فــوزي الصدقــاوي
تَحمل هواجسَ التغيير الاجتماعي والسياسي، النخبَ في كل مجتمع، على تجديد فكرها ليكون على درجة من الجاهزيّة، للتعامل مع التحوّلات والمستجدات، والإجابة عن الأسئلة التي تطرحها تحديات التغيير. وأنّ ما يجري على المجتمع العربي وتياراته الفكريّة، يجري على كل المجتمعات، لاسيما حين يُستدعى الفكر الموصوف بـ “القومي/ العربي”، الممثل لأحد تياراته الفكرية الكبرى، بوصفه محضنة تجربته السياسية والثقافية.
وما يواجهه الفكر القومي العربي من تحدّيات، في نطاق تجديد نفسه -حسب عزمي بشارة- ليس رهين الإبداع الفكري، بقدر ماهو نتاج جهد جماعي تراكمي في سياق العمليّة الاجتماعيّة التاريخية، وأنّ ما يشكّله تجديد الفكر في ظلّ الحاجة إليه، من جهة، والدوافع الموضوعيّة والذاتيّة من جهة ثانية، كان دائما مؤثرا وحاسما في بناء الرؤية التي يعبّــر من خلالهما الناس عن واقعهم وتطلعاتهم إلى المستقبل.
أهم الأخبار الآن:
ولقد حملت أسئلة التغيير الاجتماعي والسياسي د. عزمي بشارة في كتابه “أن تكون عربيا في أيامنا” (1)، على نقد الفكر القومي العربي وتحديات تجديده، في علاقة بقضايا الديمقراطيّة والهويّة والعدالة الاجتماعيّة والتحرّر الوطني، بما يُمكن به أن يعيد للفكر راهنيّته.
وفي تقدير بشارة، فإنّ الرؤية التي يبلور في إطارها الفكر القومي العربي مشروعه، لا يمكن أن تنشأ خارج جِماع العناصر المشتركة للفكرة العربية، كما لا يمكنها أن تنمو بعيدا عن الجهد التوحيدي لتيارات هذا الفكر القومي والاتفاق حول المشترك الأدنى. وهي مهمة تحتاج من العقل العربي المعاصر أن يتوسّل بالنقد العلمي لتحرير الفكر، وأن يستلهم من تجربة الأمم ما يكفي لتحرير الأداء السياسي. فالقوميّة في منتهى الأمر، ليست فكرة ينبغي إعادة صوغها أو إصلاحها، وإنّما هي انتماء وجداني وسياسي تحتاج إلى إعادة تأسيسها من أجل السيادة، ومن أجل أن تتحقّق مقاصد الناس ومقاصد دولتهم في آن معا.
وفي رأي عزمي بشار، يتوجّب على التيّارات الحاملة لفكرة القومية العربية إنفاق الجهد لإنجاز مهمّة التوحيد، على قاعدة المشترك الأدنى، وهي الشرط الضروري والموضوعي لتحويل القومية إلى سيادة، ليس باعتبارها مطلبا واقعيا فحسب، بل لكونها ممكنا سياسيا أيضا يتحقّق عبر أمّة ديمقراطيّة تبني سيادتها.
أمّا إذا ما تمّ تسييس هذه الحركة القومية ضمن رؤيّة أيديولوجية لجماعة العرب، فستتحوّل القومية حينها إلى فكرة شمولية تعطّل قدرتها على الإجابة عن أسئلة التجديد، وعلى مجابهة تحديات البناء، فضلا عن مواجهة تحديات العيش. لكن ما تحظى به فكرة القوميّة العربية، باعتبارها مشروعا حضاريا، من اعتراف بوجودها، وبما تعزّزت به من قُــدرتها على التحوّل إلى حاضنة ثقافية واجتماعية وسياسية، وبما تضطلع به من مهام لصالح جماعتها؛ هي مقدّمات أساسية لتشكّل الأمّة ذات السيادة. وستزداد رسوخا وتجذّرا كلما أوفت الحركة الحاملة لـفكرة القوميّة والعاملة عليها بوعودها على مسار تشكّل الأمّة، وأدّت ما تعهّد به من مجابهة التحديات، ومن الاستجابة لمصلحة الجماعة وتطلعاتها، وليس لمصالح القبيلة أو الطائفة.
ومع ما لمقدّمات هذا المشروع من أهميّة، فإنّ تحوّل فكرة القومية العربية من حركة نخبة وجماهير إلى دوائر الحكم ومراكز قراره، لا يجعل تلك المقدّمات كافية لإدارة الدولة ولا لإنجاح أهدافها من منظور تلك المقدمات التي أرست وجوده، ومنحته الاعتراف الواجب. لأن فكرة القومية العربية، بما هي فكرة حديثة، لا تُستكمل إلا متى كان مشروعها قادرا على تحديد الموقف من الديمقراطية وحقوق الإنسان والسياسة التعليمية أو التأمين الصحي، بما يمكّنه من إنجاح مسار الانتقال والمراكمة عليها.
التي ويعتقد عزمي بشارة أنّ تحديات تجديد القومية العربية، ينبغي أن تطرح في أفق كونها مشروعا حضاريا، يجد أفضل تجلياته وأبلغ تعبير عن إرادة الأمة حين يكون في إطار النظام الديمقراطي، وحيث يتجلّى أحد أهمّ مظاهر وجودها السياسي في سيادة الأمة من وجه، وفي مبدإ المواطنة المتساوية من الوجه الثاني. ويذهب بشارة أيضا إلى أنّ الحقوق الاجتماعيّة ضمن هذا المشروع: الصحة، والتعليم المجاني، وحقوق العمّال.. تكتسي أهميّة بالغة، إذ من خلالها تجري عمليّة بناء الأمّة، كما يفسح في الأطر التنظيمية لهذا المشروع حزمة من الحقوق السياسية: أنظمة وأحزاب، وفضاءات للحوار ومخابر بحث ديناميكية، لصهر الفكرة واختبارها وتنضيدها وتقيم مستوى نجاعتها.
يُصيب الفكرة التحجّر، إذا ما عَزَلَتْ نفسها، أو دُفِعَ بها إلى الهامش وصَارَت بمنأى عن العمليّة السياسية والاجتماعية لدى المعارضة وخارج الحكم، وهي تـصبح كذلك بارادة حَمَلَتِها، حين يحوّلون الفكرة إلى أيديولوجيا تبريرية لنظام الحكم، وفي جميع تلك الحالات فإنّ ذلك سيؤدّي بـ”الفكرة/ المشروع” إلى تلاشي ديناميكيتها، وأفول بريقها.
لكن القوميّة العربية التي يُمكن أن تتحوّل إلى أمّة ذات سيادة، شكّلت فيها الممارسة السياسية من داخل الدولة عائقا أساسيا، بعدما فشلت تجربة الحكم في دول مثل مصر وسورية والعراق، فأثّرت سلبا في الفكر السياسي العربي وأعاقت تطوّره، وألحقت خدشا في جوهر فكرة الأمّة ذات السيادة. ولعل علاقة هؤلاء القوميين العرب بقضايا حقوق المواطن والحريات المدنيّة والرقابة على السلطة، كانت إحدى أهم أسباب فشل فكرة توحيد الأمة التي منيَ بها القوميون العرب في الحكم. ما جعل من تجديد الفكر القومي العربي مشروعا ممتنعا عن التحــقّق، وفي الحدّ الأدنى فاقدا للمصداقيّة.
ومن منظور بشارة، فإنّ فكرة القومية العربية، حين تتحرّك على هامش الحكم وفي حيّز المعارضة، فإن اكتفاء القوميين بالتمسّك بشعارات الوحدة ورفض التطبيع وعدم انشغالهم بكيفيّة إدارة المجتمع وببلورة رؤيتهم في الحدّ الأدنى الديمقراطي، لن يجعل المشروع القومي العربي ممكنا وإنّما سيجعله مقبورا في عزلته. فالهامشيّة تركن إلى الدفاع عن التجربة بدل نقدها، وهي في هذه الحالة لا تفعل أكثر من أنّها تزيد في طوباوية الأفكار وشحنها بحُجة المظلوميّة الغاضبة.
وهذه الأفكار، لا يمكنها أن تغادر هامشيتها وتكسر طوق عزلتها، ما لم تنهض إلى البحث عن إجابات عقلانيّة وعن إمكانها الواقعي، وما لم تتخفّف من طوباويّتها، بانخراطها في ممارسة العمل السياسي والاجتماعي، وبما ينضج التجربة ومضمونها الفكري، ويُطوّر استجاباتها المناسبة لحاجات الناس وأقضيتهم، وما لم تحمل هذه التجربة حاملي فكرة القوميّة العربية على حسم الخيارات لفائدة الديمقراطية والحقوق الاجتماعية وحقوق المواطن كعضويّة في الدولة، فالفكر لا ينضج إلّا في مخاض سياقات تلك الممارسة وفي ظل تلك المؤسسات الصلبة.
ويخلص عزمي بشارة إلى أن تبني الدول العربية للديمقراطيّة وهضمها في مؤسساتها المركزية، وإقرار مبدأ المواطنة المتساويّة، سيكون أمام الفكر القومي العربي، من موقع الحكم، فرصة عظيمة لاستئناف حركة التغيير، على طريقٍ صُلبةٍ وبخطى ثابتة، وفي حاضنة جماهيرية متنوعة ومتعددة. تُؤسّس على قاعدة التعاون الاقتصادي، وتشبيك المصالح والمؤسسات الاقتصاديّة الحيوية.. فواقع الممارسة وديناميكيّتها، سيُلهم حامل الفكرة القوميّة الديمقراطي، للإجابة عن أسئلة المرحلة، وسيتأكّد لهذا التيار أنّ الهويّة العربيّة المنفتحة، ستكون له مصدر قوّة، وأساسا مُلهما لرؤيته الفكرية، بوصفها جماعة متخيّلة، وعناصرها المكوّنة لها مستقرة في الواقع وذات جذور ثقافية وتاريخية.
فالقوميّة العربيّة المتخيّلة، كجماعة سياسية، في نهاية التحليل، يمكنها أن تضطلع بمهمة إعادة تشكيل الأُمة ذات السيادة، متى كانت على استعداد للاعتراف والعيش مع جماعات أخرى غير عربية في فضائها السياسي، ومتى تهيّأت للاعتراف بحقوق جماعيّة للجماعات غير العربيّة، على قاعدة حقوق المواطنة المتساويّة.
—————-


أضف تعليقا