في قراءة د. عزمي بشارة لانتقال الثورة التونسية من الشارع إلى الدولة

فوزي الصدقاوي

تقوم الثورة ضد نظام الحكم، ولكنّها ستحتاج إلى الدولة لتحمّلها الفكرة، ولتحوّلها إلى مشروع قابل للحياة بين الناس، ثمّ إنّ الثورة تُوكِل أمرها إلى الدولة كلّما حَسُن ظنّها في مؤسساتها، وتلك لحظة دقيقة من تاريخ النزاع حول الدولة، لأنّ انتقال الثورة إلى الدولة، عمل يُــخفي هو الآخر، حالة تنازع داخلي من أجل التغيير، فـهو ارتحال “الفوضى” إلى النظام، وهو مسار للعودة إلى الدولة بعد الخروج عن “النظام” الذي انتزع الدولة من شعبها، واحتكر سلطتها لنفسه وموالاته، ولبّس على الناس جهة الولاء.

لذلك فإنّ أسئلة البدايات كانت دائما عند عزمي بشارة، أسئلة من أجل فهم السياسات كما جدّت في الواقع ومن أي موقع. وحين يصبح السؤال عن الدولة، كيف تسلّمت الثورة من الشوارع، وساحات الاعتصام، فإن المقصود من السؤال هو الوعي بالتجربة في تفرّدها والتعرّف على شروطها التاريخية والإنسانيّة(1)، من أجل استشعار صعوبات الانتقال الديمقراطي، واستباق أزماته الظرفيّة، وتدارك ما أمكن تداركه من عثراته.

وتحتاج أنظمة الحكم إلى إصلاحات مستمرة، لكونها ضرورة تتعلق بحياة الناس، وبمصير الدولة، لكن حين تستعصي الأنظمة على الإصلاح، فإن انتفاضة الناس، وتحوّلها إلى ثورات شعبيّة، ستجبر الأنظمة حسب بشارة على التوجّه نحو الإصلاح، إمّا اقتناعا بالمنفعة العامة التي يحققها الاصلاح، أو لشراء الوقت بنيّة المناورة والالتفاف. فمع الثورات، و”خروج” الجماهير إلى الشوارع، يتبدد الخوف من المجهول، بل إنّ المجهول يُصبح ملجأ أكثر أمناً من حالة الإذلال ومن حالة انتهاك الأنظمة لكرامة البشر.

كما تتحرر الأحداث، زمن الثورات، من أي قواعد كابحة، فالثورات لا تراعي ما يمكن أن يترتب عن التغيير، لأن التغيير عندها، مقصود لذاته. وتؤكّد تجربة الصراع مع الأنظمة، أنّه بتحرر الناس من الخوف، ينتقل الخوف إلى معسكر النظام، وقد رأينا كيف أدى الخوف بالرئيس إلى المغادرة (قيل أنّها مغادرة مؤقتة)، لكن قطعاً كان الخوف الغريزي هو الدافع الأصلي والحاسم في اتخاذ قرار المغادرة بتلك العجلة.

وقد يضطّر رجال النظام إلى القبول بإجراء تنفيذ الإصلاحات، إن لم يكن طوعا فكرها. لكن سيضطرّون حينها إلى أن يُحمّلوا تبعات ما كان من استعصاء إلى رأس النظام، الذي غادر مضحياً برجاله، بعد أن تـَركهم في “العراء” يواجهون  غضب الثورة وأبناءها. أمّا الجيش التونسي، الذي كان بن علي، فور مجيئه إلى الحكم قد أدانه بمحاكمات جائرة وتصفيات ظالمة، بهدف التخلّص من قياداته، وإضعافه، فإنّه كما يلاحظ عزمي بشارة، ظلّ على حياده، وعلى مِهنيّته، يُراقب، إلى أن غادر رأس النظام في 14 جانفي، فتحلّل من التزاماته الدستوريّة، ونزل يلاحق أذرع النظام مع الجماهير الثائرة، بعد أن انهارت مقاومة الأجهزة الأمنية للثورة.

كان رأس النظام يُراهن على دفاع الأجهزة إلى حين “عودة الرئيس من مغادرته المؤقتة”، لكن بعض تلك الأجهزة التي كانت تُـدرك الفرق بين دفاعها عن الدولة الممثلة في الرئيس برمزية مقامه، وبين الدفاع عن النظام وعصابات فساده ومليشياته، قد قررت رفع يدها عن النظام، وبعضها  كفّت عنفها عن الناس، وأخلت مواقعها الرسميّة، تاركة الفراغ الأمني في الشوارع، وهو ما قُرأ على أنّه آخر وسائل دفاعها، بما يمكن أن يَصنَعُـه “اللا أمن” من فوضى لأنّ استعادتها للسلطة يمكن أن تكون من مدخل الفوضى التي قد توفـّـر فرصاً جديدة وخلاّقة.

ولئن حسمت الأجهزة الأمنية أو بعضها، قرارها، وتخلت عن رئيسٍ غادر البلاد “خلسة”، تاركاً وراءه ما اعتقد أنّها أجهزته، الممسوكة بأيدي رجاله، فإنّ تلك المغادرة التي أرادها بن علي “مؤقــتة”، ستكون لاحقا دون عودة،  ولكنها ستفتح أمام السياسيين ورجال القانون مناقشات دستوريّة، في معنى “الشغور” وأنواعه وشروطه. ليتركز نقاش جاد حول الفصل 56 والفصل 57 من الدستور التونسي.

لم يكن النقاش يخف النزوعات السياسية التي أثارها، لكن ظلّ مع ذلك، محكوما بعقلانيّة مسؤولة، ويحتكم إلى تأويلات يجيزها نصّ الدستور. ولعّل أهميّة تلك اللحظة الفارقة برأي بشارة، أن النقاش حول قضايا الدولة، اقتضى، ورتب، مساحة للحيّز العام جديدة، أفقا واتساعاً، أتاح للتونسييـن بوصفهم مواطنين، فرصة التفكير معاً، حول مستقبل بلادهم وحاضرها من مواقعهم المتباينة.

أمّا على الأرض، فقد استمرت الثورة، دون قيادة مركزيّة، في اعتصاماتها بـ(القَصَبَة، مقر رئاسة الحكومة)، وبمظاهراتها في المدن التونسيّة، تدفع الحكومات المؤقتة المتتاليّة، إلى ضبط أدائها واستجاباتها وفق شارع الثورة. وبينما شرع الحكم في التخلي عن القديم، بعد أن أبدى المجلس الدستوري رأياً إيجابيا، بخصوص التفويض لرئيس الجمهورية المؤقت (فؤاد المبزّع- رئيس مجلس نواب تونس في حكم بن علي) لاتخاذ مراسيم طبقا للفصل 28 من الدستور، والذي قام بتعيين رئيساً للحكومة محمد الغنوشي (هو أيضا أحد وزراء بن عليّ وأحد رجال بورقيبة سابقا)، ليدير “الأزمة”، ولتتخذ حكومته قرارات تستجيب لمطالب الثورة، فأعلن العفو العام عن السجناء السياسيين، وقرر إجراءات مؤقتة لمعالجة ملف شهداء الثورة ومصابيها، والاعتراف بالأحزاب المحظورة، كما أصدرت وزارة الداخليّة (الراجحي) قرار تجميد أنشطة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، (الحاكم)، وإيقاف رموز الفساد في النظام السابق، فيما قضت المحكمة الابتدائية في تونس، بتاريخ 15 أفريل 2011، بحلّ الحزب الحاكم وتصفية كل أملاكه. وكانت الحكومة، بالموازاة من ذلك، تُجري أعمال “تطهير” للمؤسسات الحيوية من رجال الحزب الحاكم السابق.

وفيما صارت كل الأشكال المعبّرة عن النظام القديم ورجاله، تتراجع وتختفي، كانت الثورة وهي تتحرك من دون قيادة مركزيّة، تملأ الفراغ وتدفع بالمسار الثوري للتوجّه نحو هيئة عليا لتحقيق أهداف الثورة، ولن يطول الأمر برئيس الحكومة ليستقيل تاركا مكانه للباجي قائد السبسي، الذي تولى المرحلة الانتقالية الأولى، فاستجاب لدعوة الشارع لانتخاب مجلس تأسيسي، فأرسى هيئة عامة للانتخابات، أشرفت على إجراء انتخابات كانت لأول مرة في تاريخ الدولة الحديثة، نزيهة وشفافة، وسيتشكّل على إثرها مجلس تأسيسي للثورة يُعهد إليه مهمة  وضع دستور الجمهوريّة الثانية.

لقد حرّرت الثورة التونسية، برأي عزمي بشارة، مكوّنات مجتمعية كبيرة في حجمها وعريقة في تاريخها ومؤثّرة في حياة الناس وتجربة المجتمع، لأجل ذلك يذهب بشارة إلى أنّ الثورة التونسية، وبالنظر إلى أثارها القطريّة والأقليّة، سوف يتذكرها الناس بوصفها ثــورة كبرى، لكونها صنعت لتونس مدخلا  لمرحلة جديدة في تاريخها وتاريخ المنطقة العربية.

تستجمع الثورة حولها، مع نجاحها، القوى المدنية والسياسية في شوارعها وساحة اعتصامها، لتُــحشر الدولة في الزاوية، على هامش ما يجري في البلاد، وتتحوّل ساحة الاعتصام وشوارع الثورة، إلى دوائر مركزيّة، تُـصنع فيها القرارت التي تُصعّد إلى أعلى، وتصدرها الدولة/القصبة، التي أصبحت أداة للثورة وخادمة لها، يديرها رجالات النظام السابق، أجبرتهم الثورة على أن يتخذوا الإجراءات الإصلاحيّة الضرورية، تمهيدا لمرحلة الانتقال نحو الديمقراطية.

ومع تطوّر الثورة، لم تعد مغادرة الرئيس كافية، لتمهيد طريق الثورة نحو أهدافها. وبات النقاش حول مصير النظام، وضرورة قطع الطريق أمام الحزب الحاكم دون عودته إلى السيطرة بوسائل أخرى. لقد كان العمل على منع عودته، عقوبة سياسيّة، لتهيئة بيئة الانتقال إلى الديمقراطيّة، مع فسح المجال أمام رجال النظام القديم في أن ينخرطوا في الشأن العام من أي موقع يرغبون. إذ لم تكن أي من الخيارات المطروحة، تدعو إلى “الاجتثاث”، الذي لن يكون مناسبا للانتقال الديمقراطيّ، فـ”التجمعيون” كما هم بعقل الثورة، خارج منظومتهم الحزبيّة، وولاآتهم التنظيمية، مواطنون لهم من الحقوق ما لغيرهم من التونسيين، ما لم توجّه ضدهم اتهامات قضائية.

ويُــقدّر عزمي بشارة أهميّة ما جلبته الثورة من الدولة، وما حملتها على ما اتخذه من قرارات، (الشغور الدائم/ العفو العام عن السجناء السياسيين/الاعتراف بالأحزاب المحظورة/ هيئة تحقيق أهداف الثورة..)، فهي برأيه أيضا وفق كلّ المقاييس، قرارت تاريخية، ظلت مطلب المعارضة على مرّ عقود. وتلك كانت الإنجاز الثاني لثورة في تونس بعد رحيل بن علي، أما الإنجاز الثالث فكان رحيل الحكومة ذاتها التي أصدرت تلك القرارت ونجحت الثورة في أن تحوّلها إلى أداة طــيّعة، وهي التي ما تزال بعدُ، بين أيدي رجال النظام القديم. كما يعتقد عزمي بشارة أن امتحان نجاح التحوّل الديمقراطي كان يكمُن في استعصاء الثورة على الاحتواء وقدرتها في المقابل، على تطويع الموالين داخل الدولة للنظام القديم واستخدامهم، لأهدافها. حيث أمكن للدولة أن تصنع مؤسساتها التي ستُنقل إليها مناقشات الشارع الثوري وستتبلور فيها تطلعاته، وستحتضن الدولة تلك المناقشات في أطرها المناسبة. فالتغيير هو روح الثورة، لكنّه يقتضي بناء مؤسسات ملائمة ومناسبة لمناقشات مفتوحة وتشاركيّة مع مكوّنات المجتمع المدني، الذي استعاد حيّزه العام، وصادق على دستوره الجديد، وطوّر وسائل عمله وأشكال تواصله ومساهماته من خلال التفكير مع الدولة.

يعدّ انتقال الثورة إلى الدولة، حالة ممتدة في زمن يتكثّف فيه الصراع بين قوى الثورة وقوى القديمة المعادية لها، وهو وضع محكوم بالارتياب وعدم اليقين، حيث يتحوّل مسار الاحتجاج إلى ثورة، وحيث تقرر شوارع الثورة مهام الدولة، وتحمّلها مشروعها، أملاً في أن يكون التغيير إعادة تأسيس للمستقبل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)- عزمي بشارة : الثورة التونسية المجيدة،بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها، مركز الأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، الطبعة الأولى، 2012،  496 ص.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *