«على هواك» مسرحية تتكلم موسيقى
tunigate post cover
ثقافة

«على هواك» مسرحية تتكلم موسيقى

المسرحي التونسي توفيق الجبالي يُؤسّس في مسرحية "على هواك" لمسرح جديد يتكلّم أنغاما موسيقية تنطق بصوت أزلي يرفض ثقافة الموت
2022-07-14 17:25

صابر بن عامر

قدّم المسرحي التونسي المخضرم توفيق الجبالي مساء أمس الأربعاء 13 جويلية/ يوليو في افتتاح النسخة الـ56 من مهرجان الحمامات الدولي، عرضه العالمي الأول لمسرحيته الجديدة “على هواك” وسط حضور جماهيريّ كثيف غصّت به مدرجات المسرح المحاري بالحمامات.

“على هواك” عمل مسرحي شامل واصل فيه الجبالي مغامرة البحث والتجريب، مقدّما من خلاله رؤية مختلفة عن السائد.

الآلة الموسيقية نجم العرض

وعن العنوان قال الجبالي: “جاء العرض تحت عنوان “على هواك” اقتباسا من القاموس الموسيقي، إذ يمكن للمؤدّي أن يكرّر حسب الرغبة مقطعا من العمل، بطريقة حرة وليست مقيدة بالأصل”.

وأضاف: “تهدف التجربة إلى البحث في الكيان الموسيقي ما يدعم الخبرة المسرحية وما يتاخمها من مشاعر ولغات متجانسة. إنه مسرح آلاتي بالضرورة وليس مسرحا موسيقيا بما يُتيح إلغاء مفاهيم السرد والشخصية والتمثيل والأداء الموسيقي… الموسيقى باعتبارها فنا  يُفترض أن يكون شرفتنا على العالم، نحن ندوس بها على أكثر الأشياء قداسة بأناملنا العازفة، بالروح وبحناجرنا المحشرجة وأصواتنا القريبة إلى النحيب والعويل تحت مسوغ “التطريب”… ندوس على العناصر الأساسية لتعريف الموسيقى بأنها فن حمّال لِقيم جمالية لا تنضب، منقلبة على ذاتها ومحيطها باستمرار”.

هذا ظاهر العمل، لكن باطنه يتجاوز كل ما سبق، هو سرد مضحك مبكي لتونس الآن وهنا، بل تشخيص بصري للبلاد وما آلت إليه في العشرية الأخيرة.

هي وقفة تأمليّة في مصير شعب أربكته الثورة وشطحات ساستها وحكامها الجدد، هي قصف عاصف بعين عارف أن لا ملاذ لنا من إكراهات واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتردي سوى الفن والموسيقى تحديدا، بل تخصيصا الآلة الموسيقية التي كانت في العرض النجم الأول.

كونترباص، عود، طبلة، كمان، قيثارة وآلات نفخية أخرى… كلها اجتمعت في “على هواك” لتهجّينا ألف باء النوت الموسيقية، أو بعبارة أدق لتكشف لنا الفرق بين النشاز والإعجاز الموسيقي.

موسيقى مُربكة ومركبّة في الآن ذاته وضعها الموسيقي عادل بوعلاق صاحب فرقة “أجراس” وعضو “الحمائم البيض، جمع فيها بين الجدة والطرافة في العزف واللحن والكلمة.

تجربة قال عنها في تصريح خاص ببوابة تونس: “عرفت توفيق الجبالي منذ كنت يافعا، ترعرعت بين أروقة مسرح التياترو، تشبّعت من مناخاته الصارمة والحالمة في الآن ذاته… وكُتب لنا الالتقاء أخيرا في “على هواك” الذي جمعنا على أمرين لا ثالث لهما، التجذّر والتجاوز، التجذّر في المحلي حدّ العظام والتجاوز فنا وأدبا ومسرحا حتى الأحلام”.

 روح زينب فرحات

نوفل عزارة، عصام العياري، محمد صابر الوسالتي، ياسمين الديماسي، وليد العيادي، آمال العويني، سيرين بن يحيى، إشراق مطر، أحمد عليوين، مهدي الميداني، محمود السعيدي،  محمد أمين الحرباوي، بدري ميمونة، وسيم الطرابلسي فاطمة صفر وبديع بوسعايدي أسماء لامعة وأخرى شابة اشتركت في تحويل نص توفيق الجبالي وعياض الشواشي بالتعاون الفني مع نوفل عزارة ووليد العيادي وآمال العويني إلى حركة فملحمة بصرية صوتية تنتصر للجمال والخيال في زمن فاقد لكليهما.

عمل أتى على هوى فقيدة المسرح التونسي زينب فرحات رفيقة درب الجبالي وشريكته في منجزه الفني منذ ثمانينات القرن الماضي.

هي ابنة النقابي الصحبي فرحات الذي توفي في العام 1963، في أحد السجون التونسية، بعد أن اتهمه الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة بالمشاركة في محاولة انقلاب عام 1962. كانت إحدى الناشطات في الجمعية الحداثية المُدافعة عن حرية المرأة التونسية وحقوقها “النساء الديمقراطيات”.

فنيا أسّست رفقة الجبالي فضاء “تياترو تونس” سنة 1987 وتوليا إدارته معا وواصلت إدارته إلى آخر أيام حياتها، قبل أن تُفارق الدنيا في الثامن عشر من ماي/ أيار 2021. وأنجزا معا أهم المسرحيات التي أنتجها فضاء تياترو تونس، لعلّ أشهرها، مسرحيات “كلام الليل” بأجزائها العشرة و”يوميات ديناصور” و”المجنون” و”ثلاثين وأنا حاير فيك”.

كل هذا الزخم المسرحي الممتدّ لما يزيد عن ثلاثة عقود تراه وتسمعه بل وتتلمّسه حيا طريا وطازجا في “على هواك” التي جمعت بين الثورية النضالية والدعوة الدائمة إلى الحرية في المعتقد والملبس والمأكل والذائقة ، إلى جانب الاستشراف، استشراف للغة مسرحية جديدة، قوامها الآلة ونغماتها. واستشراف حسّي للآتي وإن كان مريرا وعديم فائدة على البلاد والعباد، لكنه آت لا محالة، وما علينا سوى التصدّي له بالفن.

وهو ما أكّدته الممثلة شاكرة رماح في تصريحها لبوابة تونس: “روح زينب فرحات كانت حاضرة وبقوة في العرض، فهي التي كانت وراء فكرة المسرحية وهي التي ثابرت قبل أن يغدرها الموت كي تكون حاضرة اليوم لافتتاح مهرجان الحمامات الدولي”.

وفي السياق ذاته، خصنا زوجها ورفيق دربها الفني توفيق الجبالي، بالقول: “الحافز الأول لهذا العرض هو زينب فرحات، من واجبنا وحقنا أن نُقيم هذا التكريم لروحها وهي المحبة والملمة بكل صنوف الموسيقى”.

وتنتمي زينب فرحات إلى عائلة فنية معروفة في تونس، فهي شقيقة المسرحي محمد رجاء فرحات والموسيقي أسامة فرحات.
وكانت للراحلة مساهمات كبرى في دفع الحركة المسرحية منذ إحداث مسرح “التياترو” بتونس العاصمة سنة 1987. وساهمت في إنجاح التجربة رفقة زوجها الكاتب المسرحي والمخرج والممثل توفيق الجبالي.
كما ساهمت في بروز أجيال من المؤلفين وكتاب المسرح والمخرجين والممثلين والممثلات، على غرار عاطف بن حسين وفؤاد ليتيم وشاكرة رماح وخولة الهادف وغيرهم الكثير.

أما توفيق الجبالي، فإلى جانب تأليفه  مسرحيات طبعت الذائقة الفنية التونسية والعربية وإخراجها على غرار “يوميات ديناصور”، “كلام الليل”، “المجنون”، “هنا تونس” وغيرها، هو أيضا أحد مؤسّسي المجموعة الفنية لنشر الثقافة العربية بفرنسا وشارك في تأسيس مسرح “فو”‏ عام 1979، كما تولى مهمة عضو اللجنة الاستشارية القارة للمسرح لدى وزارة الثقافة من 1981 إلى 1983 وعضو مجلس إدارة أيام قرطاج المسرحية عام 1997.

وهو اليوم بعرضه الجديد “على هواك” يُواصل، كما أسلفنا آنفا، البحث والتجريب بل والتأسيس لمسرح جديد وحديث يتكلّم أنغاما موسيقية تنطقها الآلة، ذاك الصوت الأزليّ الرافض لثقافة الموت.

"على هواك "#
توفيق الجبالي#
مسرح#
موسيقى#

عناوين أخرى