ثقافة

عن الديجتال.. مثقّفون يؤكّدون: ثقافة مُهمّة ولكنّها منقوصة

صابر بن عامر

معتقلو 25 جويلية

تحوّل العالم من مسار إلى آخر هو العالم الرقمي أو الديجيتال، وباتت كل المكوّنات السابقة مُندرجة في سياق هذه التقنية، وأصبحت كل تلك التحوّلات مُتاحة بين أيدينا بضغطة زر، فإذا أردنا قراءة الصحف ندخل إلى المتصفّح الرقمي، وإن أردنا مُشاهدة أفلام معيّنة وثائقيّة، سينمائيّة، بأنواعها المختلفة نلج عالم المنصات الرقميّة.. فهل الديجيتال يُثقّف؟

سؤال طرحته بوابة تونس، فتباينت الإجابات بين مُنتصر للحامل الجديد ورافض له.. وكانت هذه الإجابات لبعض المُثقّفين والمُختصّين من تونس والوطن العربي في جزئها الثاني:

ثقافة عصرية مهمّة.. ولكن

ردّا على سؤالنا تقول الإعلامية والمخرجة والمُنتجة المُنفذّة اللبنانية زلفا عسّاف: “إن أردنا قراءة الكتب هناك كميات هائلة على المنصّات العالمية تُتيح القراءة لعشاقها، وتضع أمامهم الخيارات المتنوّعة وسهولة التصفّح.. ومن ثمّة بات العالم الرقمي يجلب الأخبار من كل حدب وصوب عبر التطبيقات المتنوّعة و”قروبات” الواتساب، فتصلك الأخبار دون أن تنتظر موعد إذاعة النشرات.. السهولة والمرونة وتنوّع الخدمات أتاحت، هذا اللجوء الذي لم يعُد بديلا بل أصبح ضرورة نعتمدها في يومياتنا”.

وتُؤكّد عسّاف: “نعم، هو وسيلة مُهمّة لثقافتنا العصرية، وكما كلّ شيء هو سلاح ذو حدين، وعلينا أن نقيس ميزان هذه الثقافة بمقياس مدى إيجابيتها وسلبيتها”.

رقمنة المعارف وتبسيطها للعامة

غير بعيد عن موقف زلفا عسّاف المُنتصر لثقافة الرقمي ومدى نجاعته وفعالياته في عصرنا الراهن، رغم إقرارها بهناته أحيانا، يقول الشاعر والباحث التونسي البشير موسى: “لا يُمكن -حسب رأيي- التّشكيك في دور الديجيتال في تثقيف النّاس. ففي عصرنا هذا صار يتمّ تشكيل وعينا وتصوّراتنا ومعارفنا لا في علاقة بمن نحن على مقربة منهم فقط، بل أصبحت الأدوات الرّقميّة تُمكنّنا من التواصل مع الأشخاص ذوي التفكير المُماثل عبر مدن ودول ومناطق مختلفة”.

ويستطرد موسى: “المجتمعات الرقمية تفتح عالما من الإمكانات والاختيارات للأشخاص الذين يرغبون في المعرفة من خلال التواصل والاطّلاع خارج مناطقهم المحلية الضيّقة.. لقد ساهمت الوسائط الرّقمية والرّقمنة عموما في تحويل كمّ هائل من المدوّنات المعرفيّة الفكرية الأدبية والعلمية من الواقع الملموس إلى الديجيتال، أي الواقع الافتراضي المُرقمن الذي يكون دخوله أو الوصول إليه أسهل بكثير”.

وعليه يخلص الشاعر التونسي إلى أنّ: “جميع المنتجات الثقافية من فنّ بأنواعه وأدب بأجناسه ومعارف سواء في الإنسانيات أو العلوم إلى جانب الأحداث اليومية والأخبار، كلّها وقعت رقمنتها، فهي الآن مُتاحة بأسهل الطرق، وتقريبا بلا تكلفة مادية لكل من تروم نفسه المعرفة والتّثقيف”.

وفي السياق ذاته يقول الإعلامي التونسي المُقيم في باريس بولبابة الأنصاري: “إذا اعتبرنا أنّ جزءًا من مفهوم الثقافة هو التطلّع إلى المعرفة والمعارف وكل ما هو جديد، فإنّ كل مجال مُستحدث هو ثقافة جديدة، وعليه فقط حسن استغلال إيجابيتها في خدمة الإنسان والمجتمع ككل”.

الذكاء الاصطناعي لا يُقدّم أسئلة؟

على خلاف عسّاف وموسى والأنصاري، يرى الناقد والفنان التشكيلي الليبي عدنان بشير معيتيق أنّ ما يُقدّمه عالم الديجيتال اليوم يظلّ فعلا منقوصا، مُبرّرا: “مع الانتشار الواسع للحياة البديلة التي باتت واقعا ضروريا لأغلب سكان المعمورة أصبحت أدوات الديجيتال من أهمها في استعمالات البشر اليومية، مثل الاطّلاع على الصحف الإلكترونية ومواقع الثقافة والعلوم الأخرى من أجل تحصيل المعلومة السريعة والمختصرة، إلّا أنّها ليست كاملة في أغلب المصادر المُتاحة بشكل مجاني، وإن كانت في حقيقتها داعما كبيرا للباحثين والدارسين لتكوين تصوّرات مبدئية عن المادة المراد البحث عنها”.

ومع ذلك يُؤكّد الناقد الليبي: “لكن تبقى مُكمّلا وليست المصدر الأساسي والرئيسي، خصوصا أنّ أغلب مصادر المعلومة المُهمّة والمُفيدة والحصرية ما زالت في الكتب الورقية، وذلك لقيمتها وثمنها أو المواقع والصحف التي تكون بمقابل مادي، مثل المجلّات العلمية والفنية الكبرى”.

وعليه -وفق معيتيق- فوسائط الديجيتال ما زالت غير قادرة عن الإيفاء بكل مُتطلّبات الدارسين والمثقّفين والفنانين، حتى مع ظهور الذكاء الاصطناعي وكيفية توفير كتابات جاهزة عن النقد الأدبي والفني ومشاريع في أغلب العلوم الأخرى، إلّا أنّها تبقى محض “تجميع معلومات” من مصادر مُختلفة بالإنترنت ومُعالجتها بسرعة كبيرة جدا، وتعتمد على الأسئلة المُقدّمة من الباحث نفسه، والذكاء الاصطناعي لا يُقدّم أسئلة بل يبحث حسب الأوامر المُقدّمة له، وهذا يبقى عملية ناقصة دائما دون تدخّل البشر”.