رأي

“غزة المحاصرة” تضيق بأهلها كل يوم

محمد بشير ساسي

لا مكان آمنا فوق أرض غزة وتحت سمائها بعد أن حاصر الدمار والخراب والإباد الجماعية الفلسطينيين من كل حدب وصوب، فبعد أن ضاق “القطاع المنكوب” بأهله شمالا، لحقهم الموت جنوبا لتفضح مشاهد أشلاء النساء والأطفال حقيقة الكيان الإسرائيلي ومن منحه الشرعية للردّ بذريعة الدفاع عن النفس.

قتل ودمار

وعلى مدار الأيام الماضية، عجز المجتمع الدولي بهيئاته ومؤسساته ومنظماته عن وقف العدوان الوحشي في الوقت الذي ما تزال فيه تل أبيب -بدعم أمريكي غير مسبوق سياسيّا وعسكريّا- ماضية في خرقها القانون الدولي والعرف الإنساني، إذ تشير آخر الإحصائيات إلى سقوط أكثر من 10000 آلاف شخص ما بين شهيد ومفقود بالإضافة إلى مقتل 35 صحفيا وما يزيد عن 20000 ألف جريح.

ومنذ بدء الهجوم الإسرائيلي على غزة في السابع من أكتوبر تمّ توثيق دمار مرعب على مستوى البنية التحية في غزة، حيث أظهرت صور أقمار اصطناعية تغيّر ملامح القطاع بعدما مُحيت أحياء بكاملها من الخريطة على غرار حي “الكرامة” وبلدتيْ “عطارة” و”بيت حانون”.وتشير التقديرات إلى تدمير أكثر من 43200 وحدة سكنية بالكامل بالإضافة إلى تضرّر 131300 وحدة أخرى واستهداف 107 مرافق صحيّة و471 منشأة صناعية و99 مدرسة و85 مقار صحفية و39 مسجدا و3 كنائس.

ورغم التّنديدات القوية والمظاهرات في عدة مدن حول العالم تكمل آلة الحرب الإسرائيلية ما تسميه “خطة تطهير” قطاع غزة من عناصر المقاومة بحركة حماس على حساب الإنسان الفلسطيني المعزول عن العالم، تواصل إسرائيل تعنّتها بلا حدود لتتّهم 120 دولة تبنّت في الأمم المتحدة قرارا لإرساء وقف إطلاق نار إنساني في قطاع غزة بـ”الدناءة”، معلنة رفضها القاطع أيّ دعوة من هذا القبيل.

مخاوف وتحذيرات

 وفيما يبدو اكتمالا لعملية حشد إسرائيل قواتها لاجتياح بري لقطاع غزة -رغم التحذيرات من سيناريوهات الفشل- حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أنّ الوضع في غزة يزداد يأسا ساعة بعد ساعة، داعيا إلى ضرورة معالجة الوضع بدرجة أكبر من المسؤولية لوضع حدّ لـ”كابوس” إراقة الدماء لأنّه من دون تغيير جوهري فإنّ شعب غزة سيعاني طوفانا من المآسي الإنسانية غير المسبوقة. 

وفي وقت سابق كانت الأمم المتحدة قد أطلقت على لسان مفوّضها السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، صيحة فزع من عواقب قد تكون كارثية لعملية برية واسعة النطاق واحتمال مقتل آلاف المدنيين الإضافيين. 

بدورها، أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ بخصوص اكتظاظ المستشفيات في غزة بالمرضى، داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية وحماية المستشفيات والمرافق الصحية والطواقم الطبية التي تتعامل في الدقيقة الواحدة مع نحو 20 استهدافا بالإضافة إلى منع إدخال الوقود. 

من جانبه، قال برنامج الأغذية العالمي إنّ وضع المدنيين في غزة كارثي والناس في حاجة ماسة إلى إطعام أسرهم، مؤكّدا ضرورة مضاعفة شاحنات المساعدات التي تدخل غزة يوميا 10 مرات لتصل إلى 40 شاحنة يوميا بدلا من 4 فقط، كي يلبّي الاحتياجات الغذائية لـ2.2 مليون فلسطيني بالقطاع في الشهرين المقبلين.

من جانبها، طالبت المنظمة الدولية للهجرة بوقف إطلاق نار إنساني وبإيصال المساعدات إلى المدنيين في غزة، حيث تتحدّث تقارير عن قلق متزايد لدى 14 ألف نازح قرب المستشفى بسبب التهديدات الإسرائيلية.

مشهد أكثر دموية

ودخل المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان على خط التطورات، مؤكّدا أنّ إسرائيل تنتقل إلى مرحلة أكثر دموية بتكثيف هجماتها وعزل غزة عن العالم الخارجي؛ وهي القطاع المكتظ بأكثر من 2.3 مليون نسمة ضمن مساحة تبلغ 362 كيلومترا مربعا.مشهد إنساني درامي قاتم تحاول إسرائيل إخفاءه أكثر ما يمكن عن عيون العالم عبر سياسية قطع الاتصالات والإنترنت في قطاع غزة، وهي بمثابة غطاء لفظائع جماعية لإخفاء أدلة ضرورية على انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب المرتكبة ضد الفلسطينيين، حسب منظّمتيْ هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية.