تونس سياسة

عبد اللطيف المكي: توحيد المعارضة خلف مرشّح للرئاسيات ممكن ولا لشخصية مستقلّة

في حوار شامل مع بوابة تونس.. المكي يتحدّث عن الأزمتين السياسية والاقتصادية والانتخابات الرئاسية المرتقبة      
من تجربة النضال والمسؤوليات الحكومية صلب حركة النهضة، إلى تأسيس حزبي جديد، تجربة سياسية تعدّدت محطاتها واختلفت تفاصيلها منذ المرحلة الطلابية مرورا بالثورة التونسية، وصولا إلى الإرهاصات العميقة التي أعقبت 25 جويلية 2021.
 الحوار هذه المرة مع الدكتور عبد اللطيف المكي لم يكن كسابقيه، فـ”الجنرال” -كما يطلق عليه التونسيون- يقود اليوم مشروعا سياسيّا اختمرت أطروحاته وإطاره الحزبي، ليتحوّل إلى واقع فاعل يسعى إلى طرح تصوّر مغاير للعمل الحزبي في تونس، وتقديم بديل سياسي ممكن، في خضم نقاشات متصاعدة في الساحة الوطنية عن الانتخابات الرئاسية ومسار الأزمة السياسية ومستقبل “الأجسام الوسيطة”.
– يعقد حزب العمل والإنجاز مؤتمره الأول بعد تأسيسه قبل سنة ونصف، كيف تقيّم العمل المنجز على المستوى السياسي والحزبي وحضوركم في المشهد؟
– نحن حزب فتيّ، هدفنا تقديم عرض سياسي جديد للتونسيين بناء على استخلاص الدروس من المرحلة السابقة، وللأسف فإنّ حراكنا النضالي منذ التأسيس كان نضالا سلبيّا في معظمه، للتصدّي لانتهاكات الحقوق والحريات وتجاوز الدستور التي أعقبت “الانقلاب”.
  ولكننا في الوقت نفسه قمنا بعملية بناء مؤسسات الحزب وهيكلته على مستوى الجهات، إلى جانب تركيز اللجان القطاعية والنصوص القانونية الداخلية التي تحكم علاقات الحزب.
 وإضافة إلى الجهد السياسي داخل جبهة الخلاص، قمنا بنسج شبكة علاقات مع مجموعة من الأحزاب التونسية والشخصيات، فضلا عن تسوية الوضع القانوني للحزب سواء على مستوى النشر بالرائد الرسمي، وكذلك الجانب المالي المتعلّق بالحساب الجاري، حيث واجهنا صعوبات كبيرة في هذا الشأن، مقارنة بالمرحلة التي كانت تسبق 25 جويلية 2021، إذ كان إنهاء هذه الإجراءات يتطلّب بضعة أيام، في حين أنّ الأمر استغرق منّا قرابة السنة، نتيجة “الرفض الدبلوماسي” الذي واجهناه من البنوك، ما دفعنا في النهاية إلى اللجوء إلى البريد التونسي.
وفي تقديري فإنّ الحزب قام بما عليه في المرحلة السابقة رغم ظروف المناضلين، وأعتقد أنّ الانطلاقة الحقيقية في بناء القدرات الجماهيرية والشعبية للحزب والتنظيمية، وتدقيق الأطروحات السياسية سينطلق من هذا المؤتمر.
– في سياق الحديث عن المؤتمر، تحدّثت عن توجّه من جانبك لترشيح شخصية أخرى لمنصب الأمين العام، فما الذي يفسّر هذا القرار على الرغم من عدم استكمال بناء المشروع السياسي للحزب؟
– الأمر يرجع إلى طبيعة شخصية، فأنا دائما لا أرتاح في الموقع الأول، وأجد نفسي بشكل أفضل في مواقع أخرى تتيح لي مساحة أكبر من الحرية، كما أنّ هذا القرار يهدف أيضا إلى بعث رسائل لمعالجة صورة الأحزاب لدى الرأي العام التونسي، والتي ترسّخت على أنّها “أحزاب أشخاص”، وتهيمن عليها زعامات تظل في المنصب لعشرات السنين، ولذلك نريد أن نرسل رسالة بكوننا نعمل على تقديم تصور جديد للعمل الحزبي.
وإلى حدّ الآن مازلت أقاوم داخل الحزب من أجل ترشيح شخصية أخرى، ولكن حتى لو اُنتخبت مجدّدا خلال المؤتمر لمنصب الأمانة العامة، فستكون هي العهدة الأخيرة، وسأحاول ربما في الأثناء تسليم المسؤولية حتى قبل المؤتمر الثاني، وهذا لن يمس من حجم العطاء الذي يمكن أن أقدّمه من أيّ موقع آخر في سبيل إنجاح هذا المشروع.
– هناك من يرى أنّ هذه الخطوة هي تمهيد لترشّحك للانتخابات الرئاسية؟
– لن أغادر حزب العمل والإنجاز حتى وإن كانت لديّ النية للتقدّم إلى الانتخابات، وبالتالي سأظل قياديّا والصفة الحزبية باقية، والتفسير الحقيقي هو -كما أسلفت- مخاطبة الرأي العام بتصوّر جديد، لأني ما زلت أعتبر أنّ من بين الخسائر الكبرى التي تعرّضنا لها بصفتنا سياسيين ديمقراطيين ناضلنا من أجل الثورة و مقاومة الاستبداد، هو أن تترسّخ بالذهنية العامة فكرة سلبية بشأننا، ولذلك أعمل بكل الوسائل على تصحيح هذه الفكرة ، لأنّ رأس مالنا في الممارسة السياسية الديمقراطية وفي التنمية هو التفاهم مع الرأي العام.
– في ظل الحديث عن الانتخابات الرئاسية، هل ترى نفسك معنيّا بالترشّح حتى وإن كانت الفكرة ما تزال في طور التبلور في المرحلة الراهنة؟
– نحن معنيون باعتبارنا حزبا سواء دعينا إلى المشاركة أو إلى المقاطعة إذا لم تتوفّر الظروف، ولكننا معنيون بوضع صيغة لاستعادة الديمقراطية، وتحديد اسم المرشّح سيكون عبر النقاش، لذلك فمن يفكّر الآن في المرشّحين المحتملين للانتخابات الرئاسية فهو أشبه بمن يعالج الملف بصورة عكسية.
لا بدّ في البداية من رسم الرؤية وتقدير أبعاد القرار وهل من الممكن ضمان انتخابات نزيهة أم العكس، وهي تساؤلات توضّح الرؤية، وتعيين اسم المرشّح المحتمل يكون بعد ذلك في نهاية المطاف، لأنّك ستضع مواصفات وتحدّد إمكانيات النجاح وشروطه، ثم تقيس على ذلك بالمرشّح الممكن.
– ما هي المواصفات المطلوب توفّرها في تقديرك حتى يقع التوصّل إلى شخصية تُجمع عليها أغلب قوى المعارضة، كما تحظى بقبول لدى الرأي وتستطيع منافسة الرئيس سعيّد؟
– يجب أن تكون شخصية سياسية أولا، فمنصب رئاسة الجمهورية هو منصب سياسي بالأساس، و لا يعتمد حتى على الصلاحيات القانونية، بل على القدرة السياسية لخلق ديناميكية إيجابية في البلاد، تشمل ديناميكيات التنمية والحرية والسيادة وغير ذلك.
كما يجب أن تكون صفاته الشخصية والاجتماعية معروفة للجميع، فضلا عن تجربته السياسية والحزبية، فعلى سبيل المثال ينتخب الرؤساء في الغرب بعد مسار سياسي لا يقلّ عن 15 إلى 20 سنة، ثم بعد ذلك تأتي اعتبارات وكفاءات أخرى، وبالتالي فأنا أقول لا لرئيس غير مسيّس ولا لرئيس مجهول.
– في علاقة بدعوات توحيد المعارضة، كيف تقيّم المبادرات والجهود الساعية إلى تكوين جبهة موحّدة خلال الانتخابات الرئاسية والوقوف وراء مرشّح مشترك؟ وهل يمكن تجسيد ذلك؟
– بالقطع لا بدّ من توحيد القوى، لأن التشتّت الذي وقع في 2019 على مستوى الترشّحات للانتخابات الرئاسية، جعل الأمر أقرب إلى “الشهوات والرغبات الشخصية”، فالتقدّم إلى هذا الاستحقاق هو تنفيذ لإرادة جماعية ولتيار كبير ببرنامج عمل وعبر فريق متاكمل، وهذا التصوّر موجود بالفعل لدى الكثير من الأطراف السياسية، ولكن يبقى السؤال؛ هل سنستطيع تنزيله على الواقع أم لا؟ وشخصيا أقدّر أنّنا سننجح في توحيد التيارات الأساسية على الأقل، وإن لم يكن هناك مرشّح واحد، فسيكون هناك مرشّحون محدودون لأهمّ العائلات السياسية.
– هل تتّفق مع دعوات المقاطعة التي أطلقها البعض على غرار حمة الهمامي أم أنّك مع المشاركة الإيجابية كما يدعو البعض الآخر، بحجة عدم ترك المجال منفردا للرئيس سعيّد؟
– ما قاله حمة الهمامي صحيح، إذ يجب أن تتوفّر عدة شروط تتعلّق بالحريات والحقوق و إلّا فستكون الانتخابات مجرد تزكية، ولكن قد نختلف بين من يصدر حكمه وموقفه من الآن، وبين من يطالب بتوفير هذه الشروط مع تقييمها، إذن فنحن نتّفق على مستوى المبدأ ولكن نختلف في التنفيذ.
– كيف تقيّم اليوم أبعاد الأزمة السياسية بعد قرابة 4 سنوات من لحظة 25 جويلية؟ وما أبرز الاستنتاجات الكبرى التي تخرج بها تجاه سياسات الرئيس سعيّد؟
– الأزمة السياسية تلقي بضلالها على الوضع الاقتصادي نتيجة تهميشه، فلو حاولنا استقراء السياسة الاقتصادية لسعيّد لوجدنا أنّها تقوم على “اعتصار الإدارة” لخلق الحلول، وهذه الأخيرة لا تستطيع ذلك لأنها قائمة على تطبيق القوانين، أما الحلول فتتأتّى من خلال مبادرات وتصورات جديدة يقع تحضير مستلزماتها بتغيير القوانين، ولهذا تواصل تأزّم الوضع، فلم يقع على سبيل المثال حلّ أزمة التموين منذ ثلاث سنوات، ما تسبّب في استمرار معاناة المواطنين في البحث عن المواد الأساسية والأدوية وغيرها.
  في كل الأحوال، الأزمة الراهنة متعدّدة الأبعاد وتتعقّد باستمرار، ولذلك لديّ ثقة في الرأي العام التونسي بأنّه سيغيّر الأوضاع عندما تتوفّر له فرصة انتخابية نزيهة.
– هل تتّفق مع آراء المعارضة وبعض المحللين السياسيين الذي يعتبرون أنّ رئيس الجمهورية “يمارس سياسة الهروب إلى الأمام”، في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بتخوين المعارضين وإلقاء اللوم عليهم؟
– هذه مقوّمات الفكر الشعبوي، التفسير باعتماد نظرية المؤامرة وتخوين الجميع، واستعمال شعار “الشعب يريد”، وهو ليس الشعب الحاضر في الشارع بل شعب موجود في خيالات الشعبويين، للتغطية على رغباتهم الشخصية، ولكن القاعدة تؤكّد انتصار الشعوب على الشعوبيين بشكل دائم فمثلما انتصرت البرازيل على جايير بولسونارو، ستنتصر الأرجنتين على خافيير مايلي، وسننتصر في تونس إذا توفّرت انتخابات نزيهة.
– إلى أين تسير حسب رأيك قضية المساجين السياسيين بعد مرور أكثر من سنة على إيقافهم؟
– شخصيّا أؤكّد أنّ المسؤولية مسؤولية القضاء، فإذا كانت لديه وقائع تبرر إبقاء هؤلاء الأشخاص في السجن فيطلع عليها الرأي العام وإذا لم تكن لديه فيجب عليه رفع المظلمة وإطلاق سراحهم، وللأسف السلطة السياسية سقطت في انتهاك الحريات وسعيّد تدخّل في أكثر من مناسبة في شؤون القضاء ويحكم بنفسه قبل أن يحكم القضاء، وطبيعي جدا أنّ هذه الاعتقالات في صالحه، لأنه اعتقل زعامات سياسية لها ثقلها ودورها في مخاطبة الشعب وتنظيم أحزابها وقيادة الاحتجاجات، بالتالي فهذه الإيقافات تخدم قيس سعيّد.
– لماذا اختلفت مع محمد عبو بشأن طرحه المتعلق بترشيح شخصية غير سياسية للانتخابات القادمة؟
– هذا طرح غير سليم لأن التجربة أثبتت أنّ اختيار رئيس جمهورية “تكنوقراط” أو حتى شخصية سياسية مستقلة وغير معروفة، ولا يمتلك شبكة علاقات، كما لم يختبره الناس في مواقف معيّنة ليثبت أنه رجل حوار وتجاوب، لا يمكن أن ترشّح مستقلّا يمكن أن ينفلت من أيّ التزامات مثل سعيّد الذي سانده الكثير من الناس، ولكنه الآن يتنكّر لكل ما وعد به في الحملة الرئاسية.
– هل تتوقّع نجاح البرلمان في تعديل المرسوم 54 بعد تقدّم مجموعة من النواب بمبادرة في هذا الخصوص، خاصة في ظل الانتقادات الكبيرة لهذا المرسوم الذي يستخدم للتضييق على الحريات؟
– لا أريد أن أتحدّث عمّا سمّيته برلمانا لأنّي لا أعتبره كذلك، ولو كان ينتظر منه أيّ شيء إيجابي لانطلق أعضاؤه في تغيير الدستور الذي جاء به قيس سعيّد، فلا يمكن لأيّ برلمان أن يقبل بذلك الدور المحدّد له، ويصبح بمثابة “سلطة أو وظيفة تشريعية منقوصة”، لأن رئيس الدولة يستطيع أن يشرع بالمراسيم خلال العطلة البرلمانية، وهي بدعة أحدثها بورقيبة قبل 60 سنة.
أما بالنسبة إلى المرسوم 54 فهو مرسوم معاد للحريات ولا يكفي مجرد تنقيحه، وبالقياس على الوقائع السابقة من خلال ما حدث في جلسة قانون تجريم التطبيع، فإنّ النواب لن يكونوا قادرين على تعديل هذا المرسوم.
– هل ترى أنّ مستقبل الأحزاب والمنظمات وقوى المجتمع المدني مهدّد في تونس في ظل موقف الرئيس سعيّد من “الأجسام الوسيطة”، كما يطلق عليها؟
– الأحزاب ستصمد وستعود إلى موقعها في الحياة السياسية، صحيح أنّ الكثير منها تتعرّض للمضايقات وإغلاق المقرات، و نشاطاتها يُضيّق عليها، يكفي أن تحاول تنظيم تظاهرة في شارع الحبيب بورقيبة حتى تُمنع من استعمال مضخّمات الصوت على سبيل المثال، فكيف يمكنك أن تسمع صوتك للمواطنين والجمهور.
    أما بالنسبة إلى موقف سعيّد فعاقد أنّه يناقض نفسه لأنه لا يبدي أيّ موقف تجاه ما يسمى التنسيقيات الناطقة باسمه، وهي بمثابة أحزاب لكنها غير حاصلة على ترخيص ولا تعلن عن نفسها في الرائد الرسمي، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يلغي الأجسام الوسيطة لأنه سيكون كمن يريد بناء طابقين علوي وسفلي مع حذف الطابق الأوسط.
والمؤكّد أنّ الأحزاب ستبقى ولكن كل ما نعيشه اليوم هو بمثابة وقت نخسره لأن تونس ستراجع كل إرث قيس سعيّد من الدستور إلى أدنى مرسوم أصدره، فنحن لسنا ببلد يقع فيه تجريب النظريات السياسية بل علينا أن نستفيد من التجربة الإنسانية وأن ننطلق في عملية تنمية حقيقية تعالج الفقر والمشاكل المعيشية والاجتماعية التي يعانيها التونسيون.