رأي عرب

فلسطين تستعيد حضورها في وجدان أوروبا وضمير العالم

محمد بشير ساسي
منذ بداية العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة ردا على عمليّة “طوفان الأقصى” المزلزلة في السابع من أكتوبر 2023، بدا واضحا أن الحرب لا تجري في فراغ على الرغم من صغر مساحة القطاع والخلل الفادح في موازين القوى بين طرفي المعركة واضمحلال القوة المعيارية والأخلاقية وتآكل مبادئها في “الغرب” الذي اختار الانحياز الأعمى إلى السردية الإسرائيلية المهووسة بتجريم المقاومة الفلسطينية وإثارة حالة نفسية ما يُشرعِن الانتقام المجنون من سكان القطاع بأكمله بعد نزع الصفة الإنسانية عنهم…
قضية مؤثرة
مع اقتراب دخول حرب الإبادة الصهيونية شهرها التاسع وما خلّفته من كارثة إنسانية مروّعة فاقت كل حدود العقل البشري ووصل صداها إلى كلّ أرجاء العالم، تغيّر بفعلها كثيرا المزاج الدولي على المستويين الرسمي والشعبي ومالت معه بوصلة التعاطف صوب فلسطين وقضيتها العادلة التي لم تكن حاضرة ومؤثرة في المشهد كما هي حاضرة الآن وفق تقديرات المراقبين بعد تحوّلها من قضية مركزية في عيون المسلمين وفي منطقة الشرق والشرق الأوسط إلى قضية مركزية في العالم بأسره..
فتطورات الحرب المستمرة وإن كانت شديدة القسوة على المدنيين في غزة لكنها تحملُ في طياتها فرصًا استراتيجية عديدة من بينها استعادة فلسطين حُضورها العميق في وجدان العالم وكذلك عدم عودة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى ما كان عليه مساره منذ توقف المفاوضات السياسية بين الجانبين منذ إبريل 2014 وإصرار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على نسف أي حلّ للدولتين من أجل خلق واقع جديد يتجاوزُ الأسس التي قام عليها هذا الحل حتى بات الرجوع إليه أمرا صعبا خصوصا بعد تبني الكنيست الإسرائيلي في فبراير الماضي قرار الحكومة الإسرائيلية المناهض للاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة بأغلبية كبيرة كذلك واستخدام الولايات المتحدة الفيتو في مجلس الأمن الدولي في أبريل 2024 لمنع صدور قرار يفتح الباب أمام منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
وفي الوقت الذي ظن فيه نتنياهو رئيس الحكومة الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل أنه في طريقه إلى ترسيخ دوافعه السياسية والعقائدية والتاريخية القديمة بعدم قيام دولة فلسطينية ما دام في منصبه، دخل على الخط اعتراف 4 دول أوروبية بها وهي (إسبانيا-النرويج- إيرلندا- سلوفينيا) في انتظار اتخاذ دول أخرى الخطوة التاريخية ذاتها. وهذا يعني أنه خلال فترة قصيرة ستكون 13 دولة أوروبية قد اعترفت بالدولة الفلسطينية من أصل 27 دولة يضمها الاتحاد الأوروبي، وهذا بحد ذاته مكسب مهم لفلسطين وللقضية الفلسطينية، حيث يبلغ الآن العدد الإجمالي للدول التي تعترف بفلسطين 147 دولة من أصل 193 دولة عضوا في الأمم المتحدة.
اعتراف مزلزل
وفي الواقع أُعيد فرض موضوع الاعتراف “بدولة فلسطينية” على الطاولة من قلب أوروبا في فترة حساسة تناغما مع اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بأحقية فلسطين في العضوية الكاملة بالمنظمة الدولية، لتتبعثر أكثر أوراق الحكومة اليمينية وتتضاعف حجم الضغوط المسلطة عليها سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا وقانونيا جراء حرب “استنزاف”ستدخلُ إلى الوعي العام باعتبارها أسوأ فشل في تاريخ حروب إسرائيل منذ تأسيسها وفق تقدير إسحاق بريك الجنرال المتقاعد في الجيش الإسرائيلي، سواء من حيث الضربات القوية للمقاومة أو صمود الشعب الفلسطيني والشعور بالهزيمة المهينة والعزلة الدولية.
كان من الطبيعي جدا أن موجة تسونامي الثانية التي ضربت إسرائيل في وقت وجيز بعد طلب المحكمة الجنائية الدولية استصدار مذكرات توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب  أدخلت الـحكومة في حالة هستيريا، لتردّ عليها بطريقة متهوّرة عبر خطاب دبلوماسي غاضب ضد (إسبانيا-النرويج- إيرلندا) وصل إلى حد  توبيخ سفرائها الثلاثة في تل أبيب وفرض المقاطعة عليهم بعدم استدعائهم لأي مراسم دبلوماسية احتفالية بالإضافة إلى الحد من تحركات وتنقل دبلوماسيي هذه الدول في الضفة الغربية أو الاتصال والتواصل مع السلطة الفلسطينية. كما طال الانتقام الإسرائيلي الفلسطينيين عبر الإعلان عن توسيع الاستيطان وإلغاء “قانون فك الارتباط “في عدد من المستوطنات المخلاة منذ عقدين بشمال الضفة الغربية، وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على السلطة الفلسطينية.
وبقدر ما تعكس ردود الفعل هذه صدمة سياسية في إسرائيل بفعل الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطينية فإنها تظهر  وفق مختصين بالشأن الإسرائيلي حقيقة الحساسية المفرطة والمتجذرة بالعقل السياسي في تعامله مع الملف.. ملف حارق أُعيد فتحه مجددا بثقل سياسي أكبر والتزام قانوني-أخلاقي يضعان كوابح أمام التغول الإسرائيلي المصر على تدمير أي لبنة لمشروع الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته وتعزيز علاقاته الدولية وفق القواعد القانونية مع المجتمع الدولي.
ظروف معقدة
صحيح أن هناك إجماعا حول أهمية الاعتراف بدولة فلسطينية لكونها ورقة ضغط قوية في هذه المرحلة بالتحديد تظهر الوحدة في محاولة التأثير الدبلوماسي والسياسي من أجل وقف الحرب على غزة وإنهاء مأساة سكانها بدرجة أولى ثم إتاحة الفرصة للفلسطينيين وتوفير المناخ المطلوب لنيل حقهم في تقرير مصيرهم. لكن في هذا السياق ثمة من يستبعد أن يكون للإجراء أي تأثير عملي ملموس سيظل يكتسي طابع الرمزية في ظل ظروف معقدة ومتشابكة ومن دون تغيير  في واقع موازين القوة.
وهنا يمكن الوقوف على جملة من المعوقات التي سيصطدم بها مشروع الشعب الفلسطيني بكل مكوناته النضالية في فرض دولته المستقلة على الأرض على حدود الرابع من يونيو لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حقوق اللاجئين وفق مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
1- عقلية الإلغاء واحتكار الضحية: سبق للمفكر المصري الراحل  الدكتور عبد الوهاب المسيري أن قدم قراءة معمقة للعقلية التي تحكم المجتمع اليهودي، ففي كتابه الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ لفتَ النظر إلى فكرة: “احتكار الضحية” أو “احتكار الإبادة” في هذه العقلية بالعودة إلى التراث الديني والثقافي الذي شكّلها؛ وكذلك حالة التأثير والتأثر بالفكر الغربي الاستعماري المادي.
يقوم جوهر الفكرة الصهيونية على عدم قدرة الجماعات اليهودية على الاندماج في البلدان التي تعيش فيها، وحالة العداء والرفض التي تواجهها هذه الجماعات أينما حلَّت؛ وأنها كانت دائمًا “ضحية” لسلوك “الأغيار” أو غير اليهود تجاهها.
وهي عقيدة تستند إلى الكوارث التي حاقت – تاريخيًا- باليهود (الاضطهاد في روسيا القيصرية والإبادة النازية) التي قد تحيق بهم في المستقبل، وإلى الخوف من الإبادة، وأنه من المفترض أن يوفر المشروع الصهيوني لهم في فلسطين المحتلة “إسرائيل” الملاذ الآمن، حيث يحكمون أنفسهم بأنفسهم دون أن يكونوا تحت سطوة أحد. وعلى أساس ذلك، فإن الصهاينة يُقدمون أنفسهم باعتبارهم الضحية المضطهدة المعرَّضة دائمًا للتهديد؛ والتي ما دامت في بيئة معادية، فمن حقها ارتكاب أي فظائع ضدّ “الأغيار” للحفاظ على نفسها.
ومما يعزّز فكرة “احتكار الضحية” أن العقلية الصهيونية تتميز بأنها عقلية إلغائية، تكرس الشعور الجمعي لدى اليهود بأنهم “شعب مميز” سواء لأسباب دينية متعلقة بنصوص توراتية (محرّفة) أو تلمودية أو لأسباب قومية متعلقة بالانتماء إلى اليهود أمة، في المقابل إلغاء الآخر بتقديم فلسطين باعتبارها أرضًا بلا شعب لشعب بلا أرض (إلغاء الشعب الفلسطيني)، وكل ما يرتبط بذلك من عنف وتطهير عِرقي وتشريد.
2- التطرف السياسي: في السابق، تمثّلت قوة اليمين المتطرف في مقاعد معدودة من أصل 120 إجمالي عدد مقاعد الكنيست، وتدرجت بعض شخصياته داخل المشهد السياسي عبر أحزاب اليمين التقليدي، واستغلت أزمة الحكم وعدم الاستقرار السياسي، خلال السنوات الماضية، لتشكل تحالف أحزاب “الصهيونية الدينية.
ويمثل اليمين المتطرف كل التيارات الدينية داخل الحركة الصهيونية، حيث يعتبر عرّاب المشروع الاستيطاني في فلسطين التاريخية والركن الداعم لإسرائيل، دولة يهودية. وتختلف أحزاب اليمين المتطرف، سياسيا وأيديولوجيا، عن اليمين التقليدي، بدعوتها إلى فرض السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية والإعلان عن الدولة اليهودية في كل فلسطين التاريخية، ورفض منح أي درجة من الاستقلال الذاتي للفلسطينيين.
اليوم وبعد أن أصبح اليمين المتطرف رقما صعبا في المشهد السياسي داخل إسرائيل، صدح صوت الصهيونية الدينية بقوة بعد تهديد أبرز زعيميه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (حزب القوة اليهودية) ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش  (حزب الصهيونية الدينية) بإسقاط الحكومة  الائتلافية إذا دخل نتنياهو في اتفاق بشأن غزة يتضمن إنهاء الحرب دون القضاء على حماس.
ويعتقد تحالف “الصهيونية الدينية” أن “الشعب اليهودي” ليس عاديّا مثل مختلف الشعوب كما تؤمن “الصهيونية العلمانية” حتى لو انتهت وضعية “الشتات” وعاش حياته في “أرض إسرائيل” وإنما هو “شعب الله المختار الفريد والمقدس”.
وخلافا لـ”الصهيونية العلمانية” التي ترى في “أرض إسرائيل” الوطن الروحي والتاريخي للشعب اليهودي، فإن أحزاب اليمين المتطرف تتفق على أن “أرض إسرائيل مقدسة اختيرت حتى قبل اختيار الشعب لتشكل جزءا من الميثاق الإلهي بين الرب واليهود عبر توراة إسرائيل” وفق معتقداتها.
كما تعتبر بقاء “أرض إسرائيل” كاملة -في ظل السيادة الإسرائيلية، واستيطانها اليهودي- فريضتين دينيتين لا تقلان عن باقي الفرائض الدينية الأخرى، بل وتتقدمان عليها. ويحظر تأجيلهما باعتبار أن “الخلاص” وإنقاذ الشعب اليهودي قد بدأ مع الجيل الحالي.
وقد أفتى العديد من حاخامات “الصهيونية الدينية” بأن ما يجب أن تقترحه حكومة تل أبيب على الفلسطينيين هو “الرحيل عن “أرض إسرائيل” أو الخضوع المطلق للحكم اليهودي، أو الحرب”.
3- الدعم الأمريكي: تصر الولايات المتحدة على أن قيام دولة فلسطينية يجب أن يتحقق من خلال المفاوضات والحوار المباشر بين الفلسطينيين والإسرائليين وليس اعترافا أحادي الجانب.
ويرتبط هذا الحل برغبة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في إيجاد مخرج للحرب الإسرائيلية على غزة من خلال طرح مشروع حل سياسي للقضية الفلسطينية قائم على أساس الاعتراف الإسرائيلي بقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، لكن ضمن سياق المفاوضات مع الفلسطينيين، مما يعني أن نتيجة المفاوضات سيحددها الطرف الأقوى وصاحب الأمر الواقع على الأرض، مما قد يفرغ مصطلح الدولة من مضمونه الحقيقي.
 كما أراد بايدن مساعدة الكيان على الخروج من ورطته في غزة في سياق لا يفرض عليه شكلا محددا للكيان الفلسطيني الذي سيقوم، والذي قد لا يختلف كثيرا عن صيغة الكيان القائم في الضفة، بالإضافة إلى الاستفادة من هذه الأجواء لإطلاق حالة تطبيع عربية، إنجازا يحمله في سياق حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقررة في نوفمبر  المقبل.
ويمكن القول إن المقاربة التي عمل عليها بايدن اختلفت ولو شكليا على الأقل مع المقاربة التي عمل عليها سلفه دونالد ترامب ضمن مشروع صفقة القرن ووافقت عليه إسرائيل، حيث يدعو إلى حل القضية الفلسطينية بالمفاوضات المباشرة دون أن توضع الدولة الفلسطينية هدفا له، وفي إطار تطبيع عربي شامل عرف باتفاق أبراهام، وقد رفضت السلطة الفلسطينية هذا المشروع.
أما الآن وفي إطار حالة التشدد التي تجتاح إسرائيل بكل أطيافها السياسية فقد رفضت حكومة الاحتلال أن تتجاوب مع مطلب الإدارة الأمريكية حتى ولو كان هذا المطلب شكليا ويوفر لها حالة من الاندماج في المنطقة برعاية أمريكية، بل ويوفر لها مخرجا من الوضع الحالي في غزة، ويضمن تشغيل السلطة الفلسطينية (المتجددة) في الفراغ المحتمل أن ينشأ بعد نهاية الحرب.
4- تشويه الجغرافيا الفلسطينية: وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في 13 سبتمبر 1993 اتفاقية إعلان مبادئ أصبحت تعرف في ما بعد باتفاقية أوسلو للسلام، واحتوت على مبادئ عامة لمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات من الحكم الذاتي الفلسطيني. كان من المفترض أن تفضي المرحلة الانتقالية إلى حل دائم ينتهي بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 إلى جانب دولة إسرائيل.
 لكن شجعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الاستيطان في الضفة الغربية عن طريق تقديم الامتيازات ممّا أدى ذلك إلى طمس معالم الخط الأخضر وضم فعلي إسرائيلي للمستوطنات في الضفة الغربية وذلك عن طريق سن العديد من التشريعات والقوانين التي تجرم مقاطعة المستوطنات من جهة وتؤكد دعم “الاستيطان اليهودي” من جهة أخرى.
ومنذ تشكيل حكومة نتنياهو نهاية  2022 وبداية العدوان الوحشي على قطاع غزة، سرّعت إسرائيل المصادقة  على بناء المستوطنات التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، حيث أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أن سلطات الاحتلال نفذت خلال عام 2024 أوسع عملية استيلاء على أراضي الضفة الغربية منذ 30 عاما بدعوى أنها أراضي دولة إذ بلغت ما مجموعه 10 آلاف و640 دونما (الدونم يساوي ألف متر مربع) ما بين شرقي مدينة القدس المحتلة وأراضي الأغوار (شمالي الضفة). وحسب تقديرات فلسطينية، يقيم أكثر من 720 ألف إسرائيلي في مستوطنات غير قانونية بالضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
كما لم تسلم مدينة القدس من الانتهاكات الإسرائيلية وتعزيز مخططات التهويد وفرض أمر واقع جديد لإنهاء قضية القدس من خلال الدمج ما بين شطري المدينة الشرقي والغربي، عبر إقامة البنى التحتية، سواء كانت أنفاقا أو جسورا أو سككا حديدية وغيرها”.
كما يحاول الاحتلال تقليص نسبة السكان الفلسطينيين في المدينة لتصبح أقل من 26.5%، في حين يظل اليهود يشكلون الأغلبية بأكثر من 70% وذلك عبر  تنشيط الحياة العمرانية في جبل المكبر من خلال ربطه بالقدس عبر بناء مستوطنات جديدة. كما أن الخطة تشمل بناء جدار جديد حول القدس يُعتبر جزءا من الجهود الدفاعية، وتوطين 7 آلاف يهودي في هذه المنشآت الجديدة في مرحلة أولية.
5- سلطة فلسطينية ضعيفة: لجأت منظمة التحرير إلى إعلان قيام الدولة على الأراضي المحتلة عام 1967 فيما عرفت بوثيقة الاستقلال في 15 نوفمبر1988 محاولة من الزعيم الراحل ياسر عرفات لقطف ثمار الانتفاضة التي اندلعت في 8 ديسمبر 1987، وذلك في إطار مسار سياسي بدأ ببرنامج النقاط العشر عام 1974، والذي دعا إلى إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء يتحرر من الأرض الفلسطينية.
ومنذ التوقيع على اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر 1993 وما تلاه من قيام حكم ذاتي فلسطيني في غزة وأريحا ليشمل الضفة الغربية لم يتمكن الفلسطينيون من خلال المفاوضات من الحصول على أي شكل من أشكال السيادة الحقيقية على أرضهم، وتم تأجيل مفاوضات الحل النهائي مرات عدة إلى أن وصلت هذه المفاوضات إلى طريق مسدود.
منذ تلك الفترة ظلت السلطة تحاول الاستفادة من الدلالة القانونية للاعتراف، والتي تعني حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واختيار نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما نصت عليه مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وما تزال السلطة الفلسطينية تعتقد أن الطريق السياسي السلمي هو الأسلم لتحصيل هذا الحق، وهو الأمر الذي يتناقض مع المبدإ الذي قامت عليه عملية طوفان الأقصى من قبل حركة حماس، ولبرنامج المقاومة الذي تتبناه في الضفة. ومن هنا، فإن التباين في المقاربات الفلسطينية، بل وسعي السلطة إلى محاربة المقاومة يعيق دمج الجهود السياسية الفلسطينية لصالح الدولة المستقلة رغم أن حماس لم تعارضها، حلا مرحليا دون أن تتنازل عن بقية الأرض الفلسطينية كما ورد في وثيقتها السياسية الصادرة عام2017.
وفي علاقتها المباشرة بإسرائيل تواجه السلطة الفلسطينية منذ تسلّم محمود عباس القيادة في 2005 تحديات مالية وأمنية كبيرة وصلت ذروتها بعد الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطينية مستقلة وأوامر محكمة العدل الدولية بعد بدء وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش تنفيذ جزء من خطته الهادفة إلى انهيار السلطة الفلسطينية منها  وقف تحويل أموال السلطة الفلسطينية المخصصة إلى قطاع غزة من النرويج ووقف تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية وعزل البنوك الفلسطينية عبر عدم تمديد الضمانات للبنوك الإسرائيلية المتعاملة.
 بالإضافة إلى ذلك تعيش السلطة الفلسطينية على وقع اخفاقات  داخلية متعددة في علاقة بالأداء السياسي وسوء الحكم والاختلاف الجوهري مع فصائل المقاومة حول مسألة النظال ضد الاحتلال مما تسبب في انخفاض شعبية السلطة الفلسطينية وتضرّر صورة الرئيس وفق ما تشير إليه دراسات استقصائية.
في كل الأحوال يعكس اعتراف 4 دول  أوروبية بالدولة الفلسطينية مؤشرا لاحتمال لحاق دول أخرى بالقائمة كما دعت إلى ذلك مجموعة من خبراء الأمم المتحدة باعتباره شرطا مسبقا لسلام دائم في فلسطين والشرق الأوسط بالكامل” والسبيل الوحيد للخروج من دوامات العنف والغضب التي تتوارثها الأجيال”.
وإذا تفسر خطوات حكومات إسبانيا والنرويج وإيرلندا وسلوفينيا بكونها بداية تفكك الموقف الأوروبي الداعم لإسرائيل، فإن ذلك من دون شك أحرج كثيرا المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية وإسرائيل في مرحلة بات فيها الاعتراف بدولة فلسطينية قابلةً للحياة توحّد غزة والضفة الغربية حلا لا رجعة فيه كما يصف وزير الخارجية الإسباني  خوسي مانويل ألباريس لأن خيار السلام وفق تصوّره لا يمكن أن يطبق إلا بتحقيق العدالة  قبل كل شيء..