عطش قاتل يهدد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

عطش قاتل

أصدر مركز الخليج للأبحاث دراسة مستفيضة حول تفاقم أزمة المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أكد أن المنطقة تواجه ندرة مطلقة تهدد توازنها التنموي والكياني، وتضع مستقبلها بمواجهة انهيار حتمي نتيجة عطش قاتل وشح الموارد المائية العذبة المتاحة مقارنة بنموها السكاني المتسارع.

 

واقع الأزمة المائية في منطقة شمال إفريقيا

 

أشارت الدراسة إلى أن بلدان شمال إفريقيا، كجزء جوهري من الإقليم، عانت من ضغوط مائية متفاقمة أدت فيها التغيرات المناخية إلى تزايد فترات القحط وتأثير مباشر على التدفقات المائية والمخزونات الجوفية.

 

في مصر، يمثل نهر النيل شريان الحياة الأوحد، بينما تواجه دول المغرب العربي عقبات جسيمة في إدارة الأحواض المائية المحدودة، وتبرز تونس كنموذج حي قاسى من اختلالات مائية هيكلية فرضت عليها أعباء مضاعفة في تأمين الاحتياجات الأساسية لسكانها وقطاعها الفلاحي.

 

وقد أوضح المركز أن التوسع العمراني والنمو الديموغرافي المتسارع في هذه الأقطار زادا من الضغط على شبكات التوزيع التي اشتكت أصلا من نسب فقد عالية، مما فاقم من إشكالات الأمن المائي والغذائي بشكل ملحوظ في كافة دول شمال إفريقيا.

 

الأسباب الجوهرية لاستنزاف المياه

 

وفقا لتحليل المركز، استحوذ القطاع الزراعي على أكثر من 80% من الموارد المائية المتاحة في المنطقة مع اعتماد واسع على أنماط ري تقليدية ذات كفاءة منخفضة جدا، وهو ما صنّفه المركز المحرك الرئيسي لهدر تلك الثروات.

 

كما أدى تصاعد درجات الحرارة الناتج عن التغير المناخي إلى زيادة معدلات التبخر ونقص المتساقطات، مما قلّص الموارد المتجددة وأثر سلبا في جودة المياه المتوفرة.

 

وسلّط التقرير الضوء على البنية التحتية للمياه التي تعاني من تهالك كبير، حيث ضاعت كميات هائلة قبل وصولها للمستهلكين بسبب التسريبات وعدم فاعلية الصيانة، إلى جانب قصور الحوكمة وغياب التنسيق، تزامنا مع حقيقة أن أكثر من 60% من الموارد المائية تُعدُّ موارد عابرة للحدود، الأمر الذي فتح باب التوترات السياسية حول تقاسم الحقوق المائية.

 

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية

ألمحت المؤشرات الاقتصادية إلى أن استمرار هذا المسار ينذر بمواجهة دول المنطقة انخفاضا حادا في نواتجها المحلية الإجمالية خلال العقود المقبلة نتيجة لتفاقم الشح المائي، وهو خطر تجاوز البعد المالي ليصل إلى عمق الاستقرار المجتمعي.

 

وفي حين يمتد التأثير ليطال الصحة العامة مع ارتباط نقص المياه النظيفة بانتشار الأوبئة وتهديد الأمن الغذائي نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي، بيّن مركز الخليج للأبحاث أن هذه الأزمات المتراكمة دفعت نحو حركة نزوح واسعة من الريف إلى المدن هربا من خطر العطش؛ مما ضاعف الضغط على الخدمات الحضرية المتهالكة أصلا، وخلق هزات اجتماعية واقتصادية هددت السلم الأهلي ودفعت المنطقة نحو حافة عدم الاستقرار.

 

ضرورة التحول نحو الإدارة المستدامة

خلص مركز الخليج للأبحاث إلى أن الخروج من مأزق العطش يتطلب إستراتيجية عاجلة ترتكز على “الاستثمار المكثف في التكنولوجيا” من خلال التوسع في محطات تحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة وتطوير تقنيات الري الحديثة.

 

كما حث خبراء المركز على ضرورة تحويل المياه العادمة من عبء بيئي إلى مورد مائي إضافي عبر المعالجة المتقدمة، وتبني سياسات تسعير عادلة للحد من الإسراف مع حماية الفئات الأكثر ضعفا.

وشدد المركز على أن تفعيل الدبلوماسية المائية عُدَّ أمرا حيويا لضمان الإدارة العادلة للموارد المشتركة، وتجنب النزاعات، وضمان أمن المياه المستقبلي لشعوب المنطقة.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *