غلاء الأسعار.. عبء أنهك التونسيين 

بخطى بطيئة وأكتاف مثقلة، تعود الخالة “زينة” أدراجها إلى منزلها البسيط في أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة تونس، بعد جولة في السوق البلدية حاملة قفتها بيديها المُنهكتين.

نظرت إلى ما اشترته، وقلّبت سلّتها فوجدت محتوياتها أقل مما كانت ترغب في اقتنائه، حبات طماطم وفلفل والقليل من البصل والثوم وحزمة بقدونس ورغيف خبز وكلها “لاتغني ولا تسمن من جوع”.

ألقت مجددا نظراتها “الشاردة” على سلتها وكلها يقين بأن مشتريات اليوم لن تكفي عائلتها على الرغم من أنها دفعت مقابل ذلك أضعاف ما كانت تنفقه في الأيام الماضية ومع ذلك تمسك بها بحرصٍ شديد، كأنها تحمل ما تبقى من قدرتها على التدبير.

الخضار التي كانت تملأ سلتها بالألوان صارت شحيحة، واللحم الذي كان زائرا دائما لمائدتها أصبح ضيفا نادرا.

تنهدت وكلها أفكار تخالجها: كيف ستدبر بقية الأسبوع؟ وكيف ستقنع أطفالها أن هذا القليل يكفي؟ رفعت رأسها قليلا، تمسكت بما تبقى من صبرها، ومضت، كأنها تحمل بيتها كله فوق كتفيها.

كانت الأفكار تتزاحم في رأسها، تعدّ في سرها ما تبقى من نقود وتقسم الأيام على ما اشترته يوما بعد يوم بقلق متزايد، تفكر في وجوه أبنائها عندما يتساءلون عمّا يحبون وفي الأعذار والأجوبة “المقنعة” التي ستقدمها لهم.

حال الخالة زينة شبيه بأغلب العائلات التونسية التي أرهقها “لهيب الأسعار” التي قفزت بنسق تصاعدي كبير خلال الأيام القليلة الماضية.

وبات غلاء الأسعار في تونس عبئا يوميّا يثقل كاهل الناس، لا في الأرقام فقط بل في تفاصيل الحياة الصغيرة.

فالسوق التي كانت تعجّ بالحركة أصبحت مكانا للحسابات الدقيقة والتردد، حيث يقف المتسوّق طويلا أمام السلع، يقارن، ويؤجل، ويستغني في كثير من الأحيان.

ارتفعت أسعار المواد الأساسية حتى أصبحت أغراضا عادية فلم تعد حبات الطماطم أو الفلفل تُشترى بالكمية بل بالعدد الضئيل جدّا.

وزاد تراجع المقدرة الشرائية للتونسي “المهترئة” أصلا كما لم يعد الغلاء مجرد مسألة اقتصادية، بل صار شعورا دائما بالضغط والقلق، وأضحى الشغل الشاغل للجميع يتسلل إلى البيوت، ويغيّر العادات، ويفرض على الناس أن يتقنوا فنّ التنازل بصمت.

لم تعد أسعار الخضر في تونس تنزل عن خمسة أو ستة دنانير، حتى صار الرقم وكأنه حدّ أدنى مفروض على كل السلع، فأسعار الطماطم كانت في حدود 6 دنانير والفلفل كذلك والقرع (الكوسة) بـ5 د والخيار بـ8 د والباذنجان بـ5 د.

تقاطع فصول

ويؤكّد وزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد أن “الارتفاع الذي سجلته بعض أسعار الخضر في الفترة الأخيرة يعود أساسا إلى جملة من العوامل المتداخلة، ذكر في مقدمتها ما وصفه بـفترة تقاطع الفصول، وهي مرحلة تتميز بندرة الإنتاج إذ يقتصر العرض أساسا على إنتاج البيوت المحمية والبكورات، إلى جانب تسجيل تراجع في الكميات المنتجة مقارنة بالسنة الماضية”.

وفي ما يتعلّق بالإجراءات المتخذة لحماية المقدرة الشّرائية للمواطن، أفاد أنه تم اللجوء في مرحلة أولى إلى اعتماد آلية تسقيف الأسعار، مقرا أن هذا الإجراء لم يحقق النتائج المرجوة خاصة بعد فترة العيد.

وأكّد أنه تم اتخاذ إجراءات تعديلية في قطاع الدواجن تمثلت أساسا في التخفيض في هوامش الربح وتوجيه البيع نحو الدجاج المعد للطبخ وهو ما بدأ ينعكس تدريجيا على مستوى الأسعار التي سجلت منحى تنازليا، وفق قوله.

ارتفاع أسعار وتدنّ للأجور

ومع ارتفاع نسق الأسعار مقابل تدني الأجور، تؤكد السلطات أنه سيتم ضبط نسب الزيادات في الرواتب التي تضمنها قانون المالية لسنة 2026، في القطاعين العام والخاص وجرايات المتقاعدين، وتاريخ دخولها حيز التنفيذ بأمر لاحق.

في المقابل يرجّح خبراء في الاقتصاد ألا تكون هناك زيادة في الأجور هذه السنة.

وأكّد الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري في منشور على حسابه بفيسبوك، أنه “لن تكون هناك زيادات في الأجور” في ظل ضائقة مالية تقترب من مستوى الكارثة.

وشدد على ضرورة تخلي المواطنين عن انتظار برامج التنمية أو زيادة الرواتب حاليا، حيث ستنحصر مجهودات الدولة فقط في تسيير المرفق العام وضمان استمرارية قطاعات حيوية كالفسفاط والنقل العمومي.

من جانبه يؤكّد أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي، أنّ تصاعد التوترات الدولية الذّي ينعكس بشكل مباشر على أسعار النفط العالمية يضغط على الاقتصاد التونسي.

وأكد أنّ الفرضية التي بنيت عليها ميزانية الدولة أصبحت اليوم محل مراجعة خاصة في ما يتعلق بنسبة النمو المقدرة بـ3.3% وسعر النفط المرجعي في حدود 63 دولارا للبرميل وهو ما لم يعد يعكس الواقع الحالي.

“أمر نلمسه يوميا”

غلاء الأسعار أسال حبر رواد مواقع التواصل الاجتماعي وكان الموضوع الأبرز لتدويناتهم ومنشوراتهم التي حمل بعضها تندرا يخفي بين طياته تذمرا وسخطا من “الواقع المعيش”.

وفي تدوينة على حسابه بفيسبوك يقول النائب وسام الشهيد: “غلاء المعيشة التي نشهده اليوم لم يعد مجرد كلام وإنما أمر نلمسه في حياتنا اليومية”.

وزاد: “الأسعار صعدت بشكل جنوني حتى أن 50 دينارا لم تعد كافية لإحضار وجبة فطور وأصبحت العائلات تفكر مرتين قبل اقتناء حاجياتها الضرورية من أكل ونقل، وحتى مصاريف الكراء أصبحت تحسب بالمليم”.

وأضاف أن “هذا الغلاء أجبر الكثيرين على تغيير طريقة عيشهم والتقليص من مصاريفهم اليومية قدر المستطاع”.

وأوضح في تدوينته أنّ “العالم يمر بظروف اقتصادية صعيبة، وأن الأسعار تشهد في مختلف الدول نسقا تصاعديا وهو ما ينعكس على الوضع الاقتصادي في تونس”.

وأردف بالقول: “في ظل كل هذه الظروف يحاول المواطن البسيط التأقلم مع الوضع رغم أن ذلك ليس بالهين”.

“سيادة وطنية”

من جهتها تقول نائب رئيس البرلمان سوسن مبروك: “نعتبر أن معركة مجابهة غلاء الأسعار في تونس اليوم هي قضية سيادة وطنية وأمن اجتماعي في المقام الأول”.

وتضيف في تدوينة على حسابها بفيسبوك أن القراءة التحليلية لواقع التضخم الراهن تكشف عن فجوة عميقة بين التشريع والتنفيذ؛ حيث تظل القوانين والضمانات التي نصادق عليها في البرلمان منقوصة الجدوى ما لم تقترن بإرادة تنفيذية تترجمها أوامر ترتيبية فورية تلامس حياة المواطن اليومية.

وأردفت: “نحن نؤمن بأن كرامة التونسيتبدأ من استقرار قفته وتأمين قوت أبنائه، وهو ما يضعنا أمام مسؤولية تاريخية لفرض رقابة صارمة على الأداء الحكومي، خاصة في ما يتعلق بمسالك التوزيع التي تغلغل فيها المحتكرون والوسطاء على حساب المنتج والمستهلك معا”.

وشددت على أن الحلول الجذرية لا تكمن في المسكنات المالية العابرة، بل في إصلاح هيكلي شامل يقطع مع أشكال التشغيل الهش والمناولة، لإعادة الاعتبار لقيمة العمل وضمان دخل عادل يحمي العائلات من السقوط في براثن الفقر التضخمي.

ولفتت إلى أن مقترحاتهم ترتكز على ضرورة تأمين السيادة الغذائية عبر دعم الفلاح والبحار التونسي، وتطوير المرافق العمومية -وعلى رأسها النق- باعتبارها دعما غير مباشر لميزانية المواطن.

“احتكار وهيمنة وسطاء”

من جانبه يقول الناشط حبيب رابح إنّ “مشكلة غلاء أسعار الخضر والغلال في تونس اليوم تعود إلى نقص في المعروض لأننا خارج فترة الانتاج الطبيعي (أغلب ما يعرض اليوم نتاج البيوت المكيفة) كما أن الفلاحين أصبحوا يخشون من خزن منتجاتهم الفصلية لكي لا يتم اتهامهم بالاحتكار والمضاربة في الأسعار”.

ودعا رابح في تدوينة المسؤولين إلى مُراجعة سياساتهم الإنتاجية والتسويقية خاصة أثناء الفجوات الإنتاجية لكي لا تتضرر القدرة الشرائية للمواطن أكثر.

وفي السياق ذاته يعتبر الناشط طاهر الهازل أنّ “غلاء الأسعار تحول إلى أزمة يومية بسبب تراجع القدرة الشرائية واختلال منظومة التزويد، خاصة مع هيمنة الوسطاء وارتفاع هوامش الربح.

وأشار إلى أنّ الاحتكار وضعف الرقابة وارتفاع كلفة النقل والتوريد ساهم في تفاقم الوضع.

واقترح أن يتم تشديد الرقابة، وتنظيم التوزيع، وتسقيف الأرباح، فضلا عن دعم الإنتاج الوطني، مع تعزيز دور للمواطن في المقاطعة والتبليغ.

وختم بالقول إنّ “الأزمة قابلة للإصلاح متى توفرت الإرادة السياسية”.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *