وجدي بن مسعود
قلما احتفظت الذاكرة الشعبية التونسية في القرون الخمسة الماضية بمكانة اعتبارية أو نظرة إيجابية لكل ما يمت بصلة للجيوش والعسكر، إذ انطبعت صورتهم في المخيال العام كأداة للقمع والتنكيل سلطت على ظهور التونسيين من السلطة والحكام المتعاقبين، حتى أصبح ذكرهم عنوانا لإرث سيئ من الأهوال التي سلطت عليهم.
أهم الأخبار الآن:
تعكس بعض الأمثال الشعبية والتوصيفات المجازية الحاضرة حتى اليوم في التراث الشفهي تلك العلاقة المتوترة مع الجهاز العسكري بشكل عام، الذي أمعن الدايات والمراديون (نسبة إلى الحاكم مراد الثالث)، ومن بعدهم البايات الحسينيون في توظيفه لاضطهاد العامة وضرب الانتفاضات الشعبية وحصار المدن وتجويع الفلاحين، فبات ذكر “الصبايحية” على سبيل المثال (وهم فيلق الفرسان الخيالة) تعبيرا عن التحقير ومرادفا للعمالة والتبعية للطغاة. فيما أصبحت المحلة (وهي الحملة العسكرية التي تخرج لجمع الجباية والضرائب بالقوة) إشارة إلى المصائب والخطر الداهم والأخبار السيئة.
ووسط تاريخ مشوب بالقطيعة والتوتر في علاقة التونسيين بالعسكر، يبرز ذكر “عسكر زواوة” كحالة استثنائية في الذاكرة الجماعية، مفعمة بمواقف متباينة متناقضة تجاه هذه الفرقة المكونة من جنود المشاة المحليين.
رمزية المفردات
ارتبط ذكر “عساكر زواوة” بمفارقة شديدة الرمزية ما بين أدوارهم القتالية في الصفوف الأولى خلال الحروب، ومكانتهم المتدنية بالتراتبية العسكرية ومرتباتهم الضعيفة، فتحولوا إلى مضرب الأمثال في تدني الأجر مقابل كثرة العمل وشدة وطأته وجهده.
كحال “عسكر زواوة متقدمون في الحرب متأخرون في الراتب”، هكذا يختزل المثل الشعبي التونسي نظرة تاريخية مشوبة بالإشفاق مخلوطة بالازدراء لهذه الفئة من الجنود الذين قبلوا بوضعهم المزري داخل الجيش، رغم تضحياتهم الكبيرة في الحروب والحملات العسكرية.
فلم تخل محلة الصيف والشتاء التي يسيرها البايات إلى الجهات الداخلية من مجاميعهم، إلى جانب مشاركتهم في فرض الأمن ومواجهة تمرد القبائل على السلطة المركزية.
ويحيل المثل الشعبي الشهير على حالة من التعاطف الضمني مع هؤلاء الجنود الذين ينتمي جلهم إلى فئة اجتماعية بسيطة ومهمشة، رغم أصولهم الراجعة إلى الغرب الجزائري، على عكس المستويات والرتب والتنظيمات العسكرية الأخرى التي ينتقى أفرادها بدقة من العائلات الثرية والبرجوازية والمحيطة بحاشية الباي و”أشراف” الحاضرة
من أين جاء زواوة؟
ترجع أصول جنود زواوة حسب أغلب المصادر التاريخية والباحثين، إلى منطقة تحمل اسمهم بإقليم القبائل غرب الجزائر وينحدرون من أصلاب عروش أمازيغية، فقد اشتهروا بكونهم مقاتلين أشاوس بالفطرة بفضل ما جبلوا عليه من شدة البأس والتحمل وقوة البنية الجسدية.
ويشير المؤرخ وأستاذ التاريخ الحديث بالجامعة التونسية مصطفى التليلي لبوابة تونس، إلى أن مقاتلي زواوة تميزوا بصلابتهم باعتبار نشأتهم في منطقة تشتهر بوعورة تضاريسها وقسوة جغرافيتها ومناخها.
استعان حكام تونس من الولاة العثمانيين بعسكر زواوة منذ أواخر القرن 16 حسب موسوعة التاريخ العسكري التونسي، وكان أول من اعتمد عليهم ضمن التشكيلات القتالية والعسكرية كل من رمضان وحيدر باشا في الفترة ما بين 1569 و1570.
ويرجح الباحث التونسي في التاريخ المعاصر عبد الواحد المكني، أن استعانة الولاة العثمانيين بمقاتلي زواوة كان بهدف إضعاف صلاتهم بالسكان المحليين التونسيين، وبالتالي ضمان انضباطهم والسيطرة عليهم إلى جانب الجيش الإنكشاري.
مع أهمية دور مقاتلي زواوة والبسالة التي أبدوها في الحروب وجدارتهم المطلقة في الاندفاع في الصفوف الأولى، وقع تنظيم وحداتهم بشكل قار وانحصر دورهم كقوة هجوم أو التحام أولى، غالبا ما يكون معظم عناصرها بمثابة طعم أو “لحم للمدافع” حسب التعبير العسكري الدارج، بسبب الخسائر الكبيرة التي يتعرضون لها، كما وقع إحداث ديوان خاص بهم على غرار ديوان الإنكشارية لكن مخصصاتهم المالية كانت جد متدنية.
عناصر قوة
وتكمن قوة جنود زواوة ونجاعتهم حسب المؤرخ مصطفى التليلي في حديثه لبوابة تونس في كونهم يصنفون كمشاة خفيفة يتميزون بسرعة الحركة ورد الفعل، عكس جيش الإنكشارية الذي يعتبر جيشا ثقيلا على مستوى التسليح إلى جانب استعمالهم للاسلحة الخفيفة وقدرتهم على التأقلم مع مختلف الظروف.
مثل استقرار الزواوة عاملا مهما في اندماجهم مع السكان المحليين وتزاوجهم من العائلات والعروش المختلفة وبالتالي “تونستهم” وفق تعبير المؤرخ عبد الواحد المكني وانعكس انصهار الزواوة في البيئة التونسية في تغير ألقابهم العائلية التي تحولت من الموروث القبائلي الجزائري مثل أحسناوي، أمزيان، عميراش.. إيدير.. وميهوب إلى كنيات جديدة مثل زواوي وزواغي ومزوغي وجلجلي وجليلي
ورغم انضباطهم العسكري وولائهم للمخزن، إلا أن جنود زواوة لم ينؤوا بأنفسهم عن التورط في الصراع عل ىالسلطة حسب ما ذكره الأستاذ مصطفى التليلي، خاصة خلال ما عرف بالفتنة الباشية سنة 1728 بين حسين بنعلي مؤسس الدولة الحسينية وابن أخيه علي باشا، ما تسبب في انقسام صفوفهم بين المعسكرين المتحاربين.
خرافات
ورغم استمرار حضورهم كقوة عسكرية مؤثرة في القرن 19، إلا أن محدثنا يستبعد الروايات المتداولة عن مشاركتهم في حرب القرم التي خاضتها الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية، والتي شهدت مشاركة سرايا عسكرية تونسية أرسلها الباي سندا للجهد الحربي العثماني.
ويرجح الأستاذ التليلي أن حرب القرم شاركت في معاركها نواة الجيش التونسي الحديث التي أعيد تشكيلها وتأسيسها، ضمن الإصلاحات التي أقرها المشير أحمد باي آنذاك.
عانى جنود زواوة بشكل مستمر من المعاملة السيئة والعنصرية والمؤامرات من قادة الجيش ورجال الحكم، نتيجة تدني رواتبهم ورتبهم العسكرية ، وعدم امتلاكهم وزنا مؤثرا على عكس الفيالق الأخرى، ما هيأ الأسباب لتمردهم في عدة مناسبات كان العامل الاجتماعي والوضع المادي محركها الرئيسي حسب الباحث مصطفى التليلي.
جوبه تمرد عساكر زواوة بقمع دموي عنيف، ما كان يجبرهم في كل مرة على العودة إلى مواقعهم في الثكنات العسكرية إلى غاية حل وحداتهم نهائيا سنة 1883، ورغم الخدمات الكبيرة والتضحيات الجسام التي بذلوها في أبراج المراقبة وفي المعارك وقمع الانتفاضات الشعبية إلا أنهم ظلوا على هامش التاريخ العسكري يعانون من سطحية النظرة الشعبية إليهم رغم أصولهم البسيطة وظلم الحكام وازدرائهم ليظلوا منسيين لا مكان لهم في الذاكرة محكومين بمثل شعبي يختزل مظلوميتهم الإنسانية والتاريخية.


أضف تعليقا