المزدوج لمرفإ بيروت، وقبله الانهيار الاقتصادي الحادّ الذي عرفته البلد.

الفيلم يقدّم تجربة مثيرة للاهتمام في حياة هؤلاء الشباب وآمالهم في مستقبل أفضل، قد لا يحدث أبدا.

“تذكّروا هذا المكان” للمخرجة باتريشيا إشيفيريا ليراس، تجربة حقيقية داخل واقع افتراضي معزّز، يرحل داخله المستكشف والمطّلع على هذا النوع من الفنون على حد سواء، في مفهوم المنزل الهشّ، والتهديدات التي تُلاحق وجوده أصلا، لكنه باقٍ بفضل عزيمة النساء المحليات وإصرارهنّ.

قامت المخرجة الإسبانية بتجميع قصص فلسطينيين مهجّرين، وناشطين، ومهندسين معماريين، وفنانين، وشعراء من الذين يناضلون من أجل الحفاظ على منازلهم وثقافتهم وتاريخهم.

في هذه التجربة تسعى ليراس عبر واقعها الافتراضي المعزّز إلى خلق عالم افتراضي يستحضر التوق البشري الفطري إلى الوطن واقعا وفكرة، عبر نسيج متماسك من الأمكنة، والذكريات الشخصية، والصور القادمة من المستقبل.

ما أشبه هناك بهنا

فيلم “إعادة تصور المجلد الثاني: محل” للمخرجة ميكايلا هولاند، تُستخدم الأساطير وتعاد كتابتها لاستعادة أسئلة فلسفية كونية أزلية مثل الموت والخير والشر والصداقة.

كل ذلك عبر عمل كرتوني مستوحى من الأساطير الفلبينية، مسلّطا الضوء على كل من أبولاكي وماياري وتالا وحنان، الأبناء الأربعة الخالدون للإله الأب المتوفى حديثا باثالا.

في المقابل، يستكشف فيلم “فوق قوس قزح” للمخرج غريك كوينتيرو عوالم التوازن المفقود بين الرغبة والسعادة والخيال والمألوف.

أما “الصديق المتخيل” للفنان الهولندي ستاي هليما، فيستعرض لعبة واقع افتراضي تُتيح للمستخدمين أن يصبحوا أصدقاء لدانيال المتخيل، يشاركونه عوالمه وتجاربه الخاصة.

تستخدم التجربة تقنية سرد القصص الفريدة باستعمال الواقع الافتراضي المعزّز بهدف خلق طقس حميمي، يسمح الأمر للمستخدمين بتكوين رابطة شخصية عميقة مع دانيال من خلال التفاعل الحقيقي والرؤية.

“ابق على قيد الحياة يا بني” للمخرجة فيكتوريا بوسيس، عمل مستوحى من مذكّرات “ستعيش يا بني” للكاتب ذائع الصيت بين ياثاي.

تجربة سينمائية أسطورية مبهرة على شكل لعبة فيديو تضع اللاعب مكان أحد الناجين من الإبادة الجماعية في كمبوديا.

ويُتيح فيلم “بصوت خافت.. ننطق أسماءهم” للمشاهد مواكبة الأثر النفسي السلبي للهجرة غير النظامية على العائلات في مدينة بنين بجنوب نيجيريا.

وفيه تستخدم مخرجته الجنوب إفريقية أوموريجي أوساكبولور الفن التركيبي، والتصوير الفوتوغرافي، والواقع الافتراضي، والأصوات لتمثّل حالات الفراغ والحزن التي تعيشها أفراد عائلات المهاجرين المفقودين.

حوار الجنوب-جنوب

وعن اختيارات قسم “الواقع الافتراضي” في الدورة السادسة من مهرجان قابس سينما فن، يقول المدير الفني للقسم محمد العربي صوالحية: “اختيارات هذا العام استقرّت على انتقاء جملة من الأعمال التي بلغ عددها الثمانية، وهي تمثّل تقريبا جميع مناطق العالم الجغرافية والثقافية”.

وأضاف: “كل ذلك أتى مواصلة لتكريس فلسفة المهرجان القائمة على حوار مستمر ومتواصل بين الجنوب-جنوب، بالبناء دائما على العناصر والتقاطعات المشتركة بين هذه البلدان، التي تُشبهنا ونُشبهها في الآلام والآمال، الأحلام والنكسات، الانتصارات والانكسارات، وإن تباعدت بنا المسافات”. وحقيقة ما أشبه هناك بهنا، والعكس صحيح أيضا.