video cover
تونس

في يوم المعلم الدولي...أمانة التنوير من جيل إلى جيل

2020-10-05 21:03

تفترض الكتابة عن التعليم ورجاله قطيعةً مع القوالب الكلاسكية المعتمدة في مثل هذه المناسبات، والقائمة على استحضار المعطيات والإحصائيات المتعلقة بالقطاع، “وأهم منجزاته ومكاسبه الوطنية والنقابية”، نحو مقاربة تختزل رحلة بحث عن المعنى تستلهم من تضحياتهم وتجاربهم.
الحديث عن المربين يفترض وقفة إجلالٍ لأجيالٍ ممن حملوا حقيبة التعليم، وتداولوا على حمل مشعل التنوير والعلم، وأسهموا في تخريج الكفاءات والكوادر ممن عز بهم الوطن وافتخر، في شتى الاختصاصات والميادين.
لم يكن التعليم من بين القطاعات التي تضمن لأصحابها الرفاه المادي، أو ظروف العمل المريحة عكس اختصاصات أخرى، بقدر ما كان من المجالات المشهود لها بالإجهاد والاستنزاف الذهني والجسدي الذي تسببه ساعات الوقوف الطويلة داخل الصفوف والقاعات، وما يتطلبه من مراوحة بين الجانب البيداغوجي، ومحاولة احتواء نزعة الأطفال الفطرية إلى اللهو والعبث، وفرض الانضباط والهدوء خلال الدرس.
قُّدر للجيل المؤسس من المربين بعيد الاستقلال، خوض معركةٍ شاقةٍ في سبيل تكريس بنيةٍ معرفيةٍ وبيداغوجيةٍ، وتركيز نواة منظومةٍ تربويةٍ وطنيةٍ في ظل ضعف الإمكانيات ونقص البنية التحتية، فضلاً عن محدودية العائد المادي للمهنة، في مقابل تضحياتٍ قاسيةٍ خاضها المعلمون في شتى أرجاء تونس بأريافها وقراها ووجهاتها الداخلية.
كان الانخراط بسلك التربية وارتداء الميدعة البيضاء في العقود الأولى التي أعقبت الاستقلال، شرفًا إنسانيًا واجتماعيًا يكرس المكانة العلمية لصاحبها، لما كان يحظى به العلم والمعلمون من تبجيلٍ واحترامٍ، فضلًا عن كونها مصعدًا اجتماعيًا لآلاف من حملة البكالوريا وطلبة الجامعة الذين أعجزهم ضيق اليد عن استكمال مسارهم التعليمي، ليجدوا في مهنة المربي ملاذًا وفرصةً مهنيةً لتحصين المستقبل، وضمان الاستقرار المادي والاجتماعي.
لا تقلل العوامل المذكورة من قيمة العطاء التي مثلت دافعًا وفلسفةً ترسخت لدى معظم المربين بأهمية وخطورة دورهم، والذي يرتقي إلى مرتبة الأمن الاستراتيجي والقومي، فعلى أعناقهم تقع أمانة النهوض بالأجيال الجديدة والحفاظ على الثروة البشرية التي تمثل الرصيد الفعلي للبلاد.
ظلت مكانة المربي في ظل التحولات الثقافية والاجتماعية الراهنة، محافظةً على رمزيتها وقيمها الأخلاقية والإنسانية، بكل ما تختزله من عطاءٍ وتضحيةٍ وإيمانٍ بأهمية العلم، ما يشكل حافزًا لكثيرٍ من الخريجين الجدد لاستكمال مسيرة من سبقوهم على دروب المعرفة، واستلام الأمانة المقدسة على حساب أفاقٍ ومجالاتٍ مهنيةٍ أخرى.
“أول صورة لي كمعلم بربوع زغوان الحبيبة منذ عشر سنوات خلت، عرفنا حينها الجبال وخبرنا الفيافي ولا نخشى في ذلك سوى من أنفسنا وتعلمنا معنى التضحية من أجل أن نُرسخ مجرد حرف أو معرفة في ذهن الناشئة ومعنى المعاناة لمجرد الوصول إلى المدرسة أو العودة منها، أحاسيس لا يمكن أن يفهمها إلا معلم وتلميذ، فأن تتقاسما اﻷكل والدواء والطريق وما يلفهما من مر العذاب وحلوه، تلك أشياء لا تشترى ومشاعر لن يعرفها سوى المربون”.
ربما تختزل هذه التدوينة التي خطها أحد الأصدقاء، ممن اختار طوعًا وشغفًا ارتداء الميدعة البيضاء بعد مسار جامعي في اختصاص الصحافة، أبعاد هذا النداء الذي ملأ وجدانه رغم إدراكه المسبق بوعورة الدرب، وما يتطلبه من تضحيات، فسلعة المعرفة ما تزال عزيزةً غاليةً، في ظل ما يحيط بالمربين من ظروف قاسية نتيجة ترهل البنية التحية وغياب الصيانة وضعف الميزانية، وسلم الأجور الذي يعتبر الأقل مقارنة بقطاعات أخرى بالوظيفة العمومية.
تكشف الصور التي تنقلها وسائل الإعلام في مناسباتٍ كثيرةٍ، الوضعيات الصعبة التي يكابدها المربون في سبيل القيام بواجبهم المقدس، خاصة بالمناطق الداخلية والتي تفتقر إلى أبسط المرافق الأساسية، لتزيد لعنة الجائحة من ثقل المسؤولية والتحدي الملقى على كاهلهم، نتيجة توقف الدروس وما افرزه من ارباك وضغوط على برنامج الدروس.
طوال شهر ونيف بذل رجال التعليم جهوداً خرافية في سبيل إنهاء البرنامج التعليمي خاصة بالأقسام النهائية، مارثون زاوج بين السرعة، والحرص على تمكن التلاميذ واستيعابهم للمعلومة والدروس، تدفعه قيمة الإخلاص للعمل والواجب التي تسكن وجدانهم، والتي تلخصها كلمات أحد المربين في يومهم “سنظل موجودين بعزيمتنا وتفانينا في العمل وبتضحياتنا اليومية التي لا يراها فاسدو الأخلاق والضمير، فمهما عبثوا لن يقدروا على زعزعة كياننا المتين”.

التعليم#
بوابة تونس#
تونس#
يوم المعلم العالمي#

عناوين أخرى