ثقافة

فيروز … “عيد للدنيا” يوحد اللبنانيين ويختزل عبقرية الموسيقى

وجدي بن مسعود

كلمة السر التي توحد اللبنانيين في أوقات السلم وزمن الحرب، والمرأة التي توقفت لأجلها الحرب يومًا وسكتت المدافع والبنادق حتى يصدح صوتها، أسطورة تتعالى على الانتماءات والانقسامات الطائفية، في بلد كانت الحساسيات المذهبية قدرها منذ تأسيسها قبل 100 عام.  

هدنة من أجل فيروز

صيف العام 1981، كان من المقرر أن تحيي فيروز حفلاً على ركح مهرجان جرش بالأردن في دورته الأولى.

كان المهرجان تحت رعاية عقيلة العاهل الأردني الراحل الملك الحسين، حرصت على تأمين انطلاقة ناجحة عبر مشاركة أبرز الفنانين وعلى رأسهم “جارة القمر” قبل أيام من موعد الحفل أبرقت فيروز إلى المنظمين معتذرة عن الحضور واستحالة سفرها إلى عمان جراء تدهور الأوضاع الأمنية واحتدام المعارك بين شطري العاصمة بيروت، خلال الحرب الأهلية التي كانت تدخل عامها السادس.

اتصل الملك حسين بالرئيس اللبناني لاطلاعه على الموقف، والذي أمن بدوره اتصالات بمختلف المليشيات المتقاتلة على الأرض، وتم التوافق على هدنة لمدة يوم واحد كرامة لجارة القمر حتى تتمكن من السفر.

فيروز نجمة أسطورية حطت من السماء في ليلة ميلاد عجائبية على قمة شجر الأرز، تلألأت بصوت حمل ترانيم الملائكة وتسبيحات القديسين، لتجعل من لبنان درة المشرق والمغرب.

في خضم انقساماتهم شيعًا وطوائف سياسية ومذهبية، لم يجل بأذهان اللبنانيين يوما السؤال عن انتماء السيدة الديني وملتها أو فريقها السياسي، فهي ثورة وطنية وملك على المشاع مختوم في قلوب اللبنانيين، فلا فرق بين مسلم ومسيحي إلا بمكانة ومحبة فيروز.

في خضم كل الأزمات التي عصفت بلبنان والهزات التي شهدها، كانت جارة القمر خطًا أحمر، وحتى في غمرة الحراك السياسي الذي تشهده البلاد منذ ما يزيد عن السنة، لم ينسَ اللبنانيون الاحتفاء “بعيد الدني”، هكذا يجتمعون على توصيف ذكرى ميلاد السيدة، تسمية أقرب إلى البشارة والكرامات، كيف لا وصوتها تجلي لمعجزات السماء على الأرض.

من القدس إلى الأندلس

طوال مسيرتها التي اقترنت بالرحابنة والأخوين عاصي ومنصور، كانت فيروز أبعد ما يكون عن الأنظمة وبلاط الحكام، غنت فيروز للمدن، وشدى صوتها على المسارح بعبق الموشحات الأندلسية مستحضرة حكايات الفردوس العربي المفقود، وغنت بالأرمينية مجسدة التنوع الثقافي، وأثر الموسيقى العربية على الحضارة الشرقية، وغنت للقدس وتلك حكاية أخرى.

في زمن عرف انخراط كثير من أعلام الفن العربي في التغني ببعض الزعماء، من باب التحمس للقضية القومية وترديد الأناشيد الوطنية في أوقات الحرب، اختارت السيدة أن تجسد التزامها الفني برسالة صلاة إلى القدس، فاختزلت أشواق المؤمنين جميعًا، وحدت قلوب المستمعين عند مسرى الأنبياء، أملاً في نبوؤة يحملها صوتها عن غضب عربي يغسل عن الأرض المقدسة أدران الاحتلال.

بعد سنوات من الاعتكاف والابتعاد عن الأضواء، كانت إطلالة فيروز في استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لحظة عاطفية غامرة لكل اللبنانيين والعرب على السواء، توارى شبح الموت والدمار، وانقشع السواد الذي غلف ست الدنيا منذ مأساة مرفأ بيروت، لتشرق ابتسامتها الدافئة مجللة بالفرح وعنوانًا للأمل، وليختزل ترند “تسلم هالطلة” فيضًا دافقًا من الحب والشوق العفوي.

 في موقف استثنائي قبلت فيروز وسام جوقة الشرف الفرنسي من ماكرون، تكريم رسمي وصفته بأنه يتجاوز شخصها ليشمل شعبها وبلادها في ظروف عصيبة، أملاً أن يكون مقدمة لعودة مواسم الفرح والاستقرار إلى لبنان. لكن النقد لم يرحمها، لقبولها استغلال ماكرون لها في لحظة جدل لبناني محتدة.