في سبع سنوات سعيّد يهنّئ الشعب بعيد الأضحى مرّتين فقط.. لماذا؟ 

قيس سعيد تهنئة

عبد السلام الزبيدي 

يكفي أن تلج الموقع الرسمي الإلكتروني (موقع الواب) لرئاسة الجمهورية التونسية، وتضع عبارة “عيد الأضحى”في خانة البحث، حتّى تكتشف عادات رئيس الجمهورية قيس سعيّد ومألوفاته خلال هذه المناسبة الدينيّة. وبالوقوف على النتائج يمكن للشعب المُنْتَخِب ومصدر السيادة والشرعية أن يُعدِّل توقّعاته في علاقة بالرئيس المُنْتخَب وساكن قصر قرطاج بفضل أصوات من انتظروا تهنئةً لم تصلهم، والعيب في من انتظر وكانت توقّعاته مخالفة لمألوف الرئيس.

توجيه تهنئةٍ للشعب في شكل خطاب (كلمة متلفزة)، أو إيصال جميل القول من خلال بلاغ رسمي وأدنى من ذلك تدوينة فيسبوكية، أو إقامة صلاة العيد في مسجد من مساجد الجمهورية المتجاوز عددها 5 آلاف، أو زيارة عائلة أو مجمّع مهني، كلّها “أشكال تقليدية” لتهنئة الشعب في المناسبات الدينية وفق “العُرْف” أو “التقليد” التونسي، لكنّها كانت غائبة في الأغلب الأعمّ خلال السنين السبع لحكم قيس سعيّد.

في تاريخ التهاني الرئاسية 

منذ ولوجه قصر قرطاج قبل حواليْ سبع سنوات، لم يتوجّه رئيس الجمهورية قيس سعيّد للشعب التونسي بالتهنئة بعيد الأضحى إلّا في مناسبتين فقط. المناسبة الأولى يوم 3 أوت 2020 أيْ بعد عشرة أشهر من فوزه بانتخابات 2019 وفي حضرة ديوان متنوّع من حيث التخصّصات، وفي ظلّ وجود مكتب إعلام واتّصال تشرف على تسييره رشيدة النيفر.

وللتذكير، جاء نص التهنئة/التدوينة في صيغة يمكن وصفها بالتقليدية. تقدّم فيها رئيس الجمهورية، وفق ما تمّ نشره، بأطيب التهاني وأجمل التمنّيات، ورجا الله “أن يعيد هذه المناسبة على شعبنا وعلى الأمة كلها بالخير واليمن والسلم وأن يستحضر الجميع في تونس المقاصد الحقيقية لعيد الأضحى ولقواعد الإسلام السمحاء”.

والملاحظ أنّ العبارات الواردة في التهنئة كانت إيجابية، ورسائلها تبعث على بثّ روح وطاقة إيمانيتين، ومضمونها يدعو إلى التفاؤل بجميل الإنجاز وبالغد الأفضل. وقد خلت من أيّ عبارة سلبية من بين تلك الصيغ والعبارات التي غدت ثابتا من ثوابت خطابه بعد إجراءات 25 جويلية 2021.

أمّا المناسبة الثانية فكانت بتاريخ 08 جويلية 2022، حيث تطرّق سعيّد لعيد الأضحى خلال كلمة متلفزة في حواليْ دقيقة واحدة بمطلع الكلمة الرسمية وختمها بتجديد التهاني في الثواني الثلاثين الأخيرة. أمّا ما تبقّى من الدقائق التسع لـ”خطاب التهنئة ” فخصّصه للحديث عن مشروع دستور 2022 والاستفتاء المُزمع إجراؤه يوم 25 جويلية من الشهر ذاته.

تطرّق سعيّد للأخطاء الواردة في مشروع الدستور المنشور بالرائد الرسمي للبلاد التونسية. تلك الأخطاء التي اعتبر أنّها “تسرّبت” و”تسلّلت”، وأنّها تتعلّق “بالشكل وبالترتيب”، مشدّدا على أنّ هذا “أمر مألوف”. وبعد أن حمد الله على توفّر إمكانية الإصلاح، ذكر أنّه تمّت “إضافة بعض الإصلاحات”. ولسنا في وارد مناقشة مدى وجاهة الأوصاف والتبريرات، ولسنا كذلك في مقام النظر في المسألة قانونيا ودستوريا.

واغتنم رئيس الدولة المناسبة الدينية شكلا، للردّ على منتقدي مشروع الدستور، وطمأن الشعب الذي انتخبه سنة 2019 استنادا على دستور 2014 والذي أقسم على احترامه، بأنّ الدستور الجديد سيحترم كلّ المبادئ التي ضحّى الشعب من أجلها. وبعد أن انتقد “الذين عاثوا في الأرض فسادا” والمتخوّفين اليوم من إمكانية عودة الاستبداد والدكتاتورية، صرّح بأنّ “الاستبداد ذهب دون رجعة ولن يعود”. ودعا إلى التصويت بنعم على مشروع الدستور، ليس من أجل “تصحيح مسار الثورة” فقط، بل لتصحيح “مسار التاريخ”.

وقبل أن يختم الخطاب/التهنئة، كشف أنّ النسخة المصحّحة من مشروع الدستور ستصدر بعد سويعات، أي في ذات ليلة الكلمة المتلفزة بما هي كلمة تهنئة بعيد الأضحى، في حين أنّها متعلّقة بتصحيح مشروع كتبه بيديه فعجَّ بالأخطاء، واقتضت الضرورة إصلاحها.

كانت التهنئة الأولى عملا اتّصاليا مهنيّا سواء من حيث الشكل أو المضمون، أمّا التهنئة الثانية فلم تكن مقصودها لذاتها، فغرضها سياسيٌّ بحت، حيث كان الاستفتاء حول مشروع الدستور هو الأصل أمّا العيد فتلك عصا تمّ الاتّكاء عليها، لاستدراك ثغرات وأخطاء “تسلّلت” و”تسرّبت” ممّا استوجب الإصلاح مع إضافات.

الاعتراف بالعيد خارجيا 

يمكن القول بكثير من الاطمئنان إنّ هذه المناسبة الدينية (عيد الأضحى) لا توجد ضمن الأجندة الاتصالية والسياسية لرئيس الجمهورية قيس سعيّد في علاقة بالشأن الداخلي. وذلك على عكس ما كان معمولا به منذ الإعلان عن الجمهورية التونسية سنة 1957. فقد دأب الرؤساء من الحبيب بورقيبة إلى الباجي قايد السبسي على تهنئة الشعب بطرق شتّى، سواء بالكلمات الإذاعية أو المتلفزة، أو بحضور صلاة العيد بأحد المساجد، أو تقبّل التهاني ضمن مواكب رسمية على غرار ما هو معمول به في عيد الفطر.

لكن قد يعترض البعض بالقول، إنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يضع هذه المناسبة ضمن أجندته والدليل تبادله التهاني مع عدد من قادة الدول الإسلامية. وهْو اعتراض وجيه وله مؤيداته. فقد دأبت الصفحة الرسمية الفيسبوكية لرئاسة الجمهورية على نشر التهاني بصيغة “أجرى رئيس الجمهورية اتصالا”، وهي صيغة لا تكشف عمّن بادر بالاتّصال، ممّا يجعل احتمال تلقّيه مكالمات من نظرائه واردة جدا. لكن بالاطّلاع على فحوى بلاغات الجهات المقابلة على غرار الناطق الرسمي بإسم الرئاسة المصرية نجد أنّ الرئيس عبدالفتاح السيسي هو من تلقّى الاتّصال، أي أن رئيس الجمهورية التونسية هو من اتّصل.

يكشف هذا الأمر أنّ سعيّد يهتم بالعيد ديبلوماسيا، والدليل تواصله مع بعض القادة العرب والمسلمين سواء بمبادرة منه أو من الأطراف الأخرى. وليس أدلّ على هذا الاهتمام، التغيّر في قائمة الشخصيات التي يتبادل معها التهاني، حيث كانت موسّعة في السنوات الثلاث الأولى للحكم (الجزائر ومصر وليبيا والسعودية وقطر والإمارات والكويت وتركيا وايران…)، ثمّ تقلّصت وكادت تنحصر في الجزائر ومصر.

وبذلك تُعتَبر التهاني بعيد الأضحى، أداة من أدوات قراءة العلاقات السياسية والدبلوماسية بين تونس وباقي الدول. أمّا داخليا فهي خارجة تقريبا عن دائرة الاهتمام.

عندما يخطئ الشعب

يُخطئ من ينتظر من بين أفراد الشعب تهنئة رسمية من رئيس الدولة بعيد الأضحى. وقد أدركت رئاسة الحكومة هذا المعنى لذلك اقتصرت التهاني عندها بمجرد بطاقة بلا روح ولا تتضمّن أيّ رسالة مباشرة وإجابية للشعب. فالنص المكتوب هو “عيد أضحى مبارك” مع إشارة في أعلى يمين البطاقة إلى أنّ مصدرها رئاسة الحكومة. ومعلوم أنّ التهنئة الرسمية تكون باسم المسؤول الأوّل وليس باسم المؤسسة سياسية كانت أو إدارية، فرئيس الدولة أو رئيسة الحكومة رمزية أكثر منها هيكل إداري أو وظيفة.

قد يربط البعض بين غياب التهنئة بعيد الأضحى وما حدث هذا العام من ارتفاع قياسي في الأسعار، وما رافقه من عجز فئات اجتماعية عن شراء الأضحية، رغم أنّها كانت تظنّ نفسها من طبقة لها القدرة على الإنفاق. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير.

لو أراد سعيّد أن يهنّئ الشعب بالعيد، لفعل بغضّ النظر عن المنجز أو عن منظومة الإنتاج الخاصة بقطاع اللحوم.

لو أراد سعيّد أن يهنّئ الشعب بالعيد، لاغتنم الفرصة لتحميل “الآخر” مسؤولية الوضع الاقتصادي والمالي.

لو أراد سعيّد أن يهنّئ الشعب بالعيد، لفعل ما أراد مشيرا بإصبعه إلى من يعتبره مسؤولا عن اهتراء القدرة الشرائية للمواطن، والمقصود لوبيات الاحتكار والتنكيل بالشعب ومسالك التجويع وفق عباراته.

لو أراد سعيّد أن يهنّئ الشعب بالعيد، لزار إحدى الشركات الأهلية وثمّن مُنجزها واعدا بغد أفضل رغم التآمر.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *