أعلنت اللجنة الوطنية للدراما في سوريا تعليق تصوير مسلسل “قيصر” مؤقتا بعد انتقادات شعبية واسعة رافقت عرض العمل، وسط جدل متصاعد حول حدود معالجة القضايا الإنسانية الحساسة دراميا.
وجاء القرار استجابة لحالة الاحتجاجات التي اعتبرت أنّ العمل لا يعبّر عن حجم مأساة ضحايا الاعتقال والتعذيب في سوريا.
أهم الأخبار الآن:
وأثار المسلسل جدلا واسعا إثر بدء تصويره إلى درجة خروج البعض في مظاهرات في شوارع سوريا مطالبين بإيقافه.
وأكّدت اللجنة الوطنية للدراما في بيانها أنّ الصالح العام والسلم الأهلي يمثلان أولوية مطلقة، مشدّدة على أنّ التاريخ سيحكم على الخيارات المبنية على الحكمة والتوازن بعيدا عن ردود الفعل اللحظية أو التوظيف السياسي للفن.
وإثر الانتقادات والاعتراضات التي واجهها العمل على مواقع التواصل الاجتماعي، اضطرّت منصة “شاشا” إلى إيقاف عرض مسلسل “سجون الشيطان” المعروف أيضا باسم “قيصر”، على أن يتمّ استكمال بثه عبر قناة شركة الإنتاج على يوتيوب.
ويتناول المسلسل، المؤلف من 30 حلقة موزّعة على 10 ثلاثيات، أحداثا مستوحاة من روايات مرتبطة بما جرى داخل سجن صيدنايا، متضمنا قصصا عن الانتهاكات والتعذيب خلال سنوات الصراع، وهو ما أثار رفضا شعبيا لتحويل المأساة إلى مادة درامية قابلة للتسويق أو الربح الإعلاني.
مراجعة شاملة للمحتوى
وأكّدت اللجنة أنّ استكمال المشروع لن يتمّ قبل إجراء مراجعة شاملة تشمل تغيير عنوان المسلسل وإعادة تقييم قائمة المشاركين في العمل، مشيرة إلى أنّ القرار يأتي انسجاما مع حساسية المرحلة وحرصا على السلم الأهلي.
كما أوضحت أنّ عنوان “قيصر” جاء نتيجة تشابه أسماء فقط، وأنّ العمل لا يتمحور حول شخصية بعينها، بما في ذلك الإشارة إلى “قيصر/فريد الذهان” مؤكّدة أنّ المعالجة الدرامية تتضمن عناصر تخييلية ولا تستند بالكامل إلى وقائع موثقة.
من هو قيصر؟
بالنظر إلى تاريخ ثورة الشعب السوري، يرمز اسم قيصر إلى المصور العسكري السوري فريد المذهان، الذي خدم في نظام الأسد بداية من عام 2000 قبل أن ينشق عام 2013 ويتصرّف بنوع من البطولة حين سرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل ممّن قتلوا في السجون فاضحا مدى تفشي الفساد بين ثنايا النظام، خاصة أنّ جزءًا كبيرًا من الصور كان لضحايا في 2011 دفعوا أرواحهم ثمنا بمجرد انطلاق شرارة الثورة.
ورغم دوره المهم الذي ستخلده كتب التاريخ على الأغلب، إلّا أنه لم يفصح عن هويته وشكله الحقيقي إلّا في السادس من فيفري الجاري بعد سقوط النظام.
ومن جانبه نفى المذهان في بيان عام حقيقة كونه سمح أو فوّض ولو بموافقة شفهية لأيّ جهة إنتاجية تقديم قصته في عمل درامي سواء على الشاشة الصغيرة أو الكبيرة، مؤكّدا أنّ استخدام اسمه بأيّ عمل مسؤولية الجهة المنتجة وحدها لا غير.
لا لاستثمار المأساة
وأثار العمل نقاشا مجتمعيا حول كيفية تناول الذاكرة السورية المؤلمة دراميا، حيث يرى منتقدون أنّ معاناة المعتقلين لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للترند أو وسيلة لتحقيق انتشار عبر المنصات الرقمية.
وحذّر معارضو العمل من أنّ إعادة تجسيد التجارب القاسية قد يفاقم الألم لدى العائلات المتضرّرة، مطالبين باحترام خصوصية الضحايا وعدم استثمار المأساة لأغراض تجارية أو إعلامية.
اعتراضات على البطولة
وامتدّ الجدل ليشمل اختيار غسان مسعود لبطولة المسلسل، حيث أثار الأمر اعتراضات لدى بعض الناشطين بسبب مواقفه المؤيدة للنظام السوري السابق، ما اعتبره البعض غير مناسب لطبيعة القضية المطروحة وحساسيتها.
من جهتها، جدّدت رابطة عائلات قيصر رفضها القاطع للمسلسل، مؤكّدة أنّ معاناة ضحايا صور الاعتقال والمغيبين قسرا ما زالت حاضرة في وجدان العائلات السورية.
وشدّدت الرابطة على أنّ الأولوية يجب أن تكون لكشف الحقيقة الكاملة حول مصير المفقودين، وتحديد أماكن وجودهم، والعمل على تسليم رفاتهم إلى ذويهم بما يحفظ الكرامة الإنسانية، معتبرة أنّ مسار العدالة والحقيقة يسبق أيّ معالجة فنية للقضية.
ويأتي هذا السجال ضمن نقاش أوسع داخل المشهد الثقافي السوري حول دور الدراما في معالجة القضايا التاريخية المؤلمة، حيث يرى مؤيدو موقف اللجنة أنّ الفن يجب أن يسهم في التعافي المجتمعي وبناء خطاب وطني جامع، بينما يحذر آخرون من أنّ القيود المفرطة قد تحدّ من حرية التعبير الفني.


أضف تعليقا