في الدفاع عن فن المزود الذي أرقص "البَلْديّة" أيضا
tunigate post cover
ثقافة

في الدفاع عن فن المزود الذي أرقص "البَلْديّة" أيضا

فجأة أصبح المزود ممنوعا في المسرح البلدي، فهل يُمنع لطفي بوشناق من إنشاد أغنيته الراقصة جدا "كيف شبحت خيالك"؟
2022-05-07 18:59

صابر بن عامر

بعد إقصائه من التلفزيون والإذاعات والمهرجانات التونسية لعقود إثر قرار سياسي، يراه البعض جائرا في حين يراه آخرون مُنصفا، نظرا إلى انتماء فن المزود الشعبي إلى ثقافة السجون والمارقين والخارقين للقانون، أو بلغة أدق “البانديّة” (الفتوّات) وما تحتفي به كلماته من مواضيع متعلّقة أساسا بآلام الطبقات الفقيرة بأحياء تونس العاصمة والجهات الداخلية المهمشة.

فاجأ مدير المسرح البلدي بتونس العاصمة الممثل والمسرحي زهيّر الرايس، أحباء هذا الفن ومن ثمة أحد أربابه الفنان الشعبي فوزي بن قمرة من تنظيم حفل له بالمعلم العريق، بل ومنع استعمال آلة المزود الشعبية خلال العروض الموسيقية داخل الفضاء، أصلا.

وبرّر الرايس موقفه بأن هناك قرارا يمنع استعمال الآلة في المسرح البلدي من منطلق أن المسرح حكر على نوع من الفن الراقي مثل “الأوبيرا” أو “المالوف” والأغاني الطربية الإيقاعية وأغاني التراث.

قائلا في تصريح له السبت 7 ماي/ أيار الجاري بإذاعة موزاييك أف أم الخاصة: “أن هناك جانبا واسعا من “البَلْديّة” (سكان الحاضرة) في لجنة الثقافة في بلدية تونس، يعارضون عزف آلة المزود في المسرح البلدي لأسباب تتعلّق بالذوق لا غير”.

كما أشار إلى أن هناك أنماطا موسيقية ممنوعة في المسرح البلدي العريق على غرار “الراب” و”الهارد روك” وبعض أنواع الموسيقى الصاخبة.

وأضاف مدير المسرح البلدي أنه يحترم عازفي آلة المزود وفنانيها، لكن المشكل يكمن في الآلة التي لا تتلاءم مع خصوصية المسرح، قائلا إن: “القرار نهائي ولا يمكنه السماح بالبدع الآن”، حسب تعبيره، طبعا.

فماذا عن الآلة، هل هي “رجس من عمل الشيطان” كما جاء على لسان عادل إمام في مسرحية “الواد سيّد الشغال”؟

تاريخ الآلة وحاضرها

ظهرت آلة المزود في تونس بعدما أحضرها البدو الرحل الذين قدموا في بدايات القرن العشرين من الجزائر ومن ليبيا، فكانت هذه الآلة مرافقة للكادحين في محافلهم وسهراتهم لتنسيهم همومهم وتساعدهم على التعبير عن غضبهم وحزنهم وفرحهم.

تطوّر هذا الفن عبر الوقت وأصبح الفن الشعبي الأول في تونس، ليستهوي كل التونسيين مهما اختلفت أعمارهم أو طبقاتهم الاجتماعية والثقافية والفكرية، فحتى “البَلْديّة” منهم، وهذا ليس ادعاء بل عن تجربة ومُعاينة، يتمايلون في سرّهم على أنغامها ويزدرونها علنا… فهل من تفسير؟

واكتسب فن المزود اسمه من آلة “المزود” وفي الأصل مزوج (أي ثنائي)، وذلك نسبة إلى القرنين في أعلى الآلة التي تُصنع من جلد الماعز مع قصبة في الأسفل فيها خمس أو ست فتحات.

كما تضمّ آلة المزود كيسا مصنوعا من الجلد، وهي آلة هوائية ينفخ فيها العازف بواسطة مزمار، كما تحتوي الآلة على مزامير أخرى تأخذ الهواء لإخراج صوت بعد الضغط على الكيس أو “القربة” كما تُسمّى في تونس.

ويعرّف الفنان عبد الناجي الهمامي آلة المزود بقوله: “هي من أهمّ الآلات الموسيقية التي تستعمل في المظاهر الاحتفالية الشعبية الدّنيويّة والدّينيّة في تونس، الأمر الذي يحقّق لها شرعيّتها الفنية السوسيوثقافية”.

فهي تتّخذ بالخصوص الإطار الاجتماعي الثقافي والموسيقي من حيث وجودها كآلة تعبّر عن أحاسيس ومشاغل مستعمليها والمتفاعلين معها. وتمتاز بطبقة صوتية عليا وصوت قويّ يجعلها من الآلات المحبّذة لدى بعض الفئات المتواجدة في الأحياء الشعبية.

وتستعمل هذه الآلة في الكثير من الحالات كأداة للتعبير عن الحدث الانفعالي والتلقائي الذي يشهده ويفرضه المظهر الاحتفالي.

والسهرات التي تقدّمها فرق “المزود” في تونس يطلق عليها شعبيا تسمية “الرّبوخ”. أما المواضيع التي تتطرّق إليها هذه الفرق في أغانيها، فهي الشعور بالحرمان والإقصاء والاغتراب في فضاء المدينة، إلى جانب بُعد الحبيبة والتغنّي بصورة الأم الحنون ومواضيع الهجرة وغيرها.

وتمتاز أغاني “المزاودية” ببنية لحنية تتكرّر العديد من المرات وبإيقاعات شعبية سريعة وراقصة من أهمها “الغيطة” و”الفزاني” بأنواعه و”بونوارة” و”المربع تونسي” و”البوزيكا” على الطريقة الشعبية.

كما تتضمّن حفلات “المزاودية” في بعض الأحيان نوبات زيارات الأولياء الصالحين كالسيدة المنوبية وسيدي محرز وسيدي بلحسن و”رجال تونس بالجملة”.

ومن أشهر المغنين في تونس في هذا النمط الموسيقي الشعبي، نذكر الهادي حبوبة وصالح الفرزيط وسمير لوصيف والهادي دنيا ونور الدين الكحلاوي ومحمد الروج والعربي الماطري ومحمد علي الأسمر وعبد الكريم البنزرتي ولطفي جرمانة ولطفي الورغمي والتيجاني ولد كحيله وعبد الرّزاق قليو ووليد الصالحي وفتحي ولد فجرة ولحبيب الشنكاوي والتليلي القفصي وهشام سلام وناجي بن نجمة وأشرف ووليد السعداوي وعلي الدردوري ورمزي دغمان ومنذر العڨربي ومحمد منتصر الجبالي ومحمد بن سالم ووليد التونسي ولطفي بن زينة وغيرهم الكثير.

ويتكوّن تخت فرق “المزاودية” من مجموعة آلات إيقاعية شعبية، كالدف والطبلة والدربوكة إلى جانب آلة المزود، وهي الأساس.

ويتمّ تعلّم العزف، أو بالأحرى النفخ، على هذه الآلات بصفة تلقائية وعن طريق المشافهة والسماع والعيش في الإطار الاجتماعي الذي تُمارَس فيه هذه الآلة بخاصة في الأحياء الشعبية المتاخمة للمدن الكبرى.

ومن أبرز العازفين على آلة المزود في تونس نذكر على سبيل الذكر لا الحصر هشام الخذيري ومصطفى قتّال الصيد والشادلي الحمّاص وعبد الكريم الفيتوري ومحسن الماطري وعبد المجيد زرقة وأمين العيادي.

المسرح والفن الجماهيري

الغريب في حديث زهير الرايس عن أسباب منع إقامة حفل فوزي بن قمرة بالمسرح البلدي أن هذا يأتي في ظل وجود برنامج للتقليص من العروض الجماهيرية على غرار “الحضرة” و”السلامية”، معتبرا أن تفاعل أعداد غفيرة من الجماهير بالرقص يزعزع بعض أركان المسرح المهدّدة بالسقوط، وفق تعبيره.

كما أضاف أنه رغم عمليات الترميم والصيانة التي شهدها المسرح البلدي، إلاّ أن الخطر يبقى قائما، لذلك يجب أن يقتصر على بعض العروض دون غيرها.

والمسرح البلدي بتونس هو المسرح الرئيسي لتونس العاصمة وأهم المسارح بالبلد، يقع في أكبر شوارع العاصمة شارع الحبيب بورقيبة الذي كان يحمل في عهد الحماية الفرنسية اسم شارع جول فيري.

تمّ افتتاحه في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 1902 وكان يطلق عليه كازينو تونس البلدي. وقد وقع تصميمه من قبل المعماري جان- إميل رسبلندي الذي نفّذه بواسطة مقاولات إيطالية رغم أن الأرضية طينية لا تتحمل إقامة منشآت كبيرة فوقها، وقد بني حسب الطراز المعماري المعروف بالفن الجديد.

كان يستوعب 856 شخص، قبل أن يتمّ هدمه سنة 1909 للزيادة في طاقة استيعابه، ثم أُعيد افتتاحه في 4 جانفي/ يناير 1911 بطاقة استيعاب تصل إلى 1350 موزّعة على أربعة أقسام: المقاعد الأمامية والميزانين والمقصورة والأروقة. وفي العام 2001 تمّ ترميمه من جديد في إطار الاحتفال بمئويته.

عودة الاعتبار لفن هجين… ولكن

عاش المزود منذ بداية التسعينات وحتى اندلاع ثورة 14 جانفي/ يناير 2011، فترة من الانتعاشة غير المسبوقة، قبل أن يسحب منه البساط فن الراب، فبات مادة تجلب النجاح في الأعمال الدرامية والبرامج التلفزيونية وفي المهرجانات الكبرى وحتى الأفلام الوثائقية والبحوث الموسيقية، بل أصبح “المزود” من الفنون المطلوبة بقوّة في المهرجانات الدولية نظرا إلى تطوّره من ناحية الكلمة والصورة والعروض.

وغنى أشهر الفنانون التونسيون والعرب أغاني المزود على غرار لطفي بوشناق وصلاح مصباح وأمينة فاخت وألفة بن رمضان وسمية الحثروبي، كما أدّى الثنائي راشد الماجد وأسماء لمنور أغنية “خاينة” وهي في الأصل أغنية مزود تونسية، وأيضا الفنان الإماراتي حسين الجسمي الذي أعاد غناء “هاك دللي” لملك الفن الشعبي التونسي الهادي حبوبة.

ويحدّث التاريخ التونسي المُعاصر أن الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة منع ولوج “المزود” إلى وسائل الإعلام الرسمية من إذاعة وتلفزيون، فطيلة فترة حكمه الممتدة زهاء الثلاثة عقود، تحديدا من العام 1956 وحتى العام 1987 لم يكن ممكنا برمجة أغنية شعبية من نوع “المزود” ضمن البرامج الإذاعية والتلفزيونية ولا حتى في المهرجانات الجهوية.

و”الزندالي” هو تعبير موسيقي سجني ينتجه “البانديّة” (الفتوّات) داخل السجون. وكان هذا الفن مقصيا من الحياة الثقافية في تونس في زمن حكم بورقيبة لأسباب سياسية واجتماعية وربما ذوقية أُحادية، باعتباره فنا رديئا وهجينا، أو لأنه يثير أشجان الطبقة الفقيرة، كما أن فن الزندالي الذي هو في الأصل يعتمد على “المزود” يُغنّى في الجلسات الخمرية، ما زاد من ازدرائه اجتماعيا. إلاّ أن النظرة الدونية للفن الشعبي الأول في تونس تغيّرت بعض الشيء مع انتهاء حكم بورقيبة للبلد، على الرغم من رفضه اجتماعيا في بعض الأوساط خاصة منها البرجوازية أو ما تبقى منها.

وفي العام 1991 فاجأ المسرحي التونسي فاضل الجزيري جمهور مسرح قرطاج ومن بعده فضاء الزينيت بفرنسا بعرض فرجويّ ضخم حمل من العناوين “النوبة” عدّ حينها حدث الموسم، جمع فيه كل أقطاب الفن الشعبي والبدوي على السواء أمثال الراحل إسماعيل الحطاب والراحلة فاطمة بوساحة والهادي حبوبة وصالح الفرزيط، بل وحتى بعض الفنانين الوتريين الذين صدحت أصواتهم بكلمات الفن الذي ما عاد “هجينا” على غرار ليليا الدهماني وصلاح مصباح والهادي دنيا والمنصف عبلة ولطفي بوشناق.

وهذا الأخير، أي لطفي بوشناق، عاد ثانية وبعد حوالي ثلاثة عقود من حفله القرطاجي الكبير، ليكون ضيف شرف صوتا وتمثيلا لمسلسل نجله عبد الحميد بوشناق المعنون بـ”نوبة” بجزأيه (2019 و2020) والمستلهم من أجواء حفل قرطاج في العام 1991.

فباتت كلمات تتر/ جينيريك (الشارة الموسيقية) للمسلسل التي وضع كلماتها صلاح الدين بوزيان ولحنها وغناها لطفي بوشناق، ترند المنصات ودندة الحناجر لعامين مُتتاليين، والتي تقول كلماتها:

“عُشّاق الدِّنيا عْقولْهم مَسْلوبَه      

والدِّنيا خَـضْرا مزيْنَه وْمَطلوبَه

***

والدِّنيا حْـلُوَّه والشْهَدْ يْقَـطَّرْ      

واللّي يُخْطُبْها تْقُولّو مَخـطوبَه

***

والدِّنيا عْزُوزَه شَايْبهْ وتْشَيِّبْ     

والنّاس سْكارى عْيونهم مَعْصُوبَه

البَعضْ منهم عـامْلِينْ أرانبْ           

والبعض في وسط الذيُوبه ذيُـوبه

***

والطَبْلْ يِدْوِي والشْطيحْ يْدَوِّخْ      

والحَفْلَه حَـمْرَا والزْرِدْ مَـنْصُوبَه

   بِعْتْ المْخَيَّرْ في حْوانِتْ رَاسِي         

ودْخَلْتْ مْعَاهُمْ، هِـي نُـوبَـه نُـوبَـه“.

ونتيجة هذا النجاح المدوّي للأغنية أردفها بوشناق الأب بأغنية ثانية في العام 2020 حملت عنوان “كيف شبحت خيالك” لا تزال حديث الناس وترنّمهم إلى حد كتابة هذه الأسطر، وهي التي يقول مطلعها:

“كيف شبحت خيالك

لا وسّع لا بالك

ڨلبي نڨّز مالضلوع مشالك

***

شوفي إنتِ فين وشوفي أنا فين

يا نوّارة العين…

إنتِ فوڨ الشمس في العلالي“.

فهل يُمنع بوشناق المتعوّد على الحضور القويّ على خشبة المسرح البلدي بالعاصمة، من إنشاد أغنيته “الراقصة جدا” إلى عشّاقه بدعوى المُحافظة على المعلم من الانهيار والتهاوي؟ لا أظن حقيقة.

المزود، يا أهل الثقافة والفن، هو جزء من الثقافة التونسية وتراثها الشعبيّ الحيّ، يستمتع بأنغامه الحضري كما الريفي، ولصوته رنين خاص يُبدع في أدائه المزاودي الحقّ الذي ترتفع نسبة حماسته ويشتدّ صفيره في قلب المزود مع تصفيق الحضور وتشجيعهم له وطربهم لمعزوفته وطلبهم المزيد، حيث يقوم بعض المُنسجمين مع “صيحاته” -نسبة إلى القطعة التي يخرج منها الصوت والمسمّا بالصيّاحة- بحركات راقصة تفاعلية على غرار رقصة “البطايحي” ورقصة “الزوفري” انسجاما مع الأصوات اللحنية التي تصدر عن الآلة ،على الرغم من أن الألحان تأتي أحيانا متّسمة بالحزن والشجن على غرار أغنية “ارضى علينا يا لميمة” لصالح الفرزيط أو “يا ميمتي الغاليّة” لسمير الوصيف و”يا نجوم الليل الضوّاية” لهشام سلام وغيرها الكثير.

المسرح_البلدي#
تونس#
ثقافة#
زهير_الرايس#
فوزي_بن_قمرة#

عناوين أخرى