تونس رأي

عندما تعجز الدولة عن تعديل أسعار الخرفان!

عبدالسلام الزبيدي 
شهد السعر المرجعي للكيلوغرام الواحد لأضحية العيد (خروف حيّ) خلال السنوات الثلاث الأخيرة ارتفاعا غير مسبوق. فمن 2021 إلى 2024 تضاعفت التسعيرة التي تُعتبر حصيلة اتّفاق بين السلطات الحكومية والإدارية من جهة وبين المهنيين من جهة ثانية.
فقد انتقل سعر الكيلوغرام من 13 دينارا سنة 2021 إلى 14 دينارا سنة 2022 أي بزيادة دينار واحد. وهو ما يمثّل المعدّل المعتاد للزيادة خلال السنوات السابقة لذلك التاريخ، علما أنّه عرف في بعض الأحيان استقرارا. ويعكس استقرار السعر أو الزيادة الطفيفة قدرة الحكومات في ذلك الوقت على تعديل الأسعار وتفعيل الآليات المتاحة للضغط على نسق ارتفاعها، مع ضمان عدم تضرّر الفلاّح المنتج.
الجفاف أم عجز الدولة عن التعديل 
أمّا السنة الماضية، فقد كان الارتفاع كبيرا سواء رسميّا أو واقعيّا. فمن الناحية الرسمية أعلنت السلطات الحكومية والإدارية والمهنية عن الترفيع في السعر المرجعي بحوالي 4 دنانير دفعة واحدة، ليكون في حدود 17800.
 وهذه سابقة تمّ تعليقها على شمّاعة الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، في حين يمكن إرجاعها كذلك إلى عدم قدرة الدولة على حوكمة قطاع الأعلاف بالآليات المتوفرة (التوريد، الدعم، مراقبة مسالك التوزيع، تفعيل الأدوار الموكولة حاليا إلى ديوان الأعلاف من خلال المؤسسات القائمة). بالإضافة إلى توريد الخرفان لتعديل السوق، لكن التوازنات المالية للدولة لم تسمح بذلك، وهو ما يعني أنّ الإشكال ليس بالضرورة في “الطبيعة/ الجفاف” وإنّما في الإمكانات المتوفرة لدى الدولة.
ورغم ارتفاع السعر المرجعي للخرفان خلال السنة الماضية، فإنّ الأطراف الموقّعة على الاتّفاق لم تلتزم به وباعت الأضاحي بأغلى ممّا هو مقرّر. وعلى عكس ما يذهب إلى الظنّ، فإنّ المهنيّين (الفلاحون) لم يكونوا الجهة الوحيدة المخالفة، بل وزارة التجارة ذاتها ممثّلة في شركة اللحوم الراجعة إليها بالنظر. فقد صرّح رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك عمّار بن ضية بأنّ الشركة العمومية المؤتمنة على تفعيل بعض آليات تعديل السوق وترشيد الأسعار باعت الخرفان الحيّة بـ18 دينارا و500 مليم للكيلوغرام الواحد. إنّه ربّ البيت ضارب الدف…
لم يعد يفصلنا عن عيد الأضحى إلاّ 15 يوما فقط، وبالرغم من ذلك لم يتوصّل “الفرقاء” إلى إيجاد أرضية اتّفاق. فممثّلو الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري يطالبون بأن يكون سعر الكيلوغرام الواحد بين 24 دينارا و25 دينارا أي بزيادة تحوم حول 7 دنانير للكغ، ما يعني ضعف السعر المعمول به سنة 2021  تقريبا. في حين أنّ ممثلي السلطات الحكومية والإدارية يرفضون هذه القيمة ومتمسّكون بسعر مرجعي في حدود 22 دينارا، أي بارتفاع 4 دنانير عن السنة الماضية. وهو ارتفاع لم يعرفه المجال سواء من حيث القيمة أو النسبة منذ بدء العمل بهذه التقنية التعديلية.
ويعكس هذا التباين تباعد وجهات النظر بين السلطة والمهنة. الأولى لا تريد تشريع الزيادة القياسية الجديدة التي لن تترتب عليها ارتفاع أسعار الأضاحي بشكل جنوني فقط، بل ستكون من آثارها ارتفاع سعر كيلوغرام اللحم عند محلات الجزارة لتقارب الـ60  دينارا، علما أنّ معدّله الآن 50 دينارا ولامس الـ54  دينارا في بعض المحلات خلال الفترة الماضية.
أمّا المهنيون فإنّهم يعتبرون مطلبهم بالترفيع عادلا ومعقولا بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج، ومن غير المقبول، حسب تصريحاتهم، البيع بالخسارة وتحمّل مسؤولية عجز الدولة عن التعديل وتحوّلهم من طالبي دعمٍ للإنتاج إلى داعمين للمستهلك، وتلك من مهام الحكومة وليس الفلاّح المنتج.
إنّها “قضيّة دولة”
يتبادر إلى الذهن أنّ الحلّ يكمن في التوريد لتعديل السوق من أجل تمكين المستهلك من شراء أضحية بأسعار معقولة، هذا الحلّ مرفوض من الطرفين، فالفلاح يرفض التوريد لأنّ نتيجته ستكون الضغط على الأسعار في السوق المحلية ممّا يكبّدهم خسائر ويُجبرهم على البيع بالخسارة. أمّا السلطات الحكومية ممثّلة في وزارة التجارة فقد صدعت بقرارها في جلسة الأربعاء الماضي 29 ماي بمجلس النواب، حيث أكدت الوزيرة كلثوم بن رجب أنّ الوضعية المالية لشركة اللحوم تعاني صعوبات. ومعلوم أنّ هذه الصعوبات تحول دون توفير السيولة اللازمة للتوريد من أجل ضمان التعديل.
وأرجعت وزيرة التجارة سبب الصعوبات المالية لشركة اللحوم إلى توريد الخرفان من رومانيا سنة 2012. ولسنا هنا في وارد النظر في مدى معقولية هذا التبرير، لكن ما يهمنا هو أنّ الدولة ترفض التوريد أو هي عاجزة عن ذلك لأسباب مالية سواء كانت ذات علاقة بشركة اللحوم أو وزارة التجارة أو المالية العمومية.
إنّ تعديل السوق مُتعذِّر، والوصول إلى اتّفاق حول السعر المرجعي صعب، والالتزام بالأسعار عند إقرارها غير وارد لسببين رئيسيين، أوّلهما أنّ السعر المرجعي هو أشبه ما يكون بالالتزام الأخلاقي ولا تنجرّ عن مخالفته أيّة آثار قانونية أو عقوبات، وثانيهما أنّ التجربة أثبتت أنّ تطبيق مثل هذا الاتّفاق “ليس من عاداتنا”، فالسوق هي الفيصل.
وأمام عجز الدولة عن تعديل السوق والضغط على الأسعار، قد يكون الحلّ عند المواطن المستهلك بالمقاطعة أو عند الدولة بإصدار فتوى حول التخلّي عن الأضحية وما شابه.
فبخصوص المقاطعة، يبقى المستهلك سيدّ خياراته بين ضبط الأولويات وحقيقة مقدرته الشرائية وتقديسه للشعائر وتعظيمها. أمّا الدولة في تونس فقد أعلنت منذ عقود فصل الدين عن شؤون ترتيب الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وعادة ما تصدر  هذه الدعوات ذات الطابع الديني ممّن يؤيدون هذا الفصل، وبذلك يعيدون -دون أن يشعروا- من الشباك ما حرصوا على إخراجه من الباب.
إنّ ما نعيشه أكبر من قضية إنتاج خرفان وأسعارها، وأكبر من شراء أضحية العيد أو الامتناع عن ذلك. تكشف هذه الوضعية عن هشاشة منظومات الإنتاج، وإشكاليات في المالية العمومية، ومصاعب المؤسسات الراجعة إلى الدولة، وصعوبة التوفيق بين إمكانات الدولة ومطالب الفلاحين والمقدرة الشرائية للمواطن.. المسألة أكبر من خروف يتقرّب به المتعبِّد إلى الله أو يشتريه تحت ضغط العادة واستجابة لإلحاح الأبناء، إنّها “قضية دولة” عاجزة عن توفير خروف بسعر معقول دون إلحاق أيّ ضرر بالفلاّح.