عرب

عندما تحاضر سكاي نيوز عربية عن “الشرف المهني”

في خضم أجندتها القائمة على التلفيق والترويج لدعاية الاحتلال.. قناة إماراتية تطرح سؤالا استنكاريا عن “الأخلاق الصحفية”
تداول ناشطون من كيان الاحتلال على منصات التواصل الاجتماعي، مقطعا من برنامج “منصات” الذي يبثّ على قناة “سكاي نيوز عربية”، الإخبارية الإماراتية تستنكر فيه مقدّمة البرنامج “تخلّي الصحفي اللبناني علي مرتضى عن أخلاقه المهنية”، وفق زعمها بسبب نشره فيديو على صفحات التواصل الاجتماعي يسخر فيه من حالة الذعر التي تخيّم على سكان المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، نتيجة استهداف حزب الله للمواقع العسكرية والاستيطانية المحاذية للحدود اللبنانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأشاد عشرات المدونين “الإسرائيليين” بما جاء على لسان مقدمة قناة “سكاي نيوز عربية”، بشأن الفيديو الذي نشره الصحفي اللبناني بقناة الميادين علي مرتضى، حيث قام بعضهم بترجمة المقطع إلى اللغة العبرية، لتتسنى مشاهدته لأكبر عدد من الجمهور المحلي.

إشادة من إعلام الكيان

ونشر روعي كايس الصحفي بقناة “كان 11″، التابعة لهيئة البثّ الرسمي بكيان الاحتلال المقطع مرفقا بالتعليق التالي: “مقطع قوي، مقدمة قناة سكاي نيوز باللغة العربية الإماراتية تردّ على مراسل قناة الميادين علي مرتضى، الذي يمدح بهجمات حزب الله الإرهابية، وينتقد عدم تحلّيه بالأخلاق الصحفية”.
وحظي الفيديو الذي نشر روعي كايس بما حمله من إشادة ضمنية لقناة سكاي نيوز عربية، بتفاعل واسع، حيث تخطّى 14 ألف مشاهدة، فضلا عن عشرات التعليقات وإعادة نشره.
وخاطب الصحفي علي مرتضى في التسجيل الذي نشره على منصات التواصل الاجتماعي، المستوطنين المقيمين بمستوطنات “كريات شمونة” و”غلالية”، قائلا “أهربوا، أهربوا بعيدا، أنظروا ماذا نرسل إليكم الآن”، مشيرا إلى المسيرات الانتحارية التي يطلقها حزب الله باتجاه الأراضي المحتلة.
وتابع علي مرتضى: “عندما تسمعون هذا الصوت… فهذا نحن الذين نرسل إليكم المسيّرات المفخخة، إنهم يومكم السيّء وأتمنى لكم الموت جميعا”.

سؤال عن “الأخلاق المهنية”

وتساءلت مقدمة برنامج منصات في سياق تعليقها عن الفيديو: “ما الدوافع التي تجعل صحفيا يتخلّى عن أخلاقه المهنية ويعرّض زملائه للخطر، في تحدّ واضح لمن يصفهم هذا الصحفي بأعدائه، وجاعلا من زملائه الآخرين شركاء في الحرب”.
ولعل أول استنتاج يتبادر إلى الأذهان، هو ضرورة تفكير المسؤولين عن قناة “سكاي نيوز” عربية، في ترجمة موادهم الإعلامية إلى اللغة العبرية، حتى يتسنّى الاطّلاع عليها من قبل طيف واسع من جمهور الكيان المحتل، والمتعطش بطبعه إلى “صوت إعلامي عربي”، يتبنّى أكاذيبه وطروحاته ومزاعمه بشأن الحرب على غزة، بدلا عن منصات الإعلام البريطاني والغربي والأمريكي التي فقدت مصداقيتها لدى مشاهديها وجماهيرها، بعد تحوّلها إلى ما يشبه “غرفة عمليات إعلامية”، لقوات الاحتلال على مدار الأشهر الماضية.

عزف إعلامي “نشاز”

والمتابع لتعاطي “سكاي نيوز عربية” مع عملية طوفان الأقصى، وما تبعها من عدوان عسكري على الشعب الفلسطيني في القطاع، يدرك أنّ ما جاء في برنامج منصات، لا يشكّل استثناء أو نشازا ضمن المعزوفات التي تردّدها وسائل الإعلام الإمارتية، والتي تعمد إلى تشويه المقاومة الفلسطينية وتبييض جرائم الاحتلال، وتبنّي خط تحريري يعتمد الترويج للدعاية “الإسرائيلية”، ويتبنّى مواقف وآراء معادية لحركة حماس وسائر الفصائل الفلسطينية المقاومة.
لم تكتف “سكاي نيوز عربية”، خلال تغطيتها الحرب على غزة بتبنّي سياسة نظيرتها الأمريكية في الانحياز الفاضح للاحتلال، وليّ عنق الحقائق والتعمية على انتهاكات قوات الاحتلال وجرائمها في حق آلاف المدنيين الفلسطينيين، بل عملت بطريقة فجة ومستفزة على الترويج للتطبيع الإعلامي، فضلا عن ترويج عناوين زائفة للعدوان الهمجي على كونه “حربا بين إسرائيل وحركة حماس”، واختزال المجازر والإبادة الجماعية والتي خلّفت قرابة 35 ألف شهيد وعشرات آلاف الجرحى، بكونها “ضربات ضد مواقع مقاتلي حماس”.
وبالتزامن مع هذه “المآثر المهنية”، شكّلت تغطية القناة الإماراتية “نموذجا فاضحا” للتحيّز الإعلامي لا تنافسها فيه سوى “بي بي سي عربية”، وبعض الشبكات الإخبارية الأمريكية المقرّبة من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، بعد أن جعلت من نشرتها الإخبارية وبرامجها الحوارية منبرا لمسؤولي كيان الاحتلال وقياداته العسكرية، والمدافعين عنه وكل من يتبنى مواقفه، مقابل تغييب شبه كامل للرواية الفلسطينية، أو حتى بعض “الأصوات المعتدلة” التي تتبنّى موقفا إنسانيا في ما يتعلق بمعاناة المدنيين الفلسطينيين في القطاع.

إستراتيجية التلفيق

وبعيدا عن تهافت “خطاب المهنية” وسطحيته، الذي حاول فريق تحرير برنامج “منصات”، استعماله لتغليف قصة الفيديو والتغطية على دوافعها الحقيقية، فإنّ أيّ متابع يمتلك قدرا من حصافة الرأي والفكر، لا بد له أن يتساءل: أ لم تجد”سكاي نيوز عربية” من نموذج كي تحاضر عن الشرف المهني سوى صحفي بقناة الميادين التي تصفها بأنها “ذراع تابع لمليشيا حزب الله وإيران”.
الواضح أنّ اختيار الفيديو الصحفي علي مرتضى، وفق ما يذهب إليه مراقبون، لم يك اعتباطيا أو عشوائيا، بل يتنزّل ضمن أجندة “سكاي نيوز عربية” للتزييف وتشويه المنابر الإعلامية التي تنقل الصورة الحقيقية للحرب على غزة، وجعلت من شاشتها منبرا لنقل مواقف المقاومة الفلسطينية والمحور الداعم لها في لبنان والعراق واليمن، إزاء التعتيم الممنهج الذي يمارسه الإعلام الغربي والمطبّع.
تجسّد أخطر معالم التزييف والتلفيق في التعليق الذي جاء على لسان مقدّمة برنامج “منصات” والتي تحدّثت عن تخلّي الصحفي علي مرتضى عن “أخلاق المهنة وتعريض زملائه للخطر”، ما يعكس خلطا متعمّدا بين البعدين الذاتي والموضوعي في القصة، فما نشره الصحفي اللبناني على صفحته الشخصية في فيسبوك أو تويتر يعبّر عن آرائه لكنه لا ينسحب بالضرورة على قناة الميادين، وقد يتعارض مع سياستها بشأن “الخطابات التحريضية”، مثلما سعت القناة إلى الإيهام بذلك.
وفي خضم اندفاعهم لتسويق الدعايات القائمة على الكذب ودسّ السم في الدسم ومحاولة غسل الأدمغة، تناسى القائمون على القناة الإماراتية، الحكمة القائلة بأنّ “فاقد الشيء لا يعطيه”، ما يجعل من حديثها عن “الشرف” و”القيم المهنية” و”الموضوعية والحياد” غير ذي معنى، وعلى غرار سياستها القائمة على تلبيس الحق بالباطل، والتغاضي عن أبسط المبادئ الصحفية التي تنص على التوازن في التغطية وإفراد المجال لمختلف الآراء والروايات، وعلى أنّ المقاومة حق مقدّس أقرّته كل التشريعات الإنسانية والمواثيق الدولية والأممية، ولا يمكن وسمه بالإرهاب.