“غبار المطحنة”.. رواية عن تونس “القاتلة” لأبنائها بلا رحمة!

"غبار المطحنة".. رواية عن تونس "القاتلة"

يُعدّ كتاب “غبار المطحنة” الباكورة السردية للكاتب والروائي التونسي محمد الفاضل العمري، التي أتت بعد سنوات من الكتابة والمراجعة والتريث.

ويحمل الكتاب الصادر حديثا عن دار نحن للإبداع والنشر والتوزيع في طياته شهادة أدبية موجعة عن الواقع الاجتماعي والسياسي التونسين بل عن الوجع الإنساني في أبعاده الأوسع.

توثيق واقعي وعمق وجداني

ويحرص الكاتب في عمله الروائي الأول “غبار المطحنة” على تحقيق توازن بين التوثيق الواقعي والعمق الوجداني. فهو يرى أنّ الواقعية ليست نقل الواقع كما هو وإنما ينبغي مزجه بالفن، بحيث يصبح الحدث مؤشرا على غيره والشخصية نموذجا يتكرّر في المجتمع بأشكال مختلفة.

ويكشف العمري أنّ الرواية كانت جاهزة منذ سنوات، لكنها بقيت حبيسة الرفوف بسبب صعوبات النشر والترويج، قبل أن ترى النور بدعم وتشجيع من ابنته الإعلامية والكاتبة إيناس العمري التي فاجأته بالنسخة المطبوعة ووضعت مقدّمة العمل.

وقد اختار العمري في النهاية النشر على نفقته الخاصة إيمانا منه بأنّ الوصول إلى القارئ الجاد والنخبة الثقافية يتطلب صبرا ومساءلة ذاتية عالية.

3 حقب تاريخية من تونس وعنها

وتندرج الرواية ضمن سرد واقعي وجداني يستلهم نماذجه من المجتمع التونسي خاصة من القرى المهمشة، حيث تنطلق أحداثها من قرية السرس بولاية الكاف لتتّسع دلاليا وزمانيا نحو فضاءات أرحب.

ويعتمد الكاتب بنية سردية غير خطية توظف الاسترجاع الزمني للعودة إلى محطات تاريخية مفصلية بدءًا من فترة الاستعمار، مرورا بالعهد البورقيبي، ثم مرحلة انقلاب زين العابدين بن علي في محاولة لرصد استمرارية العنف والظلم رغم تغيّر الواجهات السياسية.

رمزية العنوان ووجعه

ويحمل عنوان الرواية “غبار المطحنة” شحنة رمزية تتجاوز معناها الحرفي إلى أفق سيميائي واسع.

فالمطحنة في ظاهرها هي علامة خير وبركة إذ تطحن الحبوب وتنتج القوت، غير أنها في الرواية تتحوّل إلى رمز لمنظومة سياسية واجتماعية متعاقبة “تدور وتدور” وتطحن البشر بين فكيها بلا رحمة.

أما الغبار، فهو نصيب الفئات المسحوقة من هذه المنظومة وهي لا تنال من خير المطحنة شيئا، وإنما يعلق بها الغبار فيلوّث الوجوه والحياة والمصائر.

وفي هذا السياق، تتجسّد شخصيات مثل “سعد الفيل” بوصفها رموزا للتنفّذ والاستغلال، حيث يحتكر أصحاب السلطة الحبوب، بينما لا يُترك للعمال سوى الغبار المتناثر في صورة مكثّفة لعلاقة القوة بالهامش والسلطة بالمقهورين.

وقد وصفت الكاتبة والروائية آمال مختار الرواية بأنها “شهادة صادقة على واقع تونسي قاس كُتبت بلغة الوجع”، وهو توصيف يلتقي مع رؤية الكاتب نفسه الذي يؤكّد أنّ العمل ينقل أوجاع المرأة وأوجاع الوطن وأوجاع الإنسان عامة، من خلال نماذج بشرية واقعية تتحوّل سرديا إلى رموز قابلة للتعميم.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *