رأي عرب

عن الدحدوح واغتيال الصحفيين.. الاحتلال يُحاصر الحقيقة

أنيس العرقوبي

كيف له أن يبقى واقفا على قدميه ويعطي تصريحات حول ما جرى لأهله من تقتيل وحتى دموعه التي انسابت في صمت وصفها بأنّها لا تعبّر عن حالة انكسار؟

كيف له وهو يصل الليل بالنهار لا يخلع عنه السترة الواقية من الرصاص أو حذاءه الذي يكاد يلتصق بلحم قدميه، أن يلقي مداخلة صحفية توصف الواقعة وعدد من أهله من بين شهداء القصف الغاشم ويختتمها بـ”معلش (لا بأس).. إنا لله وإنا إليه راجعون”؟ كيف يجد تلك الكلمات وكيف يسترسل في خطابه دون تلعثم أو أخطاء في النحو؟

كيف له أن يُحافظ على نبرة الصوت ذاتها في تغطية الأحداث وفي سرد قصة عائلته التي قضت في العدوان الإسرائيلي الذي طال عائلات كانت آمنة؟

أسئلة تراود -تقريبا- كل الصحفيين الذين حزنوا لمصاب زميلهم في غزة وصدموا من رباطة جأش وائل الدحدوح مراسل شبكة الجزيرة ومدير مكتبها في قطاع غزة، الذي أبدى صمودا وشموخا أذلّ به الاحتلال.

على قدر الحزن المتأتي من متابعة الأحداث في غزة بعد وصول حصيلة الشهداء إلى أكثر من 7 آلاف فلسطيني أغلبهم أطفال ونساء، ومن استهداف الصحفيين في قطاع غزة المحاصر، تثير قصة وائل الدحدوح وجعا كامنا لدى قطاع واسع من الصحفيين العرب.

يستشهد المراسل في الميادين دفاعا عن الحقيقة كما يستشهد المقاوم وهو يردّ عدى عن أرضه، هذا الأمر صار معتادا ومألوفا لدينا نحن معشر الصحفيين منذ استشهاد طارق أيوب في بغداد (3 أفريل 2003) وصولا إلى شيرين أبو عاقلة في 11 ماي 2022، لكن هذه المرة نقف عند ما يعيشه الصحفي من مآساة.

الدحدوح.. قالها وصدق

لا يختلف اثنان في أنّ قصة اغتيال عائلة الدحدوح تصوّر بشكل جلي ما يعيشه المراسل الحربي زمن الصراع من هواجس ومخاوف متعددة، إذ إنّه مطالب بحماية نفسه وطاقم التصوير لكنه أيضا مدعو إلى تأمين عائلته من العدوان الإسرائيلي، وهذا الأمر تراه في غزة دون غيرها من ميادين النزاعات.

وهذا الأمر ينسحب على باقي المراسلين في قطاع غزة الذين استشهد أفراد من عائلاتهم وسط استمرار العدوان الوحشي الذي يستهدف الصحفيين بشكل مركّز.

إنّ الألم الذي يُخفيه الدحدوح الصامت لا يمكن فهمه دون الرجوع إلى سيرته المهنية وتصريحاته الإعلامية رغم ندرتها، فالرجل خبر ميادين الحروب وغطّى أغلب الهجمات الإسرائيلية على القطاع المحاصر حتى بدا للمشاهدين أنّ الجزيرة لا تملك في مكتبها غيره.

إنّ ألم الدحدوح الحقيقي متأتّ من أمر واحد وهو إنساني بالأساس ويكمن في شعور الأبوة الذي يفتقده كلما نودي إلى الواجب المهني والوطني، فالأخير لا يفرّق بينهما ويعتبر أن الصحافة جهاد يدفع به العدو الجاثم على أرض فلسطين.
ففي حوار صحفي سابق أدلى به لتلفزيون الجزيرة، قال الدحدوح إنّ “دور الأب مفقود في مهنة الصحافة.. فعندما يحتاجك أولادك يفتقدون وجودك، وهذا شيء مؤلم جدا”.

قالها وصدق، فبينما يقوم الدحدوح بما يمليه عليه واجبه المهني اغتالت السلطة المحتلة المتغطرسة عددا من أولاده وزوجته وحفيده ولم يكن حاضرا لحظة استشهادهم، والأنكى من ذلك أن ينقل صورة استقبالهم في المستشفى ودفنهم للعالم.. إنّه ألم القوّة وما هو بضعف.

وحتى تعرف شيئا من تاريخ الصحفي الإنسان نسرد إليك ما تيسّر من سيرته المهنية وفيها جزء من الإجابات عن الأسئلة التي صدرنا بها التقرير عن جلد الرجل وصبره وقوة عزمه.

الدحدوح.. المراسل المناضل

هو وائل حمدان إبراهيم الدحدوح ولد في 30 أفريل 1970 في حي الزيتون بمدينة غزة التي نشأ فيها، وتلقّى دراسته في المدارس الابتدائية والثانوية في غزة وحصل على الثانوية العامة عام 1988.

قضى 7 أعوام من عمره في سجون الاحتلال بعدما تم اعتقاله عام 1988 بسبب مشاركته في الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

بعد خروجه من السجن استكمل دراسته بالجامعة الإسلامية في غزة وحصل على درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام عام 1998، وعندما حاول السفر خارج فلسطين من أجل استكمال دراسته كان الاحتلال له بالمرصاد، لكن منعه من السفر لم يحل دون حصوله على الماجستير من جامعة أبو ديس بالضفة الغربية، وفق الجزيرة.

وبدأ الدحدوح حياته المهنية مراسلا لعدة وسائل إعلام فلسطينية منها صحيفة القدس وذلك قبل أن يلتحق بمكتب الجزيرة في فلسطين مراسلا ابتداء من عام 2004، ثم أصبح مديرا لمكتب الجزيرة في غزة.

وعلى مدار السنين (نحو 20 عاما) شارك الدحدوح مع زملائه في تغطية كل الحروب التي شهدها هذا القطاع المحاصر، وخلال هذه الحروب فقد نحو 20 من أقاربه بينهم إخوته وأبناء عمومته.

وتظهر سيرة الدحدوح أنّه ابن المكان محاصر كبقية سكان غزة وملاحق كالفلسطينيين جميعا ومتضرر من العدوان الإسرائيلي الذي تسبّب في استشهاد أفراد من عائلته وأقاربه، فكيف لا يبقى واقفا؟!

استهداف الصحفيين

اغتيال عائلة الدحدوح وعدد من المراسلين والصحفيين في قطاع غزة، يُظهر بما لا يدع للشك الوجه الأسود للاحتلال الذي يصب قذائفه على الأطفال والشيوخ والآمنين في بيوتهم، كما يبرز حجم الألم الذي يكمن في نفسية أهل مهنة الصحافة وهم أناس يبكيهم الفقد كما يحزنهم الفراق.

 وصورة استشهاد الصحفيين (21) في العدوان الأخير للاحتلال على قطاع غزة هي الأكثر بؤسا من أيّ وقت مضى، فالعمل الصحفي ما زال يرزح تحت الانتهاك والقمع اللّذين يمارسهما المحتلّ دون عقاب أو حتى لوم.

ورغم الصدمات التي تحدث تباعا منذ اغتيال شيرين أبو عاقلة إلى الآن، يدرك الصحفيون الميدانيون في القطاع أنّ الكيان لن ينفكّ على استهدافهم في ظل الصمت المطبق للمنظمات الدولية التي لم تقدر على إلجام آلة القتل لديه.
لذلك، فهم على دراية بما يمكن أن يصيبهم في ظل استمرار العدوان، ويعلمون جيّدا أنّ هجماته ليست إلّا محاولة جبانة يستخدم فيها أساليب إرهابية بهدف إسكاتهم.

إن الاستهداف الإسرائيلي المتكرر للمراسلين في قطاع غزة يأتي في إطار محاصرتها الحقيقة، وفي ظل فشلها في تشكيل الرأي العام الدولي الذي أصبح شاهد عيان على فظائعه وجرائمه الوحشية ولا يمكنه بحال من الأحوال تغطيتها بغربال الإعلام الغربي.

قد نتأثّر نحن الجالسون في الديسك لحظة سماع أخبار استشهاد زملائنا في ميادين الصراع للحظات، لكن تأكّدوا أننا لا نكفّ عن لعن ما تخطه أيادينا من كلمات في موادنا التحريرية -نشكّلها من مداخلات مختصرة ومختزلة للمراسلين الذين يواجهون الصعاب والأخطار لاطّلاعنا على أصل الحكاية أو الحقيقة- لأنّنا ببساطة لا نعيش ما يعيشونه من خوف ولا ننظر إلى الزوايا التي ينظرون إليها.

نحن أيضا نلعن قيود الخبر (الخبر مقدّس والتعليق حر) التي تحول دون إبراز تلك العواطف الإنسانية (خوف تعب رجاء) التي تظهر على وجوه المراسلين زمن الحرب والصراعات.. لذلك نحن نعتذر منهم وليغفروا لنا.