دعا الباحث الأكاديمي التونسي الدكتور سامي الجلولي، إلى إعفاء وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، على خلفية عجزها عن مواجهة ظاهرة “السطو” على رموز التراث التونسي.
وفي تدوينة نشرها على “فيسبوك”، اعتبر الدكتور سامي الجلولي، أن الوزيرة أمينة الصرارفي، تفتقد إلى أي استراتيجية تخص الشأن الثقافي، ما فاقم حالة الركود التي تواجهها الإدارة وعديد المؤسسات الثقافية العريقة.
أهم الأخبار الآن:
تراث يواجه السطو والسرقات
النقطة الأبرز التي ركز عليها الدكتور الجلولي، في جرده لحصيلة إخفاقات وزيرة الثقافة، فشلها في الدفاع عن من رموز التراث التونسي، بعد أن بات في السنوات الأخيرة عرضة لحالات سطو من عديد الجهات والدول التي تنسبه إليها، وتدعي احتكاره.
وعلق الدكتور الجلولي على هذه القضية بالقول: “لعل النقيصة الأبرز تكمن في برودة التفاعل مع ملفات السطو على التراث التونسي”.
وخلال السنوات الأخيرة، تركزت المعارك الدبلوماسية والثقافية، دفاعا عن التراث الوطني، في مجال التراث اللامادي، والذي يشمل عدة الأكلات والأطباق التقليدية، اللباس، المعمار، وغيرها.
وتشكل هذه العناصر، أحد أبرز مقومات الهوية التونسية وخصوصياتها، لارتباطها بالعادات والتقاليد والتاريخ.
وعلى مدار العشرية التي أعقبت الثورة، خاضت المؤسسات الرسمية والثقافية في تونس، عدة نزالات ديبلوماسية، وحمالات إعلامية وشعبية، لمواجهة مخططات السطو على بعض معالم التراث الوطني، أو احتكاره من جانب بعض الجهات.
من بين أشهر الحملات التي خاضتها تونس في هذا الإطار، تلك المتعلقة بطبق الكسكسي، بعد سعي كل من المغرب والجزائر، إلى تسجيله ضمن قائمة التراث اللامادي لليونسكو الخاص بهما.
الجهود التونسية، أفضت إلى حل توافقي، يحفظ لهذا الطبق خصوصيته المرتبطة ببلادنا، بتسجيله ضمن ملف مشترك، بين بلدان شمال إفريقيا، باعتباره “إرثا غذائيا بربريا”.
جدير بالذكر أن إثارة الباحث الأكاديمي الدكتور سامي الجلولي، لموضوع التراث الوطني، تزامن مع سجال مع الجزائر، يتعلق بالجبة التونسية، في ظل مساع من “الشقيقة الكبرى”، لتسجيل هذا الزي التقليدي، في قائمة اليونسكو للتراث اللامادي، ما قوبل بموجة انتقادات واسعة من قبل نشطاء ومدونين تونسيين.
ونتيجة لهذا الجدل، أعلنت وزارة الثقافة، عن توجهها لتوثيق الجبة التونسية، وبالأخص ما يعرف بـ “لباس المهدية”، بما تتميز به من تصاميم ومكونات وتطريز.
وعبر المتحدث في هذا السياق، عن رفضه للحلول التوافقية التي اعتمدت لحل الخلافات المرتبطة بالنزاع على حقوق بعض المكونات التراثية، مع بلدان شمال إفريقيا، عبر تسجيله كإرث مشترك.
واستطرد: “ليس هناك تراث مشترك، بل هناك خصوصيات لكل بلد، بل لكل جهة، لكل قرية ولكل ريف من أرض الخضراء، فما بالك بالدول”.
الهريسة والمقروض والتزييف “الإسرائيلي”
“معارك الرموز التراثية”، لا تقتصر على دول الجوار وشمال إفريقيا، بل تمتد إلى الكيان المحتل، والذي لم يكتف بالسطو على أرض فلسطين المحتلة، وتحول خلال العقدين الماضيين، نحو سرقة تراث الدول العربية، من أطباق وفنون وعادات ومعمار، ونسبها إليه، ضمن محاولاته لتكريس مكونات حضارية وثقافية مزعومة لشعب الاحتلال.
المحاولات “الإسرائيلية الموصوفة” لسرقة بعض مكونات التراث التونسي، طالت بعض الأطباق والحلويات التي تعرف بعراقتها، وتاريخها الذي يمتد ‘إلى عدة قرون، مثل “الهريسة“، و”المقروض القيرواني”، فضلا عن أكلة “الشكشوكة”، والتي يطلق عليها كذلك تسمية “العجة”.
وانتقد الدكتور الجلولي، ما وصفه بـ”صمت” وزارة الثقافة، عن محاولات السطو على الرموز التراثية لتونس، مشددا على أن “الصمت أو التأخر في الرد ليس ديبلوماسية بل هو تنازل غير مبرر عن السيادة الرمزية للدولة ودعوة ضمنية للاختلاس والسطو والتجهيل والتتفيه”.
والتدوينة أشارت بشكل ضمني إلى سلبية الوزيرة أمينة الصرارفي، في التعامل مع هذا الملف الحساس، وافتقادها للتعاطي الحازم، فضلا عن وعدم الاستعانة بخبراء ومختصين وأكادمنيين لإدارة هذا الملف، والدفاع عن حقوق تونس بـ”مخالب دبلوماسية وقانونية”.
وأردف: “عندما تسرق ملامح هويتنا من لباس، معمار، مطبخ وتاريخ أمام أعين هياكل الوزارة لن نكون في حاجة إلى سيمفونيات هادئة، بل نحتاج إلى صقور في علم الاجتماع والتاريخ والحضارة والتوثيق والإعلام وفي القانون الدولي يستردون حق الأجيال القادمة”.
وطالب الجلولي، في هذا الإطار، إلى صياغة “دبلوماسية ثقافية هجومية لا تكتفي بالاحتجاج، بل توثق وتسجل في اليونسكو وتفرض الحضور التونسي كمرجعية أصلية”، إزاء “حروب الهوية والسطو الثقافي العابر للحدود”.
وواصل قائلا: “الفكر الإبداعي هو وحده من يحمي هوية الأوطان من الاندثار أو السرقة”.
وزيرة دون استراتيجية
التدوينة عقدت مقارنة مباشرة بين الوزيرة الحالية، وقامات ثقافية و”أهرامات فكرية” تبوأت هذا المنصب في الماضي، على غرار الأديب الكبير محمود المسعدي، والبشير بن سلامة مؤسس مجلة الفكر، مشيرة إلى أنهم “لم يكونوا فقط وزراء بل مشاريع حضارية”.
وفي تقييمه لأداء أمينة الصرارفي في إدارة الوزارة، يرى الدكتور سامي الجلولي، أنها “لا تمتلك رؤية استراتيجية”، فضلا عن عدم قدرتها على على “انتزاع ميزانية جديرة بالشأن الثقافي”، ضمن مشروع ميزانية الدولة، كما “تفتقر إلى القدرة على قيادة المؤسسات العريقة مثل المعهد الوطني للتراث الذي يعاني من ترهّل وركود”.
ويضيف: “تونس لا تحتاج إلى موظف سام ينفذ الأجندات اليومية والمهرجانات الصيفية الروتينية، بل تحتاج إلى مبدع حيوي يعيد للثقافة دورها كفعل يومي وكقاطرة للتنمية”.
وتصف تدوينة الباحث الأكاديمي التونسي حالة التراجع في الوضع الثقافي تحت إشراف الوزيرة أمينة الصرارفي، بأنه “لا يليق ببلد كان وما يزال منارة ثقافية وحضارية في قارة إفريقيا وحوض المتوسط”، في ظل “النزول من مقام الفكر المخطط إلى مقام الإدارة التقنية”، وفق تعبيره.
ويخلص سامي الجلولي في جرد حصيلة عمل الوزيرة أمينة الصرارفي، إلى أن وزارة الثقافة “في حاجة إلى رجة تعيدها إلى سكة الفعل الحقيقي”، بالنظر إلى كونها ليست “وزارة ترفيهية بل هي سيادة رمزية”، وهو ما يستدعي تعديل الأوتار عبر إعفائها من منصبها، والذي يمثل مطلبا يستوفي مختلف الأركان المادية والشكلية.


أضف تعليقا