"فقر الدورة الشهرية" معاناة صامتة لمراهقات الريف التونسي
tunigate post cover
تونس

"فقر الدورة الشهرية" معاناة صامتة لمراهقات الريف التونسي

للمرة الأولى في تونس تحاول مؤسسة "والله يمكننا" مقاومة فقر الدورة الشهرية في ريف مكثر عبر توزيع كميات من الفوط الصحية بالمجان
2022-09-28 09:09


سمية المرزوقي

عندما زار لطفي حمادي، مؤسّس  جمعية “والله يمكننا” ومديرها، مبيتا للفتيات بجهة مكثر في ولاية سليانة (شمال غرب تونس)، لاحظ اقتطاع أطراف إسفنجية من أسرة نوم المراهقات.

وعند سؤاله المشرفين على المبيت عن السبب الذي يكمن وراء هذا السلوك، أدرك أن المقيمات لجأن إلى تلك الطريقة حتى يستخدمن الإسفنجات بديلا للفوط الصحية المكلفة، لأن أسرهنّ غير قادرة على توفيرها لهنّ.

تلجأ المراهقات إلى تلك الحيلة حتى لا يكون مصيرهنّ التغيب الاضطراري عن مقاعد الدراسة مثل زميلاتهنّ غير القاطنات في المبيت، واللاّتي فضّلن البقاء في البيت لتفادي ما قد يحصل لهنّ من مواقف محرجة في حال لم تكن الأقمشة المستخدمة كافية لمنع التسرب.

يعمل حمادي مع جمعيته اليوم على حماية حقي التعليم والصحة لفتيات المنطقة والحد من ظاهرة التغيب الاضطراري عن التمدرس عبر توفير فوط صحية قابلة للغسيل وتوزّع بشكل مجاني.

“فقر الدورة الشهرية” ظاهرة شائعة في الدول النامية والفقيرة، حيث تعاني المراهقات والنساء من صعوبة توفير مال لاقتناء الفوط الصحية، فتضطر الكثيرات إلى بدائل تقليدية تسبب لهنّ مشكلات صحية كثيرة تزداد تعقيدا في المناطق الريفية التي تفتقر إلى التوعية والتربية الجنسية منذ الصغر.

أجبرت كل هذه العوامل التلميذات المراهقات في أرياف تونس أيضا على إيجاد حلول بدائية اعتمدن فيها على استخدام أقمشة مستعملة وغير نظيفة.

ولمقاومة فقر الدورة الشهرية وتفادي المخاطر الصحية وانعكاساتها النفسية على هذه الفئة الهشة من الفتيات، تحاول مؤسسة “والله يمكننا” منذ تأسيسها عام 2012 توفير فوط صحية مجانية وتنظيم ورشات للتربية الجنسية يحرص فيها أخصائيو طب نفس الطفل والمراهق وطب النساء على تفسير مرحلة البلوغ وكل ما يتعلق بجسد المرأة بأسلوب بيداغوجي يبسّط المعلومة للمراهقات.

ماذا يعني فقر الدورة الشهرية

فقر الدورة الشهرية هو سوء إدارة النظافة الصحية في حالة الحيض. ويعني ذلك صعوبة الحصول على منتجات النظافة الصحية لقلة توفّر المال لاقتنائها.

تربط الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، الإدارة الجيدة للنظافة الصحية في حالات الحيض بشكل مباشر بتحقيق العديد من أهداف التنمية المستدامة مثل ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع، وتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات من التعليم وضمان توفّر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع.

ويفسّر صندوق الأمم المتحدة المسؤول عن قضايا الصحة الجنسية والإنجابية أن حقوق الإنسان هي التي يتمتّع بها كل شخص بحكم كرامته الإنسانية، لذلك يتم ربط الحيض ربطا مباشرا بالكرامة الإنسانية. فعندما لا يكون لدى المرأة إمكانية الوصول إلى مرافق الصرف الصحي الآمنة والوسائل الفعالة لإدارة عاداتها الصحية أثناء الدورة الشهرية، فإنه لا يمكنها إدارة فتراتها الشهرية بكرامة. وكل المضايقات المرتبطة بالدورة الشهرية تقوّض كرامة الإنسان.

وظاهرة فقر الدورة الشهرية فيها مساس ببعض الحقوق الأساسية والعدالة الاجتماعية، مثل الحق في التعليم عند امتناع الفتيات عن الذهاب إلى المدارس وهنّ في فترة الحيض، والحق في الصحة عند إصابة المراهقات بأمراض التهابية جراء استخدام أقمشة غير نظيفة، وحق العمل عند عدم احترام خصوصيات الدورة الشهرية للعاملات، والحق في عدم التمييز بين الجنسين الشائع في المجتمعات المحافظة والريفية في كل ما يتعلق بالدورة الشهرية.

جهود المجتمع المدني

منذ تأسيسها، تمكّنت مؤسّسة “والله يمكننا”  من توزيع أكثر من 8500 فوطة صحية قابلة للغسيل لأول مرة في تونس، في مكثر من ولاية سليانة. وتعمل المؤسّسة التونسية غير الربحية على تحسين ظروف العيش والدراسة لتلاميذ منطقة مكثر وسكانها من خلال اقتراح حلول اقتصادية مستدامة وصديقة للبيئة.

ويؤكّد لطفي حمادي في حديثه مع بوابة تونس أن “المؤسّسة تعمل على توفير منتجات مجانية وخلق مواطن شغل وتحقيق نتائج مستدامة”، وهو ما يميّز استراتيجيتها التي “تولي النتائج الأهمية القصوى مهما كان الوقت الذي تستغرقه لتتحقّق”.

ولتوفير كميات من الفوط الصحية المجانية، تعتمد المؤسّسة على مبيعات السراويل الداخلية القابلة للغسيل إلى أسواق خارجية، بالتعاون مع “شانتيل” الشركة الفرنسية الرائدة في العالم في صناعة الملابس الداخلية.

ونجحت “والله يمكننا” بالفعل في بيع أكثر من 2500 قطعة من السراويل الداخلية، بعد صناعتها في المنستير (شرق تونس) داخل المصانع التابعة للشركة الفرنسية.

وهي إلى جانب توفير الفوط الصحية والورشات التثقيفية للمراهقات، تعمل كذلك على توفير منظومة متكاملة من الظروف الصحية التي تحفظ كرامة المتساكنين وتوفّر لهم مصدر رزق. ومن بين مبادراتها مثلا تمويل إجازات خالصة الأجر للعاملات بسبب آلام الدورة الشهرية.

ويودّ رئيس الجمعية حمادي نقل التجربة تدريجيا إلى مناطق أخرى في تونس، موضحا لبوابة تونس: “نحن نعمل أولا على تثبيت مشروعنا وبلوغ أهدافه ودراسة نواقصه على الصعيد المحلي بدرجة أولى ثم عند التأكّد من نجاحه وتصويب أخطائه، حينها فقط يمكن نقل النموذج إلى مستوى الولاية ثم إلى المستوى الوطني”.

فوط صديقة للبيئة والجيب

كشفت دراسة بريطانية أجراها معهد الاستدامة العالمية البريطاني أن 11 ألف فوطة صحية هو متوسط مجموع ما تستخدمه النساء خلال حياتهنّ، ثم يتخلصنّ منها، لينتهي بهن الأمر في المكبات ومحارق النفايات والمستنقعات المائية.

الاستخدام الواسع لهذه المنتجات التي تستعمل لمرة واحدة يأتي بتكلفة بيئية باهظة في نهاية الاستخدام. وتشير التقديرات إلى أن الفوط الصحية العادية غير العضوية يمكن أن تستغرق من 500 إلى 800 عام لتتحلّل ويشكّل البلاستيك كمية كبيرة من هذه المنتجات.

ولتفادي الضرر البيئي الهائل، تعدّ رسكلة هذه الفوط حلا ناجعا، لأنه يقلّل إلى حد كبير من تكدّسها في النفايات.

كما أن اقتناء مجموعة فوط صحية قابلة للغسيل يمكن أن يوفّر الكثير من المال، فالنساء في سائر العالم حتى في الدول الغنية مطالبات بتخصيص مبلغ شهري لشراء الكمية التي يحتجن إليها.

ومع ارتفاع أسعار المواد الأولية المستخدمة في صناعة الفوط الصحية المتزامن أيضا مع ارتفاع أسعار البنزين للعربات الناقلة لهذه السلع، سترتفع بالضرورة  أسعار الفوط في كل مرة وهو ما سيزيد من حجم المصاريف بصورة آلية.

تونس#
صحة#
مرأة#

عناوين أخرى