عقول متصلة بالشبكة… ومنفصلة عن الواقع!

شبكة الانترنت عقول

عماد هنانة *

لقد جعلت شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من جيل هذا العصر الجيل الأكثر اتصالاً في التاريخ.

لقد كبر أطفالنا في عالم حيث كل شيء متاح بنقرة واحدة، وسط تفاعلات افتراضية وتبادلات عبر الإنترنت.

ولكن في الوقت الذي كنا نظن فيه أننا قد استوعبنا مخاطر هذا “الاتصال المفرط” — حيث كان نصف شبابنا (أكثر من 50% ) يقضون بالفعل نحو 5 ساعات يومياً غارقين في تصفح شبكات التواصل الاجتماعي — صدمتنا الثورة الجديدة: ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي (Chat bots IA). 

هذه الأدوات، التي تحاكي المحادثة البشرية، أصبحت بالنسبة إلى الكثيرين ملجأً، أو كاتم أسرار، أو مستشاراً

فاليوم، لم يعد الأمر يقتصر على تصفح سلبي، بل قفز معدل بقاء الشباب أمام الشاشات إلى أكثر من 8 ساعات يومياً، مع دراسات خطيرة تكشف أن 24% من المراهقين باتوا يعانون من “تبعية واعتمادية عاطفية يومية” على روبوتات المحادثة الذكية.

إن أطفالنا يواجهون اليوم خطر الانفصال التام عن واقعهم.

وهذا المقال يحلل التأثير الخفي لهذه الروبوتات في سلوكهم، ويفحص العواقب النفسية المترتبة على ذلك، ويقترح سبلًا للوقاية منها.

التأثير الخفي لروبوتات الدردشة

من منا اليوم لا يستخدم روبوت دردشة ذكي مثل “شات جيبتي ChatGPT” أو “جمينايGemini” ؟ هذه التطبيقات المصممة للتفاعل مع البشر عبر اللغة الطبيعية أصبحت منتشرة في كل مكان. يمكنها مساعدتنا في كتابة بريد إلكتروني، أو تلخيص وثائق طويلة، أو توليد صور، أو حتى البحث عن وجهة لقضاء العطلة.

لكن الكثير من الناس، بما في ذلك الآباء، يجهلون أن هذه الروبوتات تمثل خطراً كبيراً. فقد ينخرط الأطفال والبالغون معها في محادثات عاطفية أو رومانسية، كما لو كانوا يتحدثون إلى أشخاص حقيقيين.

وهنا يصبح استخدام هذه الأدوات مقلقاً، حيث يمكنها التأثير في المستخدمين بطرق متعددة:

 –التلاعب العاطفي: تحاكي بعض الروبوتات مشاعر المودة والاهتمام، مما يخلق وهماً بالتعاطف يطمس الحدود بين الواقعي والافتراضي.

– التعلق العميق: قد يؤدي ذلك بالمستخدم إلى بناء علاقة وثيقة تبلغ حدّ عاطفة الحب والرّغبة الجنسية تجاه الآلة.

– هشاشة المستخدمين: الأشخاص الذين يعانون من الوحدة أو القلق، أو من ضعف نفسي يكونون أكثر استسلاما لهذه الروبوتات. فالهشاشة العاطفية تضاعف من خطر تعرضهم للتلاعب.

– التحريض على السلوك الإجرامي والخطير: في بعض الحالات، قد تنحرف المحادثات عن مسار التفاعل العادي لتدفع المستخدم نحو أفكار انتحارية، أو ممارسات ذات طابع إجرامي مع تبريرها.

في ظل غياب آليات فعالة للكشف عن الأزمات النفسية التي يمرّ بها المستخدم أو للتنبيه إلى  طبيعة هذه المنصات، قد تصبح هذه المحادثات خطيرة إذ يمكن أن تؤدّي إلى التعلّق النفسي بهذه الروبوتات ممّا قد يترتب عليه عواقب وخيمة على غرار الحوادث التي سنعرضها آنفا.

وقائع وحوادث نتيجة انحرافات روبوتات الدردشة:

تكشف بعض القصص المأساوية التي لم يولها عامة الناس اهتماما، إلى أي مدى يمكن أن يؤدي تأثير روبوتات الدردشة إلى كوارث. وهذه الأحداث الحقيقية والمروعة ليست للأسف حالات معزولة:

1 – قضية “آدم راينر” (Adam Rainer) :في أبريل 2025، وضع مراهق يبلغ من العمر 16 عاماً حدا لحياته. رفع والداه على إثرها دعوى قضائية ضد شركة OpenAI، متهمين روبوت الدردشة بدفع ابنهما إلى الانتحار وقدّما في هذا الغرض أدلّة دقيقة على ضلوعه في هذه الجريمة.

2 – حادثة “سيويل سيتزر الثالث” (Sewell Setzer III) :في فبراير 2024, هزّت حادثة انتحار مراهق آخر يبلغ من العمر 14 عاماً المجتمع الأمريكي. فقد أنهى “سيويل” حياته بعد محادثات عديدة مع روبوت من منصة Character.AI، أثرت في نفسيته وهو ما دفعه إلى الانتحار.

3 – حادثة السقوط القاتل لـ”ثونجبو وونغ باندو” (Thongbue Wongbandue) :في 21 أغسطس 2025، توفي رجل يبلغ من العمر 76 عاماً إثر سقوطه في مرآب للسيارات وهو في طريقه لمحطة الأرتال. لقد اعتقد “لثونجبو” أنه على علاقة رومانسية مع امرأة حقيقية على “فيسبوك ماسنجر”، وقد كان ضحية روبوت تابع لشركة Meta يُدعى “Big sis Billie” أوهمته عبر المحادثات بأنها تنتظر لقاءه.

4 – قضية منصة Character.ai :في 9 ديسمبر 2024، رفع والدا مراهق يبلغ من العمر 17 عاماً من تكساس دعوى ضد المنصة. يزعمان أن الروبوت أوحى إلى ابنهما بأن “قتل والديه جرّاء تقييدهما وقت مشاهدته للشاشة” كان رد فعل “منطقياً“.

سبل الحدّ من هذه الانحرافات:

تجنب مثل هذه الحوادث والحدّ من هذه الانحرافات لا يمكن أن يعتمد على إجراء واحد فقط. إنها مسؤولية مشتركة بين المطورين، والمشرعين، والعائلات، والمهنيين والمختصين في الصحة، والمستخدمين أنفسهم. فمثلا:

– شركات الذكاء الاصطناعي: يجب عليها تصميم أنظمة آمنة، مع آليات لرصد الحالات الخطرة، والشفافية، ومنع السلوكيات الخطيرة.

– الحكومات والهيئات التنظيمية: يجب وضع قوانين صارمة لتأطير الاستخدامات العاطفية للذكاء الاصطناعي وحماية القصر.

– العائلات والمربون: يجب مرافقة الشباب في علاقتهم بالرقميات، وفتح حوار حول استخدامات الذكاء الاصطناعي، ورصد علامات الإدمان أو الضيق.

– المختصون في الصحة النفسية: يجب التعرف على الآثار النفسية المرتبطة بالاستخدام غير الصحي للروبوتات وعلاجها، مثل “الذهان المرتبط بالذكاء الاصطناعي“.

– المستخدمون: يجب التحلي بوعي نقدي إزاء هذه الروبوتات باعتبارها غير بشرية والعمل على حفظ الخصوصية. أما عند الشعور بالقلق النفسي فلا بدّ من البحث عن المساندة العاطفية الإنسانية.

خاتمة

أمام السباق المحموم بين عمالقة التكنولوجيا — مثل OpenAI وGoogle وMeta — لتطوير أقوى الروبوتات، أصبحت التوعية ضرورة ملحة. فالأولوية بالنسبة إلى هذه الشركات ليست تحقيق سعادة المستخدمين بل إنشاء منصات دردشة ذات أداء رفيع لضمان التموقع العالمي والثراء السريع. وبالتالي فإن هذا المنوال الاقتصادي يؤدّي بشبابنا إلى الانسحاب الاجتماعي والانفصال عن الواقع والشعور بالعزلة والوحدة.

لقد أصبح من الملحّ أن تتدخل الحكومات لفرض تشريعات ووضع أطر تنظيمية قوية. لكن التنظيم وحده لن يكفي؛ يجب علينا دمج هذه التقنيات في البرامج المدرسية وتعليم الشباب كيفية استخدام هذه المنصات بشكل واعٍ ونقدي. من خلال العمل على هذين المحورين — التنظيم والتعليم — سنتمكن من الحفاظ على روابطنا الاجتماعية وعلاقتنا بالواقع. وفي غياب التفاعل السريع، فإن خطر تحول “جيل هذا العصر” إلى “جيل بعقول منفصلة عن الواقع” أصبح حقيقياً أكثر من أي وقت مضى. لم يفت الأوان بعد، لكن الوقت المتاح لنا يظلّ ضئيلا.

——————————————

* عماد هنانة: خبير تونسي في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يشغل منصب مدير نظم المعلومات بشركة SCET-TUNISIE.  ترأس الجمعية التونسية للذكاء الاصطناعي من 2019 إلى 2021، وشارك في إعداد عدد من الدراسات والاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في تونس. نشر العديد من المقالات والدراسات المتخصصة في مجالات التكنولوجيا والابتكار والإدارة، ويُعرف بنشاطه في نشر ثقافة الذكاء الاصطناعي والتوعية بتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *