رأي

فرنسا.. مشهد سياسي معقّد بسيناريوهات مجهولة!!

محمد بشير ساسي
 أسبوع واحد من الشّحن والاستقطاب بين القوى السياسيّة المختلفة كافيا ومفصليّا لتحويل بوصلة فرنسا من اليمين إلى اليسار في الانتخابات البرلمانية المبّكرة، حتى أنّ كثيرين وصفوا المشهد أقرب بـــ”انقلاب مدوّ” قطع طريق حزب “التجمع الوطني” -الذي يمثّل أقصى اليمين بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا – من طرق أبواب “قصر ماتينيون في لحظة “انتشاء” كان يعيش على وقعها مدفوعا بنوع من “الغرور السياسي” على خلفية حصوله على 31.37% من الأصوات و30 مقعدا في البرلمان الأوروبي، وهو ضعف ما حصل عليه أقرب منافسيه من ممثلي حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذين حصدوا 13 مقعدا فقط، وهو عدد المقاعد نفسه الذي حصل عليه الحزب الاشتراكي، في حين لم ينل حزب فرنسا الأبية إلا 9 مقاعد.
تحالف العار
فبعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي جرت في الثلاثين من يونيو إثر إعلان الرئيس ماكرون حلّ البرلمان الفرنسي والتوجه إلى صناديق الاقتراع، تشكّلت صورة ظل الفرنسيون بل والأوروبيون يخافون أن تُرسمَ على مدار عقود، بعدما حصد اليمين المتطرف نحو 33% من أصوات الناخبين، مقابل نحو 28% لتحالف اليسار الذي يعرف بالجبهة الشعبية الجديدة ويضم اليسار المتطرف والاشتراكيين والخضر، فيما تراجع معسكر يمين الوسط “معا من أجل الجمهورية” الذي يقوده الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون إلى المركز الثالث مكتفيا بنسبة 20% من الأصوات.
ورغم أن النتائج لم تكن حاسمة بلغة الأرقام، غير أن معسكر اليمين المتطرف اختار استباق الأمور بخطوات متسارعة إلى الأمام، حيث بات يفكّر في كيفية ضمان الأغلبية المطلقة لتشكيل الحكومة وتمرير برنامجه القائم على ما يسمى “الأفضلية الوطنية” التي تعطي الفرنسيين حصرا حقوق المساعدات الاجتماعية والعمل والسكن والهجرة بالإضافة إلى السياسة الخارجية بخصوص الأزمة الروسية – الأوكرانية، العلاقة مع الناتو، الحرب على قطاع غزة وعلاقة باريس مع دول جنوب المتوسط لا سيما الجزائر. كلها ملفات دفعت الأجواء في الوسط السياسي إلى الجنوح نحو التوجّس والارتباك، في حين بات المجتمع الفرنسي يعيش حالة هلع كبير بسبب “توحش” أقصى اليمين، وقد بات على مشارف انتصار تاريخي يعبّد له “طريق السلطة” في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.
لكن طموحات اليمين  المتطرف اصطدمت بــ”تحالف العار” كما وصفه رئيسه بارديلا ، متهما إياه بحرمان الفرنسيين من “سياسة إنعاش”. وأكد بارديلا أن التجمع الوطني ما زال “يُجسّد أكثر من أي وقت مضى البديل الوحيد” متعهدًا بأن حزبه لن ينزلق نحو ما وصفها بتسويات سياسية “ضيقة” ومؤكدًا أن “لا شيء يمكن أن يوقف شعبًا عاد له الأمل”
ضربة قاسية
هنا يمكن أن نستعرض أهم الأسباب الجوهرية وراء تغير المزاج الانتخابي حتى تلقى أقصى اليمين ضربة قاسية حالت دون تمكّن بارديلا  (28 عاما) من أن يصبح أول رئيس من هذا التيار يتولى رئاسة الحكومة منذ الحرب العالمية الثانية:
– نجح أقصى اليمين وأذرعه الإعلامية في تلميع صورته وإثبات امتلاكه قاعدة انتخابية صلبة تمثل ثلث الفرنسيين معتمدا على مجموعة “كانال” المملوكة لرجل الأعمال المثير للجدل فانسون بولوري، إلى جانب قناة “سي 8” وتحديدا برنامج “لا تلمس تلفازي”  للمقدم الإذاعي سيريل حنونة ذي الأصول اليهودية الذي أضحى الإعلامي المفضل لأقصى اليمين، حيث عمل على تبييض وجه عدد من أكثر قادته تطرفا ممن كانوا دائمي الحضور في برنامجه، مثل إيريك زمور وجون مسيحة وماريون ماريشال لوبان، فضلا عن نشطاء يمينيين “شديدي التطرف” مثل جوليان أودول صاحب واقعة التهجم على سيدة محجبة في أكتوبر 2019.
ولا تقل  قناة “سي 8” أهمية في  لعب دور محوريا في نشر الأفكار العنصرية وفق ما يصفه عدد من المراقبين للشأن الفرنسيّ، خاصة في الحشد ضد اليسار بسبب دعمه فلسطين وغزة باعتبار ذلك “معاداة السامية”، بيد أن كل هذا الحشد لم يمنع من حدوث فضائح إعلامية كبيرة في أقصى اليمين تسبب فيها العديد من البرلمانيين أظهروا ضحالة فكرية ومعرفية غريبة” كما وصفها ناشطون فرنسيون على منصات التواصل الاجتماعي، لدرجة جعلت فيديوهاتهم تنتشر كالنار في الهشيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
لم يتمكن العديد من المرشحين عن التجمع الوطني من الرد ليس على أسئلة تخص الإشكالات الرئيسية التي تعيشها فرنسا، بل عجزوا حتى عن إظهار استيعابهم لبرنامج الحزب الانتخابي.
صحيح أن عدم إجابة مرشح برلماني عن أسئلة خاصة بالبرنامج الانتخابي أو تهربه من المواجهة السياسية، قد يؤثر في صورة الحزب، لكن هذه الصورة السلبية قد لا تكون شيئا يذكر أمام التصريحات والتصرفات العنصرية التي أظهرها مرشحو التجمع الوطني طيلة الحملة الانتخابية، والتي تكثفت بشدة قبل جولة الحسم.
 – توقّف نزول الحزب إلى الساحات وسط الحشود كما كان يحصل في الحملة التي سبقت الانتخابات الأوروبية وأيضاً قبل الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية. وبالتالي تم استبدال الساحات ببدلة جوردان بارديلا الزرقاء الرسمية، فاعتبرت الحشود أن بارديلا دخل نادي النظام واندمج به سريعاً على “قاعدة قمْ لأجلس مكانك”، أي أنه فقد رونق “الشاب الجديد” وكاريزما التغيير التي كان يُجسّدها عند الجمهور اليميني المتطرف. يضاف إلى ذلك رفض بارديلا المناظرة بين الجولتين مقابل جان لوك ميلونشون زعيم حزب ” فرنسا الأبية” الذي يُشكّل فزّاعة لخصومه في اليمين واليسار على حد سواء.
– أغرق حزب”التجمع الوطني” نفسه في الجدل حول بعض النقاط البارزة في برنامجه مثل: التشكيك في حق التجنس بالولادة على الأراضي الفرنسية؛ التنديد بمزدوجي الجنسية ورفض استلامهم المهام العالية والحسّاسة في الإدارة؛ التشديد على ارتفاع عدد العمال المهاجرين في منطق مخالف للبيانات الاقتصادية وحاجة الدورة الصناعية والإنتاج.
كما شدّد على غموض دور الإسلام في إطار الجمهورية، مع إشارات إلى مشكلة انعدام الأمن واستمرار الهجرة غير القانونية بتداعياتها وتأثيرها في وجه فرنسا ومستقبلها. زدْ على ذلك الهجمات المضادة التي تعرض لها برنامج الحزب ما اضطر الحزب إلى الإعلان عن تقديم تنازلات في موضوعات رئيسية مثل التقاعد في سن 66 عامًا، كما عجز عن تحديد كيفية سد العجز وتأمين تمويل طروحاته الاجتماعية.
– بعد اكتساحه نتائج الانتخابات في البرلمان الأوروبي، لم يتمكن التجمع الوطني من الوصول إلى اتفاق لتشكيل جبهة موحدة تدخل الانتخابات التشريعية. في البداية، حاول رئيس حزب الجمهوريين إيريك سيوتي (يمين كلاسيكي، ينتمي إليه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي) قيادة تحالف مع حزب لوبين، لكن هذا التحالف لم ينجح بعد رفض سيناتورات الحزب لذلك، مما جعلهم يحاولون الإطاحة به من منصبه لولا تدخل القضاء.
من جهة أخرى، انشق حزب “استرداد” الذي أسسه إريريك زمرو  على نفسه بعد أن خرجت الخلافات التي بينه وبين ماريون ماريشال (ابنة أخت مارين لوبان) إلى العلن بسبب تبادل الاتهامات بينهما بعد أن حاولت ماريشال التوصل إلى اتفاق مع خالتها التي كانت ترفض أي اتفاق يكون إيريك زمور طرفا فيه “بسبب تطرفه الشديد”.
– سارعت القوى السياسية الأكثر شعورا بالخطر على ما يبدو إلى الاستجابة، حيث تغلبت أحزاب الوسط واليسار وغيرها على انقساماتها وأبرمت عدة اتفاقات سريعة لتحول دون استمرار تفوق اليمين المتطرف، وقد تمثل أبرز مظاهر هذه الاتفاقات في انسحاب أكثر من 200 مرشح من معسكري اليسار والرئيس ماكرون من الدوائر التي كانت ستشهد منافسة بين 3 مرشحين لتعزيز حظوظ زملائهم في التغلب على مرشحي التجمع الوطني.
وأتت تلك التحركات أُكلها حيث يضمّ هذا التحالف الذي تكوّن حديثا حزب “فرنسا الأبية” برئاسة جان لوك ميلانشون  والذي يوصف بأنه يساري متشدد، إضافة إلى الحزبين الاشتراكي والشيوعي وأنصار البيئة فضلا مجموعات أصغر ذات ميول يسارية.
– كان لأصوات المسلمين في الانتخابات التشريعية الفرنسية تأثير كبير في نتائجها، حيث تشير توقعات إلى أن وزن المسلمين في فرنسا سيزداد قوة خلال الفترة المقبلة. ويعتقد رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا أن الوضع اليوم في فرنسا من حيث عدم وجود أغلبية مطلقة لأي من الأحزاب، هو أفضل لصالح المسلمين، لأن اليمين المتطرف على سبيل المثال إذا حكم بأغلبية كبيرة فسوف يتخذ إجراءات تتسم بالحماقة بحق الوجود الإسلامي في البلاد.
وبدا واضحا أن فوز “الجبهة الوطنية الشعبية” قوبل بارتياح بين روّاد التواصل الاجتماعي العرب في فرنسا وخارجها ، خاصة في ما يتعلق بما أعلنته في السابق من اعتزامها “الاعتراف بدولة فلسطينية” وإلغاء قوانين الهجرة  لعامي 2018 و 2023 من أجل السماح لطالبي اللجوء بالعمل، ووضع حالة النزوح المناخي حيز التنفيذ وتسهيل الحصول على الجنسية الفرنسية وضمان “استقبال كريم” للأجانب عبر الوصول الشامل إلى الرعاية الطبية الحكومية (AME)، فضلا عن إنشاء أماكن إيواء طارئة تعمل على تقديم ترحيب غير مشروط وإيواء المشردين في أماكن الإقامة الفارغة في حالات الطوارئ.
مشهد معقد
بغض النظر عن ظروف الانتخابات التشريعية ونتائجها المفاجئة التي شهدت هبوط التجمع الوطني إلى المركز الثالث وصعود التحالف اليساري إلى القمة وتقديم الجبهة الشعبية الجديدة نفسها للرئيس ماكرون باعتبارها البديل الوحيد للحكم، فإن المشهد السياسي في فرنسا تعقد ليضع البلاد برمتها أمام “برلمان معلّق” في ظل عدم حصول أي معسكر على أغلبية مطلقة تسمح له بتشكيل الحكومة الجديدة.
وربما يتذكر كثيرون أنه بعد لحظات قليلة من إعلان نتائج الانتخابات، أكد زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلانشون أن الحزب الوطني الجديد “مستعد للحكم” بناء على “برامجه ولا شيء سوى برامجه”. ورفض الدخول في مفاوضات مع الحزب الرئاسي، معتبرا أن “مكونات برامجه ارتقت إلى مستوى الحدث وأفشلت الفخ المنصوب للبلاد. وبطريقته الخاصة، أنقذ اليسار الموحد الجمهورية مرة أخرى”.
وفي حال لم يتم التوصل إلى اتفاق، ستدخل فرنسا “منطقة مجهولة”، إذ ليس من المعتاد أن شهدت مثل هذا النوع من التحالفات في مرحلة ما بعد الانتخابات، كما هو شائع في الديمقراطيات البرلمانية في شمال أوروبا مثل ألمانيا وهولندا. دستوريا لا يمكن ماكرون الدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة لمدة 12 شهرا أخرى، كما ينص الدستور على أن يختار الرئيس من سيشكل الحكومة، ولكن أيا كان من سيختاره سيواجه تصويتا على الثقة في الجمعية الوطنية في 18 يوليو الجاري.
وفي خطوة وصفت بالاستباقية بالتزامن مع دخول الفرقاء السياسيين في مشاحنات يومية في الماضي من أجل التفاهم حول عدة مسائل وتشكيل حكومة جديدة بانتخاب النواب الـ577 الجدد في الجمعية الوطنية برئاسة شخصية توافقيّة يمكنها تجسيد مشروعها المشترك، خرج ماكرون عن صمته للمرة الأولى منذ الانتخابات التشريعية معتبرا أن “أحدا لم يفز”.
 وفي رسالة إلى الفرنسيين نشرتها صحف محلية، دعا الرئيس جميع القوى السياسية في مؤسسات الجمهورية ودولة القانون والحكم البرلماني إلى الانخراط في حوار صادق ومخلص لبناء غالبية صلبة تكون بالضرورة ذات تعددية”.
رسالة قابلها هجوم متوقّع من زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان على الرئيس ماكرون متهمة إياه بأنه السبب المباشر في المأزق السياسي الذي تشهده البلاد.
غرور ماكروني
ولم يسلم “سيد الإليزيه” أيضا من سهام النقد في الإعلام الفرنسي الذي قال إن الأقلية الرئاسية بعد أن دمرها حل الجمعية الوطنية وتفوق عليها اليسار في الانتخابات التشريعية، ما تزال تتخيل نفسها مسيطرة على الوضع السياسي، وهي تواصل إلقاء المواعظ على الجميع من واقعها الموازي، غير قادرة على فهم الرسالة التي جاءت بها صناديق الاقتراع.
وكتب موقع “ميديابارت” الفرنسي، في تقرير للصحفية إلين سالفي أن المعسكر الرئاسي كان ينبغي له أن يشعر بالتواضع قليلا أمام نتائج الانتخابات التشريعية المبكرة التي أفقدته عشرات المقاعد، وأكسبته عشرات المقاعد كذلك بفضل اليسار، كما أعطت أقصى اليمين 143 نائبا، وأخذ الوقت لفهم الدرس الذي ألقته عليه صناديق الاقتراع للتو.
واستغربت الكاتبة أن عددا من الشخصيات الماكرونية تحاول إغراق النقاش العام في الواقع الموازي الغريب الذي طوروه بهدوء خلال سبع سنوات، بحيث يمكنهم قلب الحجج بسهولة مثل السترات، حتى إن رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون تسنى له أن يقول عن النتائج “لا أستطيع أن أقول إنه فشل. الأمور لم تسر كما ينبغي”.
ويرى مختصون في الشأن السياسي الفرنسي أنه بدلا من إدراك ماكرون إفلاسه وجد الرئيس طريقة لتهنئة نفسه، وصرح لحاشيته بأن “ما أراده رئيس الجمهورية تم كما يريد، وأن زعيمة حزب التجمع الوطني مارين لوبان لم تعد تتمتع بالمصداقية للفوز، قبل ثلاث سنوات من الانتخابات الرئاسية” ليقول أنصاره “شكرا على حل البرلمان”، غير نادمين على تجاهلهم لليسار الذي جاء أولا.
وعلى الرغم من الإخفاقات المتكررة، فإن أنصار ماكرون -وفق تحليلات سياسية – مقتنعون مثله، بأن “الكتلة المركزية” تحظى بشعبية في صناديق الاقتراع، وأن الجبهة الشعبية الجديدة لم تتقدم إلا بفضل سد الطريق على أقصى اليمين، وهو ما تنفيه كل التحليلات، وإن كان الواقع الموازي لا يصدقها.
وخلصت التحليلات إلى أن حسابات ماكرون مخيفة للغاية بالنسبة إلى أولئك الذين يتذكرون أنه كان على استعداد لاقتراح الأمين العام لحزب التجمع الوطني اليميني جوردان بارديلا لتشكيل الحكومة ولو بأغلبية نسبية، وما كان مقبولا مع أقصى اليمين أصبح فجأة صعبا عند فوز اليسار الموحد، وكأن الماكرونيين نسوا أن هذا اليسار هو الذي تم اختياره، الأحد الماضي عندما عُوقب معسكرهم.
خيارات محتملة
بناء على ما تقدّم من انقسام الجمعية الوطنية إلى كتل كبيرة متعارضة، لن يسمح بظهور أغلبية مطلقة في هذه الانتخابات التشريعية، لتقف أمام مشهد سياسي جديد لم تعرفه الجمهورية الفرنسية الخامسة منذ إنشائها عام 1958.
ومع أن اليسار احتل المرتبة الأولى، فقد بقي بعيدا من الحصول على 289 نائبا، وهي الأغلبية اللازمة لتمرير مشاريع ومقترحات تشريعية دون وقوع حوادث، مما يعني حالة انسداد مؤسسي، وهنا يطرح الحصاد السياسي لمرحلة ما بعد الانتخابات عدة خيارات محتملة يتوقّعها الإعلام الفرنسي على النحو التالي:
– التعايش: شهدت فرنسا، منذ بداية الجمهورية الخامسة، هذا الوضع 3 مرات، عندما لم يعد اللون السياسي لرئيس الجمهورية هو لون رئيس الوزراء وحكومته نفسه، بسبب خسارة الرئيس في الانتخابات التشريعية.
وقد وقع ذلك مرتين في عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران ، ثم حدث مرة في عهد الرئيس اليميني جاك شيراك، لكن في كل مرة كان اليمين أو اليسار يحصل على الأغلبية المطلقة، أما في هذه الحالة، فقد دعا قادة اليسار الرئيس إيمانويل ماكرون إلى تعيين رئيس وزراء من صفوف الجبهة الشعبية الجديدة بصفتها “القوة الأولى” الناتجة عن الانتخابات. واعتبر أستاذ العلوم السياسية بنيامين موريل أن “هذا هو السيناريو الأبسط من وجهة النظر المؤسسية والبرلمانية”، لكن لا أحد يعرف كيف سيتصرف ماكرون المتعود على تركيز السلطة في شخصه، في هذه الحالة، كما أن التصويت على القوانين، وحتى على الميزانية، سيكون معقدا للغاية.
وقد تظهر خلافات شائكة بين رئيس الوزراء المستقبلي والرئيس، لأن ما اعتدنا أن نطلق عليه “المجال المحجوز” لرئيس الجمهورية في ما يتعلق بالسياسة الخارجية لا ينص عليه الدستور، وبالتالي سيتعين على ماكرون أن يكافح بشدة من أجل الاحتفاظ بامتياز تجسيد فرنسا بالنسبة إلى الخارج.
– تشكيل ائتلاف: لعدم ظهور أغلبية واضحة، فهناك إمكانية تشكيل تحالف بين المجموعات السياسية المختلفة لتشكيل ائتلاف حاكم، وإن هذه الممارسة الشائعة في الأنظمة البرلمانية حالة غير مسبوقة في فرنسا في ظل الجمهورية الخامسة.
ومن المؤكد أن شيطنة اليسار من قِبل المعسكر الرئاسي لا تساعد في تعاون بين الماكرونيين، وهذا الجزء من الطيف السياسي الذي يشمل حزب فرنسا الأبية، التي حذر قادتها حلفاءهم في الجبهة الشعبية الجديدة من أي “اندماج” مع الأحزاب المنتهية ولايتها، كما أنه من غير المتصور أن يقع ائتلاف يميني يشمل حزب التجمع الوطني، وبالتالي فإن خيار الأغلبية النسبية، يبقى ضعيفا جدا.
– حكومة وحدة وطنية: هنالك صيغة تصورها ماكرون من المفترض أن تجمع بين المجموعات السياسية المعروفة باسم “القوس الجمهوري”، لكنها بقيت غير محددة ولم تر النور قط، لكن تطبيقها على اليسار يتطلب كسر الاتحاد المبرم قبل الانتخابات التشريعية، ولا يمكن أن يكون على جدول الأعمال نظام التجمع.
– أجواء العودة إلى الجمهورية الثالثة: لأن الدستور يمنع إجراء أي حل جديد في السنة التالية للانتخابات التي تعقب حل البرلمان، يٌتوقع وجود نظام جمعية مماثل لذلك الذي شهدته الجمهورية الثالثة، وهو مرادف لعدم الاستقرار الوزاري الكبير. و”خطأ ماكرون ومستشاريه – وفق مراقبين – هو أنهم لم يفهموا أن الحل يعمل مثل الأسلحة النووية، والتهديد به هو الذي يعطي القوة لا تنفيذه”، ولذلك سيكون ميزان القوة مختلا بين السلطة التنفيذية والبرلمان الذي يستطيع الإطاحة بالحكومة في أي وقت دون خشية الحل على الأقل لمدة عام.
– حكومة فنية: لاستحضار حل افتراضي للانسداد المحتمل للمؤسسات، لقد ظهر هذا التعبير في الأيام الأخيرة، بل قد تمت صياغته من قبل حزب التجمع الوطني وتتمثل الفكرة في السماح للخبراء بإدارة الوزارات لمدة عام، قبل أن يسمح بحل جديد لجلب أغلبية أكثر وضوحا، وهي تذكر برؤية ماكرون بأنه “من الضروري أن تحكمنا الخبرة لا الأيديولوجيا.”
– حكومة تصريف الأعمال: ليس من السهل التمييز بين حكومة تصريف الأعمال والحكومة الفنية، وهي سلطة تنفيذية مطاح بها أو مستقيلة تتمتع بسلطات مقيدة، وتظل في مكانها لإدارة الأمور وحالات الطوارئ، وبالتالي تجسيد استمرارية الدولة، في انتظار التوصل إلى اتفاق ائتلافي، وهي غريبة تماما على الفرنسيين، مع أنها شائعة بين جيرانهم البلجيكيين والإيطاليين والألمان.
– حل جديد: مع أن الدستور لا يسمح مبدئيا لماكرون بحل البرلمان مرة أخرى قبل مرور عام، “فقد تكون هناك طريقة” -حسب خبير القانون الدستوري بنيامين موريل- فالرئيس لكونه الضامن للمؤسسات في نهاية المطاف، يمكن أن يكون لديه مسار قانوني لا يتم فيه التشكيك في قرار الحل الجديد، خاصة أن مثل هذا السيناريو لم يحدث قط.”
– الاستقالة: إذا كانت لوبان أكدت خلال الحملة الانتخابية أن ماكرون لن يبقى أمامه إلا “أن يستقيل”، فإن ماكرون نفسه أعلن أنه يستبعد هذا الاحتمال وكتب: “يمكنكم أن تثقوا بي للعمل حتى مايو 2027 رئيسا لكم وحاميا لجمهوريتنا وقيمنا”، علما أنه -كما يقول موريل- ليست هناك أي مصلحة عقلانية في الاستقالة من منصب رئيس للجمهورية”.
ومن وجهة نظر عقلانية أيضا، لا فائدة من حل مجلس الأمة في هذا السياق أيضا، ومع ذلك بوسع الرئيس أن يختار التخلي عن مهامه، وسيكون الأمر لرئيس مجلس الشيوخ حتى يتم إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لا يسمح للحزب المنتهية ولايته بالمشاركة فيها إلا بعد انتهاء ولاية خلفه.
– الصلاحيات الكاملة: رأت ليبراسيون أن شائعة اللجوء إلى المادة 16 من الدستور لمعالجة غياب أغلبية واضحة في البرلمان يدحضها جميع المختصين الجادين، ولا يمكن تفعيل هذا الإجراء المسمى “الصلاحيات الكاملة” الممنوحة لرئيس الجمهورية، إلا “عندما تكون مؤسسات الجمهورية أو استقلال الأمة أو سلامة أراضيها أو تنفيذ التزاماتها الدولية مهددة بشكل جدي وفوري”. و”من المستحيل الاستناد إلى هذا السياق”، كما يقول توماس إيرهارد.
-الإصلاح المؤسسي: تساءلت الصحيفة هل يستطيع رئيس الدولة أن يقترح إصلاح الدستور حلا؟ يقول أحد المحللين السياسيين الذي لا يؤمن بهذا الخيار إنه “لا يمكننا أن نتجاهل نتيجة الانتخابات التشريعية”، خاصّة أن ماكرون، خلافا للجبهة الشعبية الجديدة التي تريد إنشاء جمهورية سادسة ويقوم بعض أعضائها بحملة من أجل جمعية تأسيسية، لا يعتقد أنه ينبغي طي صفحة الجمهورية الخامسة.
عموما يبدو أن  كل السيناريوهات لما بعد الانتخابات التشريعية فيها صعوبات دستورية واحتمالات تعايش صعبة بين ماكرون وبين البرلمان الذي أعيدت إليه بعض الأهمية التي افتقدها حين كانت الأكثرية موالية للرئيس. “وحتى لو نجح ماكرون في إقامة تحالفات فإنها ستبقى مؤقتة ومحدودة، وقد تنفجر في أية لحظة”.
في النهاية وإن سقط أقصى اليمين في اختبار اكتساح مقاعد البرلمان، لكن ذلك لا يعني انزواءه عن المشهد تماما. فقد أظهرت النتائج أن هذا التيار نجح في مضاعفة حضوره السياسي بعد حصوله على عدد أكبر بكثير من المقاعد التي كان يحصل عليها حتى الأمس القريب، لذلك يعدّ ما حدث انتصارا جزئيا للفكر المتطرف الذي يجب على فرنسا العمل كثيرا لمواجهته إن أرادت ذلك.