ثقافة لايف ستايل

عيد الأضحى في تونس.. إحياء لعادات ضاربة في القِدَم وترسيخ لصلة الرَحم

رغم الارتفاع المشطّ لأسعار الأضاحي في السنوات الثلاث الأخيرة بتونس، سيما هذا العام الذي بلغ فيه معدّل سعر الأضحية بين 900 دينار (نحو 290 دولارا) و1500 دينار (نحو 484 دولارا)، نتيجة الجفاف وارتفاع أثمان الأعلاف، يحتفظ عيد الأضحى بمكانته الخاصة لدى التونسيين مهما اشتّدت الأزمات الاقتصادية.

معتقلو 25 جويلية

ما قبل العيد

قبل أسبوع من يوم العيد تُسارع ربات البيوت إلى إعداد التوابل، والبهارات على غرار النعناع والحبق، وحتى الكليل والزعتر (نباتات برية جبلية)، علاوة على شراء الخضار، وتحضير لوازم العيد، سيما الأواني الجديدة لوضع اللحم، والمرقاز، والدوّارة وفي مرحلة متقدّمة -القدّيد- فيها.

فيما يحرص الآباء على سنّ السكاكين وشراء لوازم الشواء من الفحم و”الكانون” المعدّ من الطين، فيخصّص الصغير منه لوضع البخور، والكبير للشواء، أما اليوم فباتت “المشوى” كهربائية لدى بعض الأسر.

وخارج المنزل، يحرص الأطفال على تزيين خرفانهم أو “العلوش”، كما يسمّى في تونس، باستعمال الأشرطة الملوّنة، ويقومون باصطحابها في جولات في الحيّ لالتقاط الصور معها، أو لتتنازل في ما بينها وتسمّى في تونس “تناطيح الأكباش”، ليتفاخر كل صبيّ بخروفه وقوّته وامتداد قرنَيْه، إن وجدا، طبعا.. في أجواء طفولية مرحة، باتت اليوم في طريقها إلى الانقراض في ظلّ توسّع البناءات العمودية (العمارات)، ما يضطرّ ربّ العائلة إلى جلب أضحيته ليلة العيد.

خرجة العيد

أما صبيحة العيد، فعادت في تونس العاصمة وبعض المدن الأخرى كالقيراون والمهدية، عادة قديمة تجدّدت بعد ثورة 14 جانفي، والمتمثلة في “خرجة العيد”، حيث يقوم خلالها السكان بالتجوال في أزقة المدن العتيقة، صباح العيد لجمع المصلّين ليسيروا مهلّلين بتكبيرات العيد: “الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد”، حتى يصلوا إلى الجامع لأداء صلاة العيد جماعة.

ويرتدي الرجال والأطفال أفضل ثيابهم لـ”خرجة العيد” وتكون عادة من الأزياء التقليدية التونسية كـ”الجبة” صيفا، والبرنس شتاءً.

وجبات طعام خاصة

بعد صلاة العيد، تُذبح الأضاحي وتُسلخ إما فُرادا أو جماعات، في بيت الجدّ أو الجدّة، حيث ما تزال لـ”اللمّة” العائلية في الأعياد والمناسبات الدينية وقعها الخاص لدى عموم التونسيين، فتجتمع العائلات المتصاهرة في البيت الكبير، وكل له دوره يومها.

تنطلق عملية شواء اللحم على الفحم أو على “المشوى” الكهربائية، ويتولّى هذه المهمة عادة الذكور من الآباء وأبنائهم، فيما تُعدّ النساء السلاطة المشوية و”الفريت” (بطاطا مقلية) ليُجاوران اللحم المشويّ على المائدة، إضافة إلى إعداد عصير الليمون.

وتحرص ربّات البيوت على استغلال كل أجزاء الخروف، فيقمن بتنظيف أحشائه وتقطيعها، أو ما يُطلق عليها في تونس بـ”الدوّارة”، والتي تُستعمل بعدها لتحضير “العصبان” المكوّن من الخضار والأرز وقطع صغيرة من اللحوم والكبد والبهارات، وهي إحدى أشهر الأكلات التونسية في هذه المناسبة، ويُطهى خاصة مع طبق الكسكسي في ثاني أيام العيد.

وإلى جانب “العصبان” تُعدّ ربات البيوت أكلات أخرى متنوّعة على غرار “المصلي” و”الكمونية”، وخاصة “القلاية” التي تتضمّن اللحوم والكبد، ويجري تقطيعها إلى أجزاء صغيرة لتُقدّم مطبوخة.

الزُڨديدة”.. أكلة الصغار

ومن العادات التي بدأت في التلاشي والاندثار لدى بعض الأسر التونسية، يوم العيد، ترغيب الأمّ ابنتها الصغيرة (من خمس سنوات فما فوق)، في الأعمال المنزلية بما فيها الطبخ.

فتهب الأمّ ابنتها آنية صغيرة وبعضا من قطع اللحم والبهارات و”كانونا” صغيرا، لتعّد الصبية أكلتها الخاصة، التي في الغالب ما تكون إمّا “كمونية” أو “قلاية” لسهولة إعدادهما، وتسمّى هذه الأكلة التي تُعدّها الفتيات الصغيرات في عيد الأضحى “الزُڨديدة”.

وبعد الانتهاء من طبخ “الزُڨديدة”، يتذوّقها جميع من في المنزل كبارا وصغارا، لتتلقّى الصبية بعدها الملاحظات والتقييمات حول ما قدّمته، وتكون الملاحظات في غالبيتها إيجابية ومشجّعة لها، حتى ترغب أكثر في الطبخ وتصبح “ربة بيت حاذقة ومتمكّنة” عندما تبلغ سنّ الرشد والزواج.

وفي العادة على بساطتها وعفويتها، حكمة تتلخّص في جعل الفتاة الصغيرة قادرة على الطبخ مستقبلا، وترغيبها في أعمال البيت، وتعويدها تحمّل المسؤولية منذ الصغر، وإدخال الفرحة والبهجة على قلبها، سيما عندما يُطنب الجميع في مدح ما أعدّته من أكلة طيبة المذاق، حتى وإن لم تكن كذلك.

خارج البيت

شواء رأس الخروف و”الكُرعين” (سيقانه)، تسمّى في تونس “تشوشيط الروس” (تفحيمها)، هو نشاط ينتشر بكثرة في غالبية الأحياء التونسية يومَيْ عيد الأضحى.

ففي الأحياء السكنية الشعبية يتحلّق الشبان أمام مستلزمات الشوي من غاز ونيران وسط تكدّس عشرات من رؤوس الخرفان أمامهم، بعد أن طاف أحدهم بين المنازل عارضا خدماته المتمثلة في شواء رأس الخروف وسيقانه بمقابل مادي، ما يجعلهم يوفرّون عبر هذه الأعمال البسيطة التي تزدهر في أول أيام العيد وثانيها، مصروف الجيب.

أمّا رأس الخروف فيعدّ “مُصلي”، فيما تُحفظ سيقانه لإعدادها “هرڨمة” (حساء) في ليالي الشتاء البارد.

ثاني أيام العيد

عادة لا يقوم التونسيون بتقطيع الخروف في يوم العيد ويتركون هذه العملية لليوم التالي، إمّا بشكل ذاتي أو عند أحد الجزارين، وتسمّى هذه العادة “حجّ الخروف”، وهي عادة صحية تمنح اللحم المزيد من الوقت ليجُفّ.

وبعد تقطيعه، يوزّع اللحم بين ما هو خاص بالطبخ، وما هو صالح للمشاوي، وآخر للحفظ، وهو ما يسمّى عند التونسيين بـ”القدّيد”، وهي عادة تونسية راسخة، ومنتشرة في كل المناطق التونسية، حيث تُقتطع أجزاء من لحم الخروف، ليتمّ تجفيفها في الشمس الحارقة بعد طلائها كليّا بالملح.

ولتحضير القدّيد تُقطّع ربات البيوت اللحم إلى شرائح رفيعة وتتبل بالملح والتوابل بكثرة، ثم يترك ليرتقد ليلة كاملة، قبل أن يعلّق لمدة ثلاث أيام -إذا كانت الشمس حارة- لحفظه من التلف.

وبعد أن يجفّ يوضع مباشرة في أكياس بلاستيكية غذائية ويترك في الثلاجة.

واللحم المقدّد أو “القدّيد” كما يسمّيه التونسيون يخزّن لاستعماله، لاحقا، في تحضير أكلات شتوية متنوّعة، منها: الكسكسي بالقدّيد، والعجّة بالقدّيد، والمحمّصة بالقدّيد، والحلالم بالقدّيد، أو لإعداد أكلات خاصة ببعض المناسبات على غرار رأس السنة الهجرية وعاشوراء.

لكن على المرأة قبل طبخ القدّيد، تقطيعه قطعا صغيرة ووضعه في الماء الدافئ لمدة 5 دقائق، ليتخلص من الملح، وكما يجب عليها مراعاة كمية الملح، بمعنى أنه لا يجب وضع الملح على الأكل إلّا بعد أن تضع القدّيد من أجل ضبط كمية الملح.

وفي معجم “الوسيط” تعني كلمة “قديد” قطعا من اللحم مع الملح جفّف في الهواء والشمس وعلى الفحم.

والقدّيد معروف منذ عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إذ إنّ أمّه كانت تأكله، وذلك حسب الحديث الشريف: “أتى النبي رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه، فقال له: هوّن عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد”.

وهي طريقة قديمة للاحتفاظ باللحم ولتخزينه في ظل عدم وجود الثلاجات في الزمن القديم.

وذلك إما بوضعه في الهواء والشمس وإما وضعه على نار الفحم، وعادة ما تتمّ عملية التجفيف في الصيف لوجود الشمس الكافية، إلّا أنها ارتبطت، أخيرا، بعيد الأضحى، وذلك عندما يكثر اللحم ولا يوجد مكان مناسب لحفظه.

وللقدّيد فوائد عديدة منها، أنه يحتفظ بالبروتينات، إضافة إلى أنه من العناصر الأساسية لبناء الجسم، كما يعتبر بمثابة مطهّر للأمعاء لما فيه من توابل مثل: الثوم والفلفل، إضافة إلى رائحته الزكية التي تفتح الشهيّة.